لم تلق القصيدة التي نحن بصددها حقّها من الاحتفاء رغم عذوبتها، والسبب يعود إلى إهمال الشرّاح ذكر من هي أُسيماء التي يتحدث عنها بحرارة، خُيّل لهم أنّها اسمٌ عابر كنوارِ وسلمى وخولة وسميّة وكُبيشة وهند وباقي الأسماء التي ذكرها كي يؤدي تقاليد المطالع الغزلية، والصواب أنها ابنته.
لم يلتفت إلى القصيدة سوى بعض بُلدانيينا المحليين لأنها تصف سحابة تسافر شمالا عبر عالية نجد من حصاة قحطان حتى بلدة الشعراء. هذا وحده سببٌ كاف كي تُقرر على أبنائنا يحفظونها، فلا شيء يربط المرء بأرضه مثل شعر قديم يتغنى بها ويعدد مواضعها، لكني أريد لهم أيضا أن يتذوقوا عذوبتها الآسرة.
يقول لبيد بن ربيعة رضي الله عنه: طافت أُسَيماءُ بالرحالِ فقد * هيّج منّي خيالُها طَرَبا * إحدى بني جعفرٍ بأرضهِمِ * لم تُمسِ منّي نَوباً وَلا قُرُبا * لم أخشَ عُلويةً يمانيّةً * وكم قطعنا من عرعرٍ شُعَبا ؛ أول ما يلفت الانتباه في القصيدة موسيقاها الآسرة كونها من بحر المنسرح.
هذا البحر يوصف بالسهولة والانسراح ويناسب الخفّة التي يجدها المرء في نفسه حين ييمم صوب أهله ودياره. لم يصرّح لبيد بعلاقته بأسماء، بل ألمح إليها إلماحًا، فقال إنّها جعفرية مثله (لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر) وصغّرها فجعلها أُسَيماء، حتى لتكاد تحسّ بكل حَدَب الأبوّة في هذا التصغير.
يلمّ طيف أُسَيماء بركب لبيد وهم عائدون إلى ديارهم، وجوههم تلقاء عالية نجد واليمن (لم أخش علوية يمانية)، أغلب ظنّي أنّهم انصرفوا من مجلس النعمان بن المنذر في الحيرة، فمرّوا بحفر الباطن والتيسية والنفوذ على هذا الترتيب: جاوزن فلجًا فالحَزنَ يُدلِج * نَ بالليلِ ومن رمل عالجٍ كُثُبا.
ثم يقول: مِن بعد ما جاوزت شقائق فالده * نا وغُلب الصُمّان والخُشُبا * فصدّهم منطقُ الدجاج عن العه * دِ وضربُ الناقوس فاجتُنِبا ؛ وأنا لا أفهم كيف تمرّ النوق بفلج والحزن وعالج بعد الدهناء والصمّان! إلا إذا كانت تاء التأنيث تعود إلى أسماء لا النوق، والخطاب انصرف إلى طيفها لا الركب!
وقد بحثت في الروايات عن تخريج يجعل البيت الذي يليه تصحيفا أصله: فصدّها منطقُ الدجاج عن العه * د وضرب الناقوس فاجتُنبا ؛ وهو معنى بديع، يجعل طيفها الذي خرج باحثا عن أبيها يضيع في الصحراء ويتجه شرقا أكثر من اللازم، حتى إذا دخل قرية أفزعه فيها صوت الناقوس والدجاج فانحرف غربا وشمالا.
لكنّ الروايات تُجمِع على تخريج البيت على صيغته: فصدّهم منطق الدجاج، مما يجعل المفعول به أليق بالركب من الطيف، وقد يكون المقصود بقوله (من بعد) وقت إلمام الطيف لا التتالي المكاني، فكأنّ الطيف لحقهم بعد تجاوزهم الصمّان والدهناء وتعريسهم خارج القرى حيث يُقرع الناقوس ويصوّت الدجاج.
وأيًا كان المقصود، وسواء أصُحِّف البيت أم لم يُصحّف، تبقى هذه الحاجة إلى اللقاء ثيمةً رئيسةً في القصيدة، ما بين أبٍ مشتاق وابنة خرج طيفها يبحث عنه في عرض الصحراء، وسنلقى أصداءً لها في باقي القصيدة، فنرى مهاةً تبحث عن جؤذرٍ نفق، ونشهد واديين عظيمين يلتقي تياراهما في سُرّة الرشاء.
ثم يسأل لبيد: هل يُبلغنّي ديارها حَرَجٌ * وجناءُ تفري النَجاءَ والخَبَبَا؟ وهو لا يرمي إلى أن يشكك بقدرة ناقته على حمله إلى دياره حيث ابنته أسماء، بل يريد أن يخلصَ إلى وصف ناقته، فيشبهها تارةً بمهاةٍ فقدت جؤذرها، وتارةً بأتانٍ يسوقها فحلها، قصتين قديمتين عالجهما مئات الشعراء.
كان الشاعر القديم يُسقِطَ كثيرًا من حالاته النفسية في قصتيّ المهاة الباحثة عن جؤذرها والأتان الناشزة على فحلها، ولا أعرف شاعرًا تناول هاتين القصتين وجوّدهما أكثر من لبيد، حتى وصل بهما إلى الذروة في معلّقته، وتكاد تكون باقي قصائده المتقدّمة مُسوّدات وتمارين لما سيحقق في المعلّقة.
لذا لا أريد أن أهدر وقتا طويلا على هذا الجزء، فحتى لبيد يكاد يقفزه قفزًا -على غير عادته- وكأنّ شوقه إلى الديار يدعّه دعًا كي لا يتوقف، لكن حسبك أن تتأمل جمال وصفه حين شبّه الفحل الذي يعنف بأتانه فقال: فَهُوَ كَدَلوِ البَحريِّ أَسلَمَها ال * عَقدُ وَخانَت آذانُها الكَرَبا .
يذكّرني الوصف السابق ببيتين لشاعر العاميّة ابن سبيّل: لي اقفى بها كن الطماميع تنحاه * كن الدلو طيرٍ الى نزّعت به * لين امزّع غَربه على حدّ عِرقاه * وجيلان بيره بالمِسوح لعبت به ؛ ولا غرابة إن تشابه الوصفان، فالمسافة بين ديار الشاعرين خمسون كيلا، وإن فصلت بينهما ألف وثلاثمائة سنة.
ثمّ نصل إلى أجمل أجزاء القصيدة، حين رأى لبيد برقًا فجلس متكئا على مرفقه يشيم مواقع صوبه: يا هل ترى البرقَ بتُّ أَرقُبُهُ * يُزجي حَبِيّاً إِذا خَبا ثَقَبا * قَعَدتُ وحدي له وقال أبو * ليلى متى يَغتَمِنْ فقد دَأَبا * كأنَّ فيه لمّا ارتفقتُ لهُ * رَيطًا ومِرباعَ غانمٍ لَجِبَا .
وأول ما أريد أن تلتفت إليه قوله: قعدتُ وحدي، كيف "وحده" وأبو ليلى معه في الشطر الثاني يخاطبه قائلا: متى يغتمنْ فقد دأبا؟ وأبو ليلى ليس أيّ رجل، بل هو من أخلص أصدقائه وأوشجهم رحِمًا به، وقد رثاه في موضع آخر فقال: ألم ترَ فيما يذكرُ الناسُ أنني * ذكرتُ أبا ليلى فأصبحتُ ذا أربْ؟
لكنّك تعلم أنّ المرء إن كثرت بلابله وألحّ به الشوق يجلس وحيدًا، وإن كان في مجلسٍ صاخب. ثمّ تأمّل جمال وصفه وكيف يسوق البرقُ السحاب، وكيف يهدأ تارة ويعنف تارات، وكيف يشبه بياضه لون الأقمشة، وكيف شبّه صوته بغنائم رئيس أخذ حصّته من الإبل فضجّت الأمهات والأولاد حين فُرِّق بينها.
ثم يتخيّل لبيد مواقع صوب السحاب فيقول: فجاد رهوًا إلى مناجل فالصُخ * رة أمست نعاجه عُصَبا * فحدّر العُصم من عماية للسه * ل وقضّى بصاحة الأربا * فالماء يجلو متونهنّ كما * يجلو التلاميذ لؤلؤا قشِبا ؛ وما دام لبيد ذكر التلاميذ فإني أكرر رغبتي بأن تُقرر عليهم القصيدة ويزوروا مواقعها.
تصف الأبيات السابقة السحاب الممطر وهو يسافر شمالًا فيمرّ على نفود الدحي وحصاة قحطان وبلدة الشعراء فيجمع البقر عُصُبًا يحاولن الاحتماء من السيل، ويُنزِل الوعول من جبالها، ويصطدم الماء المتنزّل على متون هذه البقر وهذه الوعول فيجلوها كما يجلو غلمان الصاغة لؤلؤًا جديدًا.
ثم يصف التقاء واديي الشعراء وجهام -وإن كان هناك خلاف على الأخير هل هو البَدِيّ أم لا- : لاقى البَدِيُّ الكُلابَ فاعتلجا * موجُ أَتِيَّيهِما لمن غَلَبا * فدعدعا سُرَّةَ الرشاءِ كما * دعدعَ ساقي الأَعاجِمِ الغَرَبا * فكلُّ وادٍ هدَّتْ حَوالِبُهُ * يقذفُ خُضرَ الدَباءِ فَالخُشُبا.
هناك بيت للروماني ڤيرجيل يصف التقاء ريحين، ويُتخذ مثالا على صراع الطبيعة: رأيت جيوش الريح تصطدم قالعةً القمح السمين من أسفل جذوره مطوّحةً به يمنةً ويسرة ؛ لكنّه ليس شيئًا مقابل بيت لبيد: لاقى البَدِيُّ الكُلابَ فاعتلجا * موجُ أتِيّيهما لمن غلبا ؛ فمعنى الغَلَبة أوضح في هذا البيت.
ثم تأمّل كيف أخذ كل وادٍ يقذف بالقرع والخشب في سُرّة الرشاء حيث يلتقيان، وكيف فاضت بالماء كما يفيض قدحٌ يملأه ساقي الأعاجم، ونحن إلى الآن إذا صببنا القهوة أو الشاي لا نملأ القدح، ولعلّ لبيدًا لاحظ في مجالس النعمان أو سمع ممّن جالس كسرى وغيره من الأعاجم خلاف ذلك!
ثم كأنّ لبيدًا تفطّن إلى أنّه في حمّة خياله جاوز بالسحاب دياره، فسلّط عليه ريحًا شمالية أرجعته: مالت به نحوها الجَنوبُ معًا * ثمّ ازدهتهُ الشَمالُ فانقلبا * فقلتُ صابَ الأَعراضَ ريّقهُ * يسقي بلادًا قد أمحلت حِقَبا * لترعَ مِن نبتهِ أُسَيمُ إِذا * أنبتَ حُرَّ البُقولِ والعُشُبا.
لا أقرأ البيت الأخير إلا وأذوب دفئا وحنانا: لترع من نبته أُسَيمُ إِذا * أنبت حُرَّ البُقولِ والعُشُبا ؛ إذن هذا البرق اللامع، وهذا السحاب المتراكم، وهذه السيول الجارفة، وهذه الرياح تدفع السحاب ثم ترجعه، لم يسلّطها لبيد في عين خياله إلا لتخرج أُسَيم في غُنيماتها ترعى العشب والبقل!
قل لي بربّك هل قرأت أرقَّ من هذا؟ إن كنت لمستَ حَدَبًا أبويًا في أُسَيماء، فماذا تقول في أُسَيم؟ سيدرك لبيد الإسلام، وسيُعمّر دهرًا يرى فيه أحبابه وأقاربه يموتون، وسيرى قبيلته تهاجر شمالا مع الفتوحات، لن يقلقه سوى مصير ابنته بعده: وحذرتُ بعد الموت يو * مَ تشينُ أسماءُ الجَبينا.
يزعم الرواة أنّ لبيدًا توفيّ في الكوفة، وهذا يناقض صريح شعره، إذ يخبرنا ديوانه أنّه عاد إلى أرض أجداده بعد أن ألحَّ به الشوق، ليموت في وادي النسا جنوب الرسّ محاطًا بابنتيه بُسرة وأسماء: ونائحتانِ تندبان بعاقلٍ * أخا ثقةٍ لا عين منه ولا أثرْ =
فقوما فقولا بالذي قد علِمتما * ولا تخمِشا وجهًا ولا تحلِقا شعرْ * وقولا هو المرءُ الذي لا خليلهُ * أضاع ولا خان الصديقَ ولا غدرْ * إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما * ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذرْ ؛ أي والله فلقد اعتذر يا أبا عقيل، أم أقول أبا أُسَيماء؟ رضي الله عنك وأرضاك.
جاري تحميل الاقتراحات...