هذه الأسطر القادمة ليست دفاعاً عن عبد الناصر أو هجوماً عليه أو تناولاً لقراراته أو تحليلاً وتفكيكاً للاتهامات الموجهة له ولكنها بعض الملاحظات السريعة على هامش الجدل حول الرجل بعد خمسين سنة على وفاته..
١. أعتقد الجدل حول عبد الناصر بعد خمسين سنة على وفاته سببه إنه عبد الناصر كان السياسي الأبرز عربيا اللي تجربته كانت أهم محاولة مصرية وعربية على الإجابة على مجموعة من الأسئلة مرتبطة بموضوعات زي التحديث والاستقلال الوطني ورفض الهيمنة أو التبعية في عالم ما بعد الحرب الباردة.
ودة مش كلام أشخاص من محبي أو كارهي عبد الناصر ولكن ورد في كتب أكاديمية كان لديها قدر من الموضوعية اللي تقول فيه إن عبد الناصر هو state builder زي أتاتورك أو الخميني أو بن غوريون أو بورقيبة وبالتالي التعامل معاه بالمعايير اللي ممكن نتعامل معاها مع سياسي زي مبارك لازم يكون مختلف.
يعني مثلا على مستوى الاقتصادي عبد الناصر كان محاولة للإجابة على سؤال انحياز صاحب السلطة للفقراء أو الأغنياء في مصر، واللي بسبب موارد مصر المحدودة بيكون الانحياز دة مهم جدا في مسألة الحراك الاجتماعي والاقتصادي لطبقات واسعة من المجتمع. .
فيه كتب أكاديمية اتكلمت بالتفصيل عن التركيبة الطبقية والاقتصادية لمصر ما قبل ١٩٥٢ وما بعدها وصولاً للتحول الاقتصادي في منتصف السبعينات. في إطار الحديث عن إرث عبد الناصر مهم ملاحظة القطاع العام اللي بناه عبد الناصر واللي اتباع واتفكك لصالح رجال أعمال وشركات غربية في الثمانينات
في كتاب حازم قنديل soldiers, spies, and statesmen فيه تحليل ونقد مهم لتجربة عبد الناصر في توزيع الأراضي على الفلاحين وازاي نظام عبد الناصر نفسه تحايل على قرارات الرجل علشان يعيد ملكية الأرض الزراعية لصالح الطبقة المهيمنة قبل الاصلاح الزراعي زي ما حصل في أحداث كمشيش مع صلاح حسين
من الحاجات اللطيفة على هامش النقطة دي إن أسامة أنور عكاشة كان قدم نقد حقيقي وقاسي لتجربة عبد الناصر في ليالي الحلمية ولكن كان نقد من قلب التجربة ومن واحد مؤمن بيها، وأيامها أنيس منصور أشاد بأسامة والمسلسل في مقالاته في الأهرام
ثم لما أسامة أنور عكاشة انتقد السادات وعصره في ليالي الحلمية تحول موقف أنيس منصور منه بشدة وكان جزء من حملة لرفض إن أسامة يكتب فيلم عن حرب أكتوبر بتكليف من وزارة الدفاع.
٢. مدهش إن الناس اللي هما مش إخوان ولا ينتموا إلى تيار الإسلام السياسي من قريب أو بعيد، بل أحياناً هما خصوم لتيار الإسلام السياسي، بيتبنوا نفس خطاب الإخوان في الحديث عن عبد الناصر من خلال محاكمته على نواياه،
وتحليل قراراته السياسية من خلال التفتيش في نيته والحكم عليه بإنه كان محب للزعامة أو محب للنجومية أو المعايير التي لا تطبق مثلا مع سياسيين آخرين باختلاف مواقفنا منهم. ودي طريقة عجيبة وغريبة في التعامل مع الشخصية التاريخية ما حصلتش مع سعد زغلول مثلا أو محمد علي أو مع حسن البنا نفسه
٣. المدهش إن تيار الإخوان الكاره لعبد الناصر، بدل ما يصنع خطابه الخاص بكراهيته ويصفي حسابه التاريخي معاه، يروح يستلف خطاب كراهيته من خلال خطاب صهيوني قائم على جملة "اتهزم في كل معاركه"، واللي هي جملة زائفة تاريخياً حتى في كتب كتبها خصوم الرجل في الغرب. almanassa.com
٤. لطيف إن أصحاب الفكر الصهيوني في الغرب أو في إسرائيل أو في الدول العربية (وبالمناسبة دة وصف مش ذم أو مدح لأن الفكر الصهيوني موجود بالفعل وله أسس وله ناس فخورة بانتمائها الصهيوني) عندهم مشكلة حقيقية مع عبد الناصر تحديداً
لأنه السياسي العربي الوحيد اللي كانت قراراته الخاطئة أو الصائبة ونهجه السياسي الرافض للتبعية على مسار تعارض وإلغاء مع إسرائيل.. مع إنه هو شخصيا حاول في بداية الخمسينات استكشاف إمكانية عقد سلام دائم مع إسرائيل..
طبعا التفاصيل التاريخية الخاصة بعلاقته مع أمريكا وتطورها في إدارة كينيدي وانتكاستها في إدارة جونسون، كلها تفاصيل تاريخية مهمة وتم تناولها بشكل موضوعي وأكاديمي في كتب زي الإشارات السريعة في spies, soldiers, and statesmen أو في كتب تناولت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر وتطورها
لكن بقية السياسيين العرب بما فيهم زعماء كانوا في صف ما يطلق عليه بدول الممانعة، كان لديهم تقبل لفكرة وجود إسرائيل من خلال محاولة الطلب من أمريكا السماح لهم بالتمدد في المجال الحيوي لهم زي حالة صدام والكويت أو الأسد الأب ولبنان.
٥. فكرة شتيمة الشخصية التاريخية بالأم والأب فكرتني بيوسف زيدان لما طلع مرة على التلفزيون وشتم صلاح الدين الأيوبي شتايم، بدت ليا وكأن صلاح الدين استلف فلوس من والد يوسف زيدان وما رجعهاش! واللي بيحصل مع عبد الناصر من شتيمة ومحاولات لشخصنة الخلاف معاه بعد خمسين سنة من وفاته
هو مؤشر واضح إن الكارهين له بشدة والمختلفين معاه بشدة (بما فيهم الإخوان) هما ضمنياً معترفين بتأثيره الهائل على الحياة السياسية وتطورها ومش قادرين يخرجوا برة تأثيره بعد خمسين سنة، وكأنها محاولة لقتل الأب، بعد فشل كل محاولات بناء تصور للعالم خارج عن التصور اللي وضعه عبد الناصر!
٦. مهم انتقاد عبد الناصر ومعرفة أين أخطأ وفق مقياس زمنه وتحديات عصره، زي ما خالد فهمي عمل مع محمد علي.. الجدل الساخن حول الرجل حاليا واللي كثير منه مش موضوعي، حيرتد في الجهة المعاكسة بعد فترة وحيفضل النقاش الموضوعي بعيد عننا، ودة في النهاية علامة مش صحية في تعاملنا مع تاريخنا.
نفس الموضوع بيحصل مع شخصية تاريخية أخرى مهمة ومؤثرة زي السادات واللي النقاش حوله أيضا غير موضوعي وإن كان بحدة أقل من حدة النقاش حول عبد الناصر في اللحظة الحالية ودة لأن التريند لسة ما وصلش للسادات، وفق موجات السخرية غير الموضوعية على دوائر السوشيال ميديا..
مثلا البعض يعتبر السادات السياسي الأهم والأنجح من خلال قدرته على استعادة الأراضي المصرية خلال مفاوضات كامب ديفيد.. مع إن السادات كان في المفاوضات مقامر وقدم تنازلات على حاجات وملفات لا يمتلكها، ولم يحصل على ضمانات في الأشياء اللي وعده بها كارتر
، ودة كلام وزير خارجيته محمد إبراهيم كامل اللي استقال قبل نهاية المفاوضات (في مذكراته الشهيرة) وكلام الوفد المصري ومنهم نبيل العربي وأسامة الباز وأحمد ماهر (وزير الخارجية فيما بعد) للوفد الأمريكي وفق وثائق وزارة الخارجية الأمريكية. almanassa.com
almanassa.net
لكن أداء السادات في مفاوضات كامب دافيد لا يمكن أن نصفه زي ما بعض اللي بيكرهوا السادات بإنه خيانة لأنه هو في الحقيقة كان حريص على إعادة الأراضي المصرية كاملة إلى مصر
لكن أداء السادات في مفاوضات كامب دافيد لا يمكن أن نصفه زي ما بعض اللي بيكرهوا السادات بإنه خيانة لأنه هو في الحقيقة كان حريص على إعادة الأراضي المصرية كاملة إلى مصر
خصوصاً وإن حرب أكتوبر لم تكن قد حررت كامل سيناء وكان فيه ١٢ مستوطنة إسرائيلية في سيناء وكان السادات عايز انسحاب كامل من سيناء وتفكيك المستوطنات والمطارات الإسرائيلية حتى لو كان معناه عدم ممارسة السيادة المصرية كاملة على سيناء almasryalyoum.com
في النهاية كل النقاش الحامي حالياً انعكاس لأمور أكبر ليها علاقة برؤيتنا كمجتمع لتاريخنا وعلاقتنا المرتبكة معاه.
facebook.com
facebook.com
جاري تحميل الاقتراحات...