رائد فوزان
رائد فوزان

@RaidFozan

12 تغريدة 28 قراءة Jun 26, 2020
أريد أن أكتب اليوم عن انسانه رائعه جداً بالنسبة لي ومثال اقتدي به في أسلوب الكتابة والتفكير. جاين جاكوز أو كما أحب أن أسميها چي چي؛ ربّة البيت التي تحب جيرانها وتدافع عنهم، المصممة الحضرية والكاتبة الفضولية التي لا تكف عن طرح الأسئلة لأنها بكل بساطة تعرف جيداً كيف ترى بعينيها
تعرّفت على چي چي أول مرة عندما كنت أقوم ببحث عن التخطيط المعماري للمدن. وجدت بأن بعض مصممي المدن يذكرون كتابها (موت وحياة مدن أمريكية كبرى) فحصلت على الكتاب وكانت أول جملة فيه “هذا الكتاب هجوم على التخطيط الحضري الحالي في المدينة” فقلت في نفسي: هذه كاتبة تعرف جيداً ماتكتب عنه
عند تخطيط المدن، يعتمد المصممون في الغالب على أفكار نظرّية لما يجب أن تكون عليه المدينة المثالية ثم يقومون بعد ذلك بعرض رسومات تخيّليّة بديعة أمام الناس الذين بدورهم يتأثرون بجمالية ما يشاهدونه على الورق أو في الشاشات لأنهم دائماً مأخوذون بما هو جديد وعصري في التصميم
انتشرت هذه الرؤية المثالية والعصرية للمدن بعد الحرب العالمية وخصوصاً في أمريكا أيام الستينات وبعد ذلك تلتها دول أخرى مازالت تعتمد نفس الرؤية حتى هذه الأيام للآسف بالرغم من فشلها الذريع للإستدامة، وسبب ذلك يعود إلى عائدها المادي والإستثماري للتجّار ورجال الدولة في تلك البلدان
كانت چي چي أول من لاحظ فشل هذا النوع من التخطيط. كتبت:”تخطيط المدن يجب أن يستند على الناس الذين يعيشون فيها لا على النظريات”. فالناس هم روح كل مدينة، وتجاهل أسلوب حياتهم والطريقة الإجتماعية التي يعيشون بها أثناء التخطيط يجعل منها مدناً ميته حتى لو بدت جميلة وعصرّية وواعدة
كتبت چي چي عن أمور لم يعتد المصممين المتخرجين من الجامعات الإلتفات إليها: كأهمية أرصفة المشي لحياة سكان الأحياء. فيجب أن تكون آمنة وذلك بأن يسهل لأهل الحي مراقبة مايدور فيها من خلال نوافذ بيوتهم المنخفظة والمجاورة لها مما يجعلها آمنة للأطفال والبالغين من أهل الحي أو الغرباء
أشارت چي چي أيضاً إلى أهمّية وجود شوارع واسعة واخرى ضيقة (أزقّة) تربط الأحياء بعضها ببعض حتى لا تكون الأحياء معزولة. فهذا التنوّع في الشوارع يناسب أغراض التنقّل المختلفة كما يثير في العابر فيها حس الغموض والإكتشاف وتنمّي فيه الإدراك الدائم بالإتجاهات والإلمام أيضاً بمعالم المدينة
أكدت أيضاً عن ضرورة وجود الأماكن العامّة في المدن كأماكن لإلتقاء أهل الأحياء بعضهم ببعضهم. فالكثير من الناس كما تصف چي چي يجد أن من الفسحة والترفية التواجد في الساحات والحدائق لمشاهدة الناس الآخرين أو الأنشطة التي تحدث فيها، إلى جانب أن هذا يُشعرهم بالألفة والتعرّف أكثر على غيرهم
نبّهت چي چي كذلك على الإهتمام بتنوّع (النسيج الإجتماعي) للسكان عند تخطيط المدن. فالبيوت يمكن لها أن تكون ذات تصاميم مختلفة بحسب مناسبتها لكل فئة واحتياج بشرط أن تكون ضمن ضوابط تشكّل صورة المدينة العامّة كمنح مساحات وارتفاعات محدده للبيوت بدلاً من بناء مجمّعات سكنية عصرية لاتشبههم
كان مخططي المدن وصنّاع القرارات يسخرون من أن تحاول (ربة بيت) أن تعلّمهم عملهم، لكن ربة البيت تلك سخِرت منهم بكتاباتها لأنها كانت تعرف كيف تنظر بعينيها كما ينظر انسان عادي للواقع من حوله. كان لديها الشجاعة للفضول وطرح الأسئلة من دون أن تدع كل جميل وعصري يخدعها كما يحدث للكثير منّا
نجحت كتابات جاين جاكوبز برفع وعي المصممين والناس بخطر التخطيط السيء على حياتهم الإجتماعية والنفسية. كما لعبت دوراً هاماً في حماية خطط تحويل الكثير من الأحياء القديمة إلى أحياء عصرية بشعة بدافع الإستثمار في نيويورك وغيرها كما كانت سبباً في إلغاء مشروع ضخم للخط السريع في منهاتن
اتمنى أن تكون هذه التغريدات كافية لإبداء حبّي وتقديري لهذه الإنسانة الرائعة. ولعلّها تُقرأ في يوم من الأيام من أحد اليافعين من الشباب أو الفتيات في بلداننا ممن يطمحون في يوم من الأيام إلى تخطيط مدنهم التي يحبونها، مستلهمين ذلك التخطيط من أهلهم وناسهم والثقافة التي يفتخرون بها.

جاري تحميل الاقتراحات...