24 تغريدة 3 قراءة Mar 31, 2021
ثريد | سلسلة
ماهو الحب؟ هو اندماج الجمال والمعنى.
الجمال موضوعه غريب. فلا هو ذاك الجزء الداخلي منّا الذي نتحكّم به ونحوزه ولا هو ذاك الجزء الخارجي الذي نبتغي تملّكه وتعريف نفسنا به. فهو خارجنا مرّة، ومن ثم نألفه وكأنّه من عالمنا مرّة أخرى. الجمال هو ذاك العالم الغير ذاتي الذي يعكس لها ذواتنا التي لا نعرفها. هو مظهر لذاك الجوهر.
هو لمحة الكمال في المنقوص، المطلق في النسبي، المثالي في الواقعي. هو ما يخرج من سياقه وتمثيله الحالي ليرمز لماهو أعظم منه: الذات الحقيقية، المعنى، الزيادة.
لو نظرنا للجمال من ناحية تطوّرية، فهو حقيقةً ذاك الشيء المألوف لنا الذي يعدنا بالزيادة.
المظاهر الطبيعية جميلة فتعدنا بالغذاء والمأوى. الجمال الجسماني يعكس الصحة والخصوبة فيعدنا بأبناء أصحّاء، الجمال العقلي يعدنا بالتخطيط السليم والتصرّف الصحيح وحس المسؤولية. جمال اللباس يعكس هويّاتنا وطبائعنا فيعد المعجبين به بذوق وطبيعة معيّنة ليصادقونا. الفنون عالم جميل أيضاً.
الفنون تمتاز بأنها ليست أساسية. بل أن مما تشتهر به الفنون هي بأنها تتكلّف لتصنع الغير مفيد: كأس هش، ملعقة زجاجية بدلاً عن حديدية. الفنون في أصلها هي شيئين مماثلات للجمال: التعبير عن الذاتية والغنى. فأما التعبير عن الذاتية، فهي عندما نغنّي ونرقص ونقص ونرسم فإننا نخبر بمافي صدورنا.
وهذا لا يري الناس فقط دواخلنا وإنما كذلك يثبت لهم بأننا بشر مثلهم، ذوات تشعر. وبذلك، فهم لا يشعرون بالعزلة وإنما أنهم مفهومون. ومن ناحية أخرى، فهو يري الآخرين غنانا. فنحن أغنياء وأقوياء لدرجة "أهدار" وانفاق مواردنا على مالا يفيد. تطورياً هذا مشابه للزينات الجنسية.
الزينات الجنسية هي تغييرات جسدية -غالباً عند الذكر في الحيوانات والعكس عند البشر- مثل ضخامة القرون وحجم الجسد أو تلوّن الريش كالطاؤوس وكثرة الشعر لتاج الأسد أو بعض الفنون مثل رقص الطيور وتصميم المساكن والغناء. وهذه يأتي بعضها كدلالة للعمر والهيمنة، ولكن تشتهر أيضاً بفكرة الإهدار.
فالطاؤوس كمثال شهير يتزيّن للأنثى بريشه المرسوم والجميل ليجذبها معبّراً عن تركيبته الجينية الممتازة وكيف أنّه قادر على صناعة الغير أساسي فقط ليجذبها وهذا يرمز لغناه واستعداده للتضحية مثلاً. وبذلك، الانتخاب لا يكون للأنسب وإنما للأجمل :) وبذلك، الفن (غالباً ذكوري) يَعد بالزيادة.
ومن ناحية أخرى، ذاك الموحش والمقزز يعمل عكس الفن: فهو ينفرك عن الشيء ويحاول جعلك لا تنتسب إليه ويعدك بالتقليص. فمثلاً هو الجثّة المقززة التي تجتمع عندها البكتيريا أو الفضلات والقاذورات التي تتجمّع فيها الفئران أو حتّى لو كان لُعابنا عندما يخرج من فمنا يكون مقززاً لذات الأسباب.
فها هو الجانب الأول من الحب: الجمال. أن نرى أنفسنا في الآخر ووعده بمساندتنا وفهمنا. غالباً هذا ما يُدلي بفكرة الحب من أوّل نظرة وكيف يمكن أن يصبح الشخص "قبيح" بسبب تعرّفنا عليه: ليس بعقلية قادرة على فهمنا ولا بشخص كفؤ أن يساندنا و العكس: كيف يصبح الناس جميلين بعد تعرّفنا عليهم.
ماذا عن المعنى؟ ببساطة المعنى هو الارتباط، الإنتماء، المودّة، عكس العزلة عن العالم والإنفصال. أشهر مثال لعكس المعنى هو الاكتئاب: الانفصال عن الذات بعثاً عن جواب لتهديد وجودي (التهاب حيوي، فردانية مجتمعية، صدمة نفسية، هويّة مجهولة، إلخ.) بينما المعنى فهو الشعور بالحيوية والحضور.
تكلّمت هنا عن أن المعنى هو في الوسط بين حضور الذات ورؤيتها كموضوع وكيف أن مرتفعات الجبال جميلة لأنها تسمح لنا بتحرير أنفسنا ورؤيتها وليس لأنها "المكان الصحيح".
لو قلنا بأن المعنى هو "الذات"، فقد نتحدّث عن الذات الماضية، الحاضرة، والمستقبلية الممكنة..
فأما الذات كموضوع ماضي، فنحن نرتبط بها لنفهم ذواتنا، نشكّل هوياتنا. فهي صاحبة التاريخ الذي يعطينا سرد لقصتنا، انتماءاتنا وتجاربنا، المراحل التي مررنا بها لنصل هنا. من يجهل ماضيه أو يفقد الأساس الماضي هذا يبدأ بفقدان ذاته. ومن تترامى هويته هو المنفصم (Schizophrenia).
وأما الحاضر، فهو في اتصالك مع العالم من حولك. فعند أفضل لحظاتك يكون العالم كلّه في صدرك وتكون روحك في العالم على خلاف المكتئب الذي انفصل عن جسده واُسودَّ عالمه. فعائش المعنى يستشعر العالم كلّه ولكن عندما يصير حضورك مُهدد مثل التعرّض لفاجعة أو صدمة فإنّك تبدأ بالانفصال عن العالم..
فلا تستشعره (حيث الشعور يعني الحافز للعمل بينما التهديد الوجودي يعني التوقّف والتفكير) فتصير فارغاً (وهذا هو العذاب الحقيقي). تكلّمت بشكل أطول عن المعنى (والاكتئاب) هنا:
وأخيراً فالمستقبل هو في اتصالك مع ذاتك الممكنة، ذاتك المستقبلية الأفضل.
فقدان الذات المستقبلية بمثال بسيط هو في الملل، حيث يتوقّف الحافز أو الهدف المستقبلي المحفّز فتبقى في الفراغ المهدد. ولو حاولت المواصلة للمستقبل، حاولت أن تصير ذاك الشيء الفارغ أو المجهول، حاولت مقاربة ذاك الموضوع الغير واضح، فهذا هو عين القلق.
القلق للاكان هو محاولة أن تصير شيئاً لا تعرفه. تخيّل جوالك يرن في الصبح وتكون أمّك.. مثير للقلق. السبب؟ المتصل والوقت فاجع وكأنّه يتوقّع منك أن تكون شخصاً آخر: ليس سطام في الجامعة وإنما في المنزل ليقود للمستشفى.
وبذلك، عندما يكون المستقبل ليس بمخيف، وإنما يريدك أن تكون مالا تعرف، يكون المستقبل مقلقاً. مقابلة الناس أحياناً مقلقة لذات السبب: يموضعونك ويرونك بطريقة أخرى غير التي ترى نفسك فيها.
وإن كنت الآن تتمظهر وربما توجد بالكامل بناء على نظرتهم لك، على نظرتهم للشخصية الافتراضية التي تُظهرها لهم، ونظرتهم لك لا تعرفها فمن أنت؟ من أنت هذا الذي تحاول أن تكونه وهو مجهول بالنسبك لك لأنك لا تعرف من ينظرون إليه؟
الحب يعدك بالمعنى هذا كلّه. الحب يعدك بأن تنظر نفسك لا في ماضيك وإنما في الآخر. لا كجزء منك، وإنما مرآة تريك نفسك، مرآة ترى فيك حقيقتك دون ماضيك، ذات تشير إلى صغائر أمورك وخفاء لا وعيك فتأتي بهويتك التي لم تعرفها، تلك الذات التي تخبرك بإنسانيتك عن طريق انسانيتها. تعدك بتاريخ جديد
الحب يعدك بحاضر مسالم وآمن، بحاضر أكثر استقراراً وسند فلا تحتاج الانفصال عنه لتحلّه وإنما أن تتصل معه لتعيشه. هي ذات تجرّك من عالم المواضيع لعالم الذوات، تناديك فتذكّرك باسمك كإنسان موجود. هي تلك الذات التي تغني عالمك فلا تحتاج أن تصطنع خيالاً بديلاً عنه في عقلك لتهرب إليه.
الحب يعدك بمساندتك للوصول لتلك الذات الممكنة، يعدك بأن يفهمك على طبيعتك فلن تقلق من ذاك الموضوع المجهول، يعدك بأن تلك الذات الممكنة والموضوع المفهوم سيُخرجونك من فراغ اللا-حافز. هي تلك الذات التي تعدك بمستقبل أغنى، مستقبل يحوي تجارب أكثر وموارد أوفر (وأطفال).
الحب علاقه مع شخص لا نريد حيازته ولا نريد الانفصال عنه كموضوع الجمال، جزء منا وجزء غير عنّا: جزءٌ مألوف. ومن ثم هو ذات مثلنا، أصل للمعنى يغنينا.
ها هو الحب: جمال ومعنى. جمال يريك نفسك المألوفة خارجك ويعدك بالزيادة ومعنىً يصلك بذاتك العائشة وموضوعك المعلوم.

جاري تحميل الاقتراحات...