32 تغريدة 683 قراءة Jun 30, 2020
- ما المقصود بأرخنة النص؟
تحت هذه التغريدة سأوضح المقصود بمقولة الأرخنة وآمل أن يكون الشرح مفيدا للجميع.
تنطلق مقولة الأرخنة من نزع القداسة والسيطرة الإنسانية على جميع مفاعيل الماضي، والافتراض بأن النص ينتمي في تشكّله إلى الواقع ولا غير الواقع.
تقول الأرخنة بأن الواقع المادي وغير المادي (مثل السياق والتراث ومفاعيل الوعي العام) هو الحاكم لقضايا النص، وأن التلازم الدلالي والارتباط بين الدال والمدلول خاطئ ويتضمنه متغيّر منسي وهو (الواقع).
الواقع عند الحداثيين داخل في ماهية النص، ولم يعد جزءا كاشفا للنص، وهذا يعني أنك ربطت ماهية النص بشيء متكثر، وإذا ربطت النص بشيء متكثر فهذا يعني أن حقائق النص ستتكثر أيضا بتكثّر هذا العنصر الماهوي وهو الواقع.
والمقصود بصورة أوضح تطبيق النسبية النصيّة، بمعنى أنه لا توجد حقيقة ثابتة واحدة تسير مع النص في رحلته عبر الأجيال والظروف يستجيب لها المتلقي بنسبة واحدة.
وبحسب الأرخنة، فإن الواقع يشكّل جزءا مركزيا من النص، بحيث لو فارقه فهذا يعني أنه سينتج حقائق جديدة، ونكون أمام نص متعدد القراءات والظروف.
وبتعدد الظروف والأنساق المكانية والزمانية سيؤدي هذا إلى تكثر القراءات لهذا النص، ومؤدى هذا الكلام بأن النص لا يمكن أن يفضي إلى حقيقة واحدة ثابتة متعالية تسيطر على باقي القراءات.
ولنفرض وجود ٣ أزمنة (أ ب ج)، فإذا النص نشأ في الزمن أ تكون له حقيقة مغايرة عن الزمن ب، وتكون حقيقة النص في الزمن ب مغايرة عن حقيقته في الزمن ج، وهكذا نُمنع من الحكم على أي نص من تلك النصوص بالتعالي نظرا لعدم وجود مرجعية للإحالة.
الإشكال في الأمر أن الحداثة تعتبر أن جميع تلك القراءات هي حق في ذاتها، ولا يصح لأي أحد فرض خطأ واحدة منها، بسبب استحالة الخروج من الواقع ونزعه من ماهية النص.
مقولة الأرخنة تنتمي إلى الاستراتيجية اللاحتمية والشكوكية التي تفرضها الحداثة على المتلقي، ومن الطبيعي أن تأتي الأرخنة استجابةً لمنهج تقويض المسلّمات والثوابت، وهذا ما يسميه محمد أركون تحديدا بـ "مساحة اللامفكَّر فيه".
يقول أركون: "بمقدار تقويض مساحة اللامفكَّر فيه سنصل إلى التنوير المطلوب، لأننا نعاني من سياج دوغمائي يمتنع علينا اختراقه."
الأرخنة بهذا المعنى تقوم على أساس مركزي وهو تعالي الواقع، وهذا يعني أنها جاءت لدحض أي مفهوم يرتبط بالمذهب الظاهراتي الذي يقول بوجود ميتافيزيقيا متعالية بين الأنا والنص.
النص من حيث هو نص عند اللسانيين يتحقق بأعراض، وعند المؤمنين بالأرخنة فإن الواقع هو أكبر عرض لتحقق الماهية، لذلك فإن انفكاك النص عن العرض (الواقع) هو انفكاك عن جزء رئيسي من حقيقة النص.
والأساس البنائي الآخر هو الجدل النصي، وهو المقصود فيه فهم العلاقة بين النص والواقع، بحيث يكون النص منفعلا في الواقع، وفاعلا من جهة أخرى من خلال تشكيل وعي جديد يؤثر في واقعه.
والأمر الآخر الذي يصرون عليه هو هامش الفارق بين الخطاب الشفاهي والنص، بمعنى أن الخطاب عندما يخرج للواقع فهو مفعول لظروف تحقق الخطاب في موقف واحد، وحين يتحول نصا فهو يخضع لظرف الواقع.
وبلا شك واحدة من أكبر الأسس البنائية لأرخنة النص ما يسمى بموت المؤلف، وهي تعني أن المؤلف ليس فاعلا ولا يجب أن يستحضر القارئ حقائقه المقصودة دائما، وبهذا المعنى يصبح المؤلف واحدا من أولئك الذين يشكّلون النص الذي هو جزء من الواقع، ولا يكون بذلك مبدأ إحالة مرجعي لمعرفة مراد النص.
وهذا بالنسبة لهم يشكّل دافعا أكبر لإبداع القارئ، لأن موت المؤلف تعني موت القصد ومرجع الإحالة، لأن القارئ بهذا المعنى يصبح منتجا لا مستهلكا.
وسبب النظر لهذه الأيديولوجية بأنها ناعمة لأنها لا تأخذ صفة الفلسفة، ولا تتسم بالاصطدام الفكري بمقدار ما يأخذ طابع البراءة المزيفة في قراءة النص والاشتباك معه.
الأرخنة في واقعها هي صورة من صور التفكيكية، التي تقول بانعدام التلازم بين الدال والمدلول وفهم النص من خلال الانعكاس الظرفي للقارئ، وهذا يعني استحالة القبض على حقيقة ثابتة، بل أن جميع الحقائق تتشكل عبر ظرفية الزمان والمكان الذي يوجد فيه القارئ.
وهذا هو تماما مذهب جاك دريدا صاحب مبدأ الاختلاف المشهور، الذي نشأ بالثورة على الظاهراتيين، وقال بأن التكثر جائز في كل صورة من صور القراءة، ويجب أن يهدم المرء كل معنى غيبي لأنه يعيقه بشكل ما من الوصول للإرادة السليمة التي يستحقها الإنسان.
أين تكمن إشكالات أرخنة النص؟
أولا: إهمال علم الوضع، فعندما نتكلم عن المواضعة نحن نتكلم عن أساس المفهومية البشرية، لأننا نكون بإزاء دال ومدلول، وهذا التلازم بين الدال والمدلول هو الذي ينتج الدلالة.
وهذا يعني أن تلازم الدال والمدلول عند الشخص (أ) يساوي تلازم الدال والمدلول عند الشخص (ب)، وتلازم الدال والمدلول عند الشخص (ب) يساوي تلازم الدال والمدلول عند الشخص (ج)، وحينها يمكن أن تقوم مفهومية بينهم.
والسؤال هنا للأرخنة أو المهتمين بتطبيقاتها: لماذا لا تكون المواضعة مرجع إحالة للمفهومية يضمن حالة ثبات في المفهومية؟ وما الذي يمنع من وجود تلازم دلالي ينتج لنفس المفهوم حين انتقاله زمانيا؟
ثانيا: الأرخنة لم تفرق بين المتلقي المطلق والمقيد، نعم هناك متلق ملتزم بالظرف والسياق والزمان والمكان، ولكن على الجانب الآخر لدينا متلق مطلق يتلقى الحقائق النصية بالتعارف الوضعي الذي لا يوجد دليل لساني أو عقلي ينفيه.
وعند محاولة الحداثيين بالإجابة على هذا السؤال تراهم يتدخلون في علم الكلام وبالتحديد مسألة حدوث القرآن ظنا منهم أن هذه المسألة تخدم غرضهم، مثلما فعل نصر حامد أبو زيد الذي سعى لإثبات الحدوث على أنه صفة فعل لا صفة ذات.
أبو زيد انتصر لرأي المعتزلة وهو لا يفقه حقيقة قولهم، وبرر قولهم بسذاجة قائلا بأن النص خاضع لمعطيات الواقع التي نخضع إليها باقي النصوص، وأدنى مطلع على علم الكلام سيرى مدى قصور هذا التصور وسذاجته.
البحث الكلامي عند الحداثيين كان سطحيا، والغرض منه تجاوز ما يسمونه بالسياج الدوغماتي وإقناع من يقرأ لهم بأنهم لا ينتجون أنظارا بعيدة عن محيط النص القرآني وتراثه اللاحق، وهي من دون شك حالة دعائية غير بريئة.
سعى الحداثيون إلى إقناع الناس بأنهم لا يغردون خارج السرب، وهنالك من هم أقدم تاريخيا (يقصدون المعتزلة) قالوا بنفس الآراء، وهذا أبعد ما يكون عن الحق والحقيقة تماما، لأن عملية التأويل بغرض هدم المعنى وأرخنته لم يقل به أي معتزلي أو أي فرقة أخرى قريبة منهم عقائديا.
يؤدي القول بالأرخنة إلى صفر الدلالة، وانعدام وجود قراءة تتصل بمبدأ إحالة معين أو بمرجعية، وهذا يعني تكثر القراءات وتقبل هذا التكثر، وتطبيقه على النص القرآني يؤول إلى انتفاء الحجة الواحدة مما يعني نهاية الخطاب الإبلاغي القرآني، وحينها تنتفي جميع الأحكام والقيم والغيبيات.
ومعنى صفر الدلالة أنه لا يوجد تلازم بين دال ومدلول، فلا توجد ظاهرة لغوية أو لسانية أصلا، لأنك قطعت جهاز التوصيل اللغوي الذي يضمن عملية البث.
هذا موجز سريع حول فكرة الأرخنة وحقيقتها وموضع إشكالاتها التي لم يحلها الحداثيون بعد، ونظرة سريعة حول أبرز أسسها البنائية ومؤدياتها ولوازمها الفكرية.
تحياتي.
@Rattibha رتب

جاري تحميل الاقتراحات...