د. فهد السيسي
د. فهد السيسي

@fhd_alsisi

12 تغريدة 16 قراءة Sep 13, 2020
بعد النظر في مشروعه البحثي عن جزئية في القانون الدولي للبحار(دراسةمقارنة) انتقدت إغفاله للمقارنة إطلاقاً، وأنّ دراسته أقرب للتطبيقية!
فقال:وهل يوجد نصوص شرعية تتناول البحار كقانون؟!
قالها بصيغة استفسار لا استنكار.
فقلت: مشكلتك إذاً ليست في بحثك وإنّما في تصوّرك للمقارنة الشرعية.
وهذه الإشكالية ناشئة عن ظن الباحث أن المقارنة لا تكون إلا بين النصوص،فإذا خلت جزئيةالمقارنةمن نصٍ بعينه فحينها يقطع الباحث على الشريعةبأنها لم تتطرق لهذه الجزئية،وإلا لوُجِدَ نص يذكرها!
وأغلط منه من يورد نصوص عامةجداً ويتكلف إنزالها على جميع جزئيات بحثه،فتراه يكرر النص طيلةالبحث!
من هنا يكون السؤال مالمراد بالبحث المقارن بالفقه الإسلامي؟
ومن وجهةنظري مصطلح المقارنة(بالتشريع الإسلامي)أدق من المقارنة(بالفقه الإسلامي)لأنه أشمل وأعم،فالفقه مقصور على الأحكام والتشريع تدخله الآداب والأخلاق، وهو أكمل، وبغض النظر فالسؤال المهم ما هي مهمةالباحث في الدراسةالمقارنة؟
مهمته باختصار هي البحث في(المخزون الشرعي)للجزئية #القانونية المراد مقارنتها،لا أقصد بالمخزون الشرعي نصوص الوحي فقط، بل أعم من ذلك وأشمل.
فالمخزون الشرعي للمقارنات #القانونية يصل تقريبا إلى١٣دليلاً ،يمكن للباحث من خلالها الخروج بجملة كبيرةمن القواعدوالمقاصد التي هي نواة للمقارنة.
وبُعداً عن المثالية واعترافاً بواقعنا،قلَّ في زمننا هذا الباحث الذي يستخرج القاعدة القانونية من الأدلة الشرعية مباشرة،ولذا فالمطالبةبذلك -اليوم- محض تنظير نفتقد كجيل من الباحثين أدواته وآلياته.
لكن هل يعني ذلك صرف النظر عن المقارنةبين التشريع الإسلامي والقانون مطلقاً؟!
لا قطعاً.
المراد هو اتّخاذ أداة تمّكن الباحث القانوني من القيام بالمقارنة على أفضل وجه،وليس هناك وسيلة تغّذي المقارنات من الجانب الشرعي مثل(كتب الشروحات الفقهية)فهي أمٌ ولود وسحابةممطرة وأرض خصبة، فيها تفاصيل قانونية ،وقد كفانا مؤلفوها-رحمهم الله-أمر الاستنتاج من النص وبقيت علينا المقارنة.
وليس المقصود غلق باب تعامل الباحثين مع الأدلة ، فهذا مقام عظيم بل مطلب ، ولكن الهدف هو أن الباحث #القانوني إذا عجز عن إيجاد نص في جزئية المقارنة -كصاحبنا- فلا يعني إغفال جانب التشريع مطلقاً!
بل يمكن القيام بالمقارنة استناداً على هذا المخزون لاحتوائه على تأصيل للنوازل المعاصرة .
وكتطبيق عملي للاستفادة من هذا المخزون الفقهي، موسوعة قانونية مقارنة للعلاّمة أحمد ابوالوفا (الإعلام في القانون الدولي)في ١٨مجلد.
كانت موارده كتب الفقهاء كالسرخسي وغيرهم،والعجيب أنه استخرج من كتبهم قرابة ٤٠ قاعدةفقهية ذات صلة،بل أفرد مجلداً كاملاً عن( قانون البحار)!
وهذا جهد نادر.
مثال آخر وهو بحث الدكتوراه للعلامة محمد الدريني رحمه الله،حيث قام فيه بغربلة كتب الفقهاء،غاص في أعماقها بل لم يكتفِ بها حتى دمج مع الفروع كتب المقاصد والقواعد،فتجده عند بحثه للجزئيةيقوم بالنقل عن القانون الفرنسي ثم نقده،ثم يعقّب ذلك بالمقارنة الفقهية مع التحليل موافقةً أو مخالفة.
وكتابات أخرى بحثت في التشريع الإسلامي مقارناً بالقانون في عدةتخصصات قانونية.
وأجزم أنّ اغتنام هذا المخزون الفقهي سيمنحك كباحث زاداً من المعطيات يمّكنك من المقارنةبطريقة تجعل القارئ يسلّم بالرأي منطقياً دون تأثر ديني عاطفي.
واستمع لمثال على ذلك في الدقيقة٤.
youtu.be
إلا أن دورك لا ينتهي بمجرد وقوفك على النص الفقهي،بل تكمن قدرتك البحثية في كيفية مقارنةهذه الجزئية بالقانون مقارنة علمية.
ولا نظن أننا سنأخذ من هذا المخزون بعامل القدرة البحثية بنا أو بالخلفية المعرفية بأذهاننا بقدر ما هو بعامل(الثقة)في مقدرة اجتهادات الأمس على مواكبة نوازل اليوم.
وختاماً،،
ليست هذه دعوةبالرجوع إلى الوراء عدة قرون،بل تذكير بأنّنا جميعاًقادرون على المقارنةالقانونية،فخذ من المخزون الفقهي ما يكفيك لبحثك.
فكما أنه ظلمٌ للبحر أن نحكم بخلّوه من اللآلئ من نظرةٍ في شاطئه،فكذلك ظلمٌ للشريعة أن ننفي عنها كمالها القانوني من نظرةٍ في النص.
دمتم بخير💐

جاري تحميل الاقتراحات...