17 تغريدة 17 قراءة Feb 01, 2021
ثريد | الاغتصاب والتحرش الجنسي في المجتمعات الأبوية المُحافظة.
الدوافع والمُسببات الجذرية، المسوغات، التداعيات، التعاريف، وتعاطي المجتمع معها.
نمط تكوين المجتمعات الأبوية قائم في صميم تشكلاته على التمييز الجنسي في كل مفاصل الحياة، هذه حقيقة ثابتة وواضحة وإن اتسم بالإنفتاح الصوري، لأنها حتى في انفتاحها قامت على التمييز، كمحاباة أو تمكين نفعي، لم يكن انفتاحًا باعتبار "المرأة" انسان له كيان مُستقل.
ولكونها مجتمعات مُحافظة -شكلاً ومضمونًا- دون قرار واختيار فردي، فهي ذات صبغة تقليدية للحفاظ على قالب فكري وعقائدي واحد مفروض عليها، لذلك لا تستطيع الاعتراف بأي خلل نابع من محافظتها، لا تستوعب حتى احتمالية حدوث ذلك.
هذا المزج بين المُحافظة والأبوية الذكورية، صنع مجتمعات تُحافظ على فكرة أفضلية الذكر مهما وإن ساء سلوكه بالمقارنة مع الأنثى وإن حسُن سلوكها، حتى بتعاريفها هي. بمعنى أن هنالك تهاون أمام خطيئة الذكر، بينما يُعتبر حتى حق الأنثى البديهي للاستقلالية مُستنكرًا، وهذا هو منشأ الانتهاك.
هي مجتمعات تكيل بمكيال النوع، لا بمكيال الإنسان، قيمة الذكر في مفاهيمها تفوق قيمة الأنثى، انطلاقًا من نوع العضو الجنسي، وليس لقيمة فعلية للإنسان دون الاعتبار لجنسه.
المفارقة المُلفتة أنها مجتمعات تزعم في قيمها الوقوف ضدّ التعدي، سيما الإعتداء الجنسي، بينما هي نفسها تُسوّغ الاغتصاب كمبدأ طالما هو مُشرعن بعقد ارتباط، وتبرر التحرش بحجة لبس الضحية، وتُمرر البيدوفيلية كطبيعة اعتيادية، ثم تخجل من نقاشه ومعالجته لعدم خدش حياء فضيلتها المزيفة!
ولكون مادة "الجنس" تُشكل بُعبعًا لتلك المجتمعات فهي لا تتعاطى معه كاحتياج فيسولوجي وغريزة طبيعية، بل كاستخدام سرّي، مادة مُرعبة مُحرمة الحديث والتعليم والظهور، وكأنها لا تفعله ولا تعرفه، "تابو" مخيف جدًا، مما أنتج حالة خوف من الإفصاح والاعتراف حتى من قِبل الضحايا!
يحدثُ أن يُفاخر الذكر بقصصه الجنسية في حديثٍ مع "شلته" ويُرى بطلاً شجاعًا ورجلاً "ذيب وأسد"، يُرى حيوانًا مُفترسًا، في الحين الذي تُستحقر أنثى وتُعنف لأتفه سلوكِ طبيعي يخصّها وحدها!
ويحدثُ أن تُلام ضحية التحرش الجنسي للبسها أو رائحة عطرها، بينما "يُطبطبُ" على رأس الذكر المسكين فقد أغواهُ "الشيطان" فحسب!
كما أنها مجتمعات مكبوتة ومهووسة جنسيًا، لم يقتصر الإعتداء الجنسي فيها على الأنثى البالغة فحسب، بل حتى الأطفال الذكور والإناث، بؤر للتحرشات والترهيب من الاعتراف تسببت بتبعات نفسية هائلة، لا تُناقش ولا تُحتوى، لأنّها مجتمعات فاضلة لا تناقش "قلة الحيا"!
الاغتصاب والتحرش الجنسي جريمة في حق الإنسان، لا يوجد أي مبرر، لا يوجد أي عذر، حتى الموافقة المبدئية لممارسة الجنس لا تشفع فعلها في حال رفض الطرف الآخر لاحقًا، بمعنى لو تم القبول ثم غير الطرف رأيه، هي جريمة.
المجتمعات الإنسانية تُقيم وزنًا للإنسان، الإنسان مُجردًا من المكتسبات والاختلافات الاجتماعية والجغرافية والعرقية والجنسية وغيرها، لذلك تتعاطى مع الانتهاك كانتهاك آثم، بمنأى عن أيّة مسوغات، لا تلوم الضحية ولا تُبرر للمجرم.
ختامًا، الفكر الذكوري منبع لأنماط عديدة من الانتهاك على كل المستويات، فكر يخلق مستعمرات من الاضطهاد المُسوغ والمُقنن كلّهُ باعتبار الذكر أعلى قيمة، وكأنّه وحدهُ الإنسان والأنثى شيء، شيء موجود للاستخدام!
يعمد الفكر الذكوري الممتزج بالمحافظة لتصوير الأنثى ككائن للاستخدام الجنسي فقط، وهنالك نمط لباس محدد ما إن يختلف هذا اللباس فهو يعني بأنها امرأة متاحة للتحرش، يتم تسويغ الاعتداء علنيًا حسب الشكل.
لا يُميّز العقل الذكوري بين المواففة والرفض، لا يعتبر هنالك قيمة للمرأة إلّا في القالب الذي وضعه هو إليها، وهذا ما يُفسر ظنّه الدائم أن المرأة المختلفة عن ذلك القالب مُتاحة إليه، وبل وراغبة فيه، يعيشُ وقاحة ظنونه بكل بلاهة.
مثال رائع يشرح كلَّ شيء في عقلية الذكوري، لدرجة اعتبار هذا المسوغ والاعتراف بالوقاحة نحو المُختلفة عن النمط المغروس في ذهنة فضيلة له وحسنة منه!
ورغم ذلك، هنالك تعرض وتحرش نحو كلِّ أنماط اللباس، مُحتشمة، متبرجة، متغطية، متفسخة، طفل، قاصر، رشيقة، ممتلئة، عادية، لأن العقلية الذكورية مهووسة بمادة الجنس دائمًا، هي نشأت وتكونت جنسيًا فصارت عقلية موجهة نحو الجنس.

جاري تحميل الاقتراحات...