#Entomology #insectweek #insect
السلسلة الثانية
تأملات في خَلق الفراشة (الجزء١)
بقلم الدكتور يحيى مسرحي
#الفراشة
#اسبوع_الحشرات
السلسلة الثانية
تأملات في خَلق الفراشة (الجزء١)
بقلم الدكتور يحيى مسرحي
#الفراشة
#اسبوع_الحشرات
لي مع الفَرَاشَات وَقفات.. ليس لشكلها وبهائها (وهذا سبب في حد ذاته).. ولكن لارتباطها الوثيق بمجال عملي واهتماماتي بعلم النبات.. ذلك أنها ترتبط بعلاقات وطيدة مع النباتات
من الاغتذاء والمساهمة في تلقيح الأزهار.. إلى التسلّح بكيماويات دفاعية تقيها خطر المفترسات.. عن طريق تغذي يرقاتها على نباتات سامة وتركيز هذه السموم في أنسجتها
أكثر هذه الوقفات إثارة ما يتعلّق بتحوّلها من يرقة دودية الشكل (قد يراها البعض مُخيفة وغير مقبولة شكلاً) إلى فراشة جميلة رقيقة ذات أجنحة هفهافة بديعة!.. وقد قدّر لي أن أعاين هذا التحوّل في شهر ديسمبر من العام 2008 بمصادفة بحتة.. بدون أي ترتيب أو قصد
كنتُ في أحد الرحلات الحقلية لملاحظة وجمع بعض النباتات في منطقة جافة شرق تهامة جازان.. لاحظت على أحد النباتات العصارية من الفصيلة العشارية يرقة فراشة نمر السهول (تدعى أيضاً فراشة الملكة الإفريقية).. وكثيراً ما ألاحظها تتغذى على أنسجة ساق وأزهار النبات
إلا أن هذه اليرقة كانت مختلفة شكلاً وسلوكاً!.. لم تكن تأكل كأقرانها.. بل اتخذت حيزاً على الساق العصارية.. وتعلّقت بمجموعة من الخيوط الدقيقة رأساً على عقب.. وبدأت بالتحرّك بشكل خفيف والتراوح في مكانها.. وشيئاً فشيئاً
بدأ الجُليد الخارجي يتبدّل بشكل مذهل.. وينقشع عن شرنقة (خادرة).. لم تلبث أن احتوت ذلك الكائن.. وظهرت ككيس معلّق..
قطعت الساق التي تتدلى منها هذه الشرنقة.. وحملتها معي لوضعها في مكان مناسب في فناء المنزل.. بعيداً عن الأعين.. والترقّب لما سيحصل
قطعت الساق التي تتدلى منها هذه الشرنقة.. وحملتها معي لوضعها في مكان مناسب في فناء المنزل.. بعيداً عن الأعين.. والترقّب لما سيحصل
تبدأ حياة الفراشة ببيضة تضعها الأنثى.. تتخيّر مكانها بدقة فطرية عجيبة.. بحيث تفقس عن يرقة لا هم لها إلا التهام ما تجده أمامها من أنسجة نباتية غضة.. وعند اكتمال تغذيتها.. وفي لحظة معيّنة.. مقدّرة سلفاً.. تبدأ بالتحوّل لخادرة داخل شرنقتها
وهذا ما خبرته بأمّ عيني.. داخل هذه الشرنقة تبدأ تحولات غاية في التعقيد.. لا يعرف عنها العلم سوى القليل جداً..
ومن هذا القليل أن هرمون الصّبَا Juvenile hormone
كان في مرحلة اليرقة في أوج مستوياته ونشاطه.. وهذا مما منع الجينات من أن "تُعبّر" عن أي مظهر لتشكيل خلايا فراشة بالغة (مع أن خطة بناء الكائن كلها.. يرقة كان أو حشرة كاملة.. منطوية في عمق هذه الجينات داخل أنوية الخلايا!!
كان في مرحلة اليرقة في أوج مستوياته ونشاطه.. وهذا مما منع الجينات من أن "تُعبّر" عن أي مظهر لتشكيل خلايا فراشة بالغة (مع أن خطة بناء الكائن كلها.. يرقة كان أو حشرة كاملة.. منطوية في عمق هذه الجينات داخل أنوية الخلايا!!
وفي المرحلة الحاسمة.. تبدأ مستوياته بالهبوط.. ويقل أو ينعدم نشاطه.. لتبدأ مرحلة الخادرة.. وعندها ينشط هرمون آخر.. هرمون الانسلاخ Ecdysone .. الذي "يقدح زِناد" التحول عبر التعبير الجيني.. فتبدأ التحولات المعقدة العجيبة.. بصمت وخفاء.. داخل شرنقة مغلقة
لا يُلاحظ المشاهد خارجها أيّاً ممّا "يعتمل" داخلها.. وهكذا مكثت تلك الشرنقة في الفناء الخلفي لمنزلي نحو أسبوع.. كنت خلالها دائم الملاحظة والترقب.. من ليل أو نهار.. وقبل فجر اليوم الثامن.. بين الساعة 2 – 3 بعد منتصف الليل.. كانت الشرنقة تتمزّق ببطء.. عبر ضغط وحركاتٍ من الداخل
وشيئاً فشيئاً.. بدأ ذلك الكائن الرقيق يبرز نحو العالم الخارجي من صومعته.. التي احتوته تلك المدة.. وبَدَا ضعيفاً منهكاً.. أجنحته متغضّنة .. لم تلبث أن تمدّدت بعد أن غارت في عروقها السوائل (الهيمولمف).. وبعد نحو ساعة.. انتعشَ الكائن.. وبدأ يحرّك جناحيه الرقيقين
وبدَا عندها في كامل بهائه وجمال خلقته.. فَرَاشة بالغة.. آية في الروعة والجمال!!.. لم تلبث مع بزوغ الشمس والدفء أن رفرفت بجناحيها.. ومضت في طيرانٍ تهدهد جزيئات الهواء
كافة النشاطات الرئيسية في حياة الفراشة تحتاج إلى الطيران.. التغذية.. البحث عن الوليف.. وضع البيض..
ولأن معظم الأنواع البالغة لا تعيش سوى أسبوعاً أو نحواً من ذلك.. فإن هذه الفترة القصيرة من "الحياة" تكون محمومة بنشاطات تتمحور حول "قدرة" الحشرة على الطيران بكفاءة.. وذلك يستلزم نمط تدفئة فعّال (لإحماء عضلات الطيران) لبدء رفرفة الأجنحة.. ونمط غذاء واغتذاء فعّال أيضاً
تحتاج الفراشة إلى الطاقة لدعم عضلات الطيران الدقيقة في قواعد أجنحتها.. ولكن بداية الطيران تحتاج أيضاً إلى درجة حرارة داخلية تتراوح من 30° - 40° (نفس المجال الذي تُحافظ فيه الثدييات على درجة حرارتها الداخلية)
الثدييات (والإنسان) تُدفّئ أجسامها بزيادة معدّل إنتاج الحرارة من عمليات الأيض (العمليات الحيوية داخل الخلية).. وتبرّد أجسامها بالتحكّم في تدفّق الدورة الدموية إلى سطح الجسم.. والتعرّق
أما الفراشات فتنظّم حرارتها بآلية مختلفة فنظراً لاختلاف تركيبها واختلاف دورتها الدموية (المبنية على سائل الهيمولمف بين الخلايا) فإن زيادة درجة حرارتها بزيادة سرعة عمليات الأيض أمر ٌغير وارد.. وبدلاً من ذلك ترفع الفراشة من درجة حرارتها بالاستدفاء في الشمس وامتصاص موجاتها الحرارية
إلى أن "تسخن" لدرجة تستطيع معها "تشغيل" آلة الطيران.. وترفرف بأجنحتها الرهيفة!.. وتلعب الأصباغ على الأجنحة دوراً فعّالاً في امتصاص الحرارة (لون الجناح ينشأ عن آلاف الحراشف الدقيقة التي تغطيه)
رفرفة الجناحين (على رقتها في الفراشة) تؤدي إلى اختلافات في تدفق الهواء حول الجناحين.. واختلافات في الضغط بين سطحي الجناحين العلوي والسفلي.. مما يؤدي إلى قوة "رفع".. وطيران هفهافٍ في الهواء.. تسبّح معه تسبيحات لا نفقهها.. تسبيحات بحمد خالقها
وتقديسٍ له جل شأنه..
وتقديسٍ له جل شأنه..
فسبحان من أبدع خلقتها.. سبحان من سيّرها لوضع بيضها في مكان مقدّر.. لتخرج منه يرقاتٍ دودية.. نهمة للقضم والاغتذاء.. ثم تسكن في شرنقة معلّقة.. تتحوّل داخلها بشكل مذهل إلى كائن آية في الجمال والروعة.. والرّقة.. ..
سبحانه كما ينبغي لجلاله.. وعظمته.. وكماله ..
يتبع
سبحانه كما ينبغي لجلاله.. وعظمته.. وكماله ..
يتبع
جاري تحميل الاقتراحات...