Mohammed Qurashi
Mohammed Qurashi

@MohamedQurashi

17 تغريدة 17 قراءة Jun 27, 2020
مشكلة الترولي والاحتمالات غير المشاهدة ومليونية ٣٠ يونيو
مقدمات:
بفلسفة الاخلاق هناك تجربة فكرية مشهورة(١) تستعمل للنقاش حول المفهوم النفعي للأخلاق مقارنة مع المفهوم الوجودي لها. تقول المعضلة أن هناك قاطرة موضوعة على مسار سيقتل خمسة أشخاص حتما، لكنك تستطيع تحويل مسارها
لتقتل شخصا واحدا فقط، ولا توجد أي إمكانية أخرى؛ فهل الأخلاقي هو أن تحول المسار وتصبح مسئولا عن قتل الشخص أم لا؟ وبغض النظر عن النقاش الفلسفي فقد وجد تجريبيا بإستعمال التصوير الوظيفي بالرنين المغنطيسي fMRI للدماغ أثناء التفكير بالمعضلة، أن قرار عدم تحويل مسار القاطرة
تنشط فيه الأجزاء المسئولة عن العاطفة الإنسانية ، أما قرار تحويل المسار فتنشط به المناطق المسئولة عن التحليل المنطقي؛ وأن هذا النمط يصدق على كل القرارات الشخصية الطابع (مثل دفع شخص للهاوية) مقارنة بالقرارات غير الشخصية (ضغط زر لإطلاق صواريخ قاتلة)،
فرؤيتك لضحايا أفعالك يلعب دورا ضخما في قرارك بحيث يسهل عليك القتل حين لا تواجههم مباشرة.
ببحوث التثقيف الصحي وجد أن التوعية بالنتائج البعيدة للأفعال لا يترك أثرا ذا بال مقارنة مع تحقق الإشباع القريب، فمثلا التوعية بإحتمال الإصابة بالسرطان في المستقبل بسبب التدخين
لن يتفوق على مكافأة التدخين القريبة، والتوعية بمخاطر السمنة على القلب مستقبلا لن يتفوق على تشهي الأكل الدسم الحالي. أما إن عكس الوضع وعرف المرء أن إصابته بالسرطان أو مرض القلب الفعلية سببها التدخين أو الأكل غير الصحي، ففي الغالب سيتم تعديل السلوك لتفادي الاصابة بها من جديد.
هذه المفارقة تعود لأن السلوك الإنساني في الأساس غير عقلاني، بل تتحكم به النزعات الحيوانية التي تعتمد على الخبرات السابقة، دون التوقعات المستقبلية القائمة على الاحتمال المنطقي مهما كان كبيرا.
نقطتان هامتان:
١) تسبب المليونية حال نجاحها بزيادة الإصابات و الوفاة هو أمر متوقع نظريا، لكني لا أستطيع القول بأنه حتمي بل إحتمالي دون قدرة فعليه على تحديد مدى الخطورة بدقة. لولا الدرس الأخير لمظاهرات الولايات المتحدة الأمريكية،
لما تعلمنا هذا الدرس المفارق للبديهة! فبعد أربعة أسابيع من التظاهر لم تسجل زيادة بالمناطق التي شهدت التظاهرات أكثر من مثيلاتها التي لم تخرج التظاهر! ورغم أن الصورة لا تزال قابلة للتغيير في الأسابيع القادمة، إلا أن الزيادة الأخيرة بالإصابات بأمريكا لا يمكن عزوها مباشرة للتظاهرات.
ويظن الخبراء أن عوامل كإلتزام المتظاهرين الشديد بلبس الكمامات وتعقيم اليدين والفحص قبل المشاركة بالتظاهر وصغر الفئات العمرية المشاركة وخوف بقية السكان مما يحدث ولزومهم البيت بسببها، هي ما ساهمت في عدم حدوث قفزة spike بالإصابات بسبب التظاهر بعد(٢).
الأمر هنا شبيه بالتسليم بأن التدخين يسبب السرطان مع الاعتراف بأن فلانا بالتحديد قد لا يصاب به رغم شراهته في التدخين!
٢)تقديرات المكاسب المرجوه من التجمعات (سواء أكانت لجلب رغيف أو كسب رزق أو تعبد بمسجد أو مليونية استعدال ثورة) توضع في ميزان طرفه الآخر المضار التي تترتب عليها،
لذا لا يمكن التعامل مع كل التجمعات بنفس المنطق؛ فتجمع الأطباء بالمستشفيات لعلاج الحالات المستعجلة تفوق أهميته مضار تسببهم في نقل العدوى أو الاصابة بها، فيصبح السؤال الأساسي هو: هل الحيوات التي ستنقذها المليونية أو مكاسبها السياسية على المدى البعيد
تقارن بالحيوات التي يحتمل أن تسلبها عبر نشر العدوى ؟ وهل ننظر للأخلاق بطريقة نفعية حسب الاعداد أم بطريقة وجودية لا ترى خيرا في إنقاذ خمسة بالتضحية بواحد (معضلة القطار أعلاه).
الخلاصة:
لا يمكن القول بأن المليونية لن يكون لها ضرر، بل قد يكون كبيرا، لكن في نفس الوقت لا يمكن الاستشهاد بمثال الولايات المتحدة الأمريكية لأنه يقول العكس حتى الآن. كما أن المعضلة الأخلاقية المتمثلة بإمكان التسبب بكارثة صحية محتملة مقارنة بالتقديرات
السياسية لمكاسب المليونية هي أمر لا يمكن تجاهله عبر إنكار الوباء أو إنكار سوء الوضع السياسي.
موقفي الشخصي:
بصورة شخصية لا أرى أن أهمية المليونية تفوق إحتمال التسبب بوفاة شخص واحد بسببها، ببساطة لأن المليونية الأصلية الناجحة يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٩ وفي غياب قيادة سياسية بحجم المسئولية
لم تقد إلا للوضع الحالي المتذبذب بين التفاؤل والاحباط، فما هو الجسم السياسي الذي سيترجم نجاح هذه المليونية لمكاسب حقيقية هذه المرة؟
نعم هذه المليونية مختلفة كتأكيد على روح الثورة وإستقلالها عن النخب السياسية التي لم ترق لمستواها بعد،
لكن الغايات تحدد الوسائل؛ فالمليونية الأصلية حطمت طموح المعجا في الانفراد بالحكم عبر استعراض قوة الاعداد الكبيرة، فهل الغايات المختلفة هذه المرة تناسبها نفس الوسيلة، بالذات في وجود تهديد بوباء منتشر؟ أم كان الأفضل هو اجتراح وسائل أكثر أمانا لتحقيق الغايات
(تظاهرات محدودة مستمرة أمام كل المؤسسات الحزبية والسياسية مثلا لحين تحقيق حزمة مطالب متفق عليها)، أو الجدية في تقليل مخاطر المليونية منذ وقت كاف(٣).
المراجع :
(١)en.m.wikipedia.org
(٢) vox.com
(٣)m.facebook.com

جاري تحميل الاقتراحات...