د.خالد جاسم الهولي
د.خالد جاسم الهولي

@mansory73

32 تغريدة 91 قراءة Jun 28, 2020
تحت هذه التغريدة
تعليق على فتوى جواز تغليق المساجد وتعليق الجمع والجماعات في أزمة كورونا، ذلك بعد هدوء العاصفة،
وأنوه أن الحديث ليس عن جواز اختيار سلطان المسلمين لقول في مسألة اجتهادية ووجوب التزام ذلك، وإنما الكلام في الفتيا التي استند لها القرار الإداري، وبين الأمرين فرق ظاهر
أولاً: من يرى أنه لا يجوز إغلاق المساجد لمرض أو علة أو آفة لا يسأل عن دليله، لأنه مستمسك بعموم النصوص الدالة على حرمة منع الصلاة في المساجد.
ولعل من أبرز ما يبين أن القول بجواز منع الجمع والجماعات يحَمِلُ مِنَ الوهن ما يُقْعِدُ قواعد الاستدلال عن الانتصار له قول عزو جل
الآية تفيد أن صلاة الجماعة لا تسقط مع وجود الخوف الشديد من دهم العدو وصياله على المسلمين-مع قيام احتمال الموت إذ الحرب قائمة-ومع ذلك لم تعطل صلاة الجماعة فضلاً أن يجوز ترك صلاة الجمعة.
وحين التأمل في فقه المآلات فإن مآل الهزيمة ومباغتة العدو للمسلمين حصول مداهمتهم للديار، إلا أن الشارع الحكيم لم يأذن بترك الجماعة، فكيف يجوز منع الصلوات في المساجد مع أن احتمال الموت بسبب وباء كورونا أقل بكثير من هذه الصورة؟!
ثانيًا: من المعلوم قطعًا أن المساجد وقف لله تعالى، أي محبوسة على ملكه كما قال: "وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ"، أي: أوحي إليَّ اختصاص المساجد بالله، أي بعبادته؛ لأن بناءها لغرض عبادة الله فيها فالأصل ألاَّ يجوز منع أحد من دخولها لعبادة الله فيها.
ما تقدم من الآيات وغيرها من نصوص متكاثرة متناثرة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ومثلها لا تنهض معارضتها بدليل ظني الثبوت، ظني الدلالة.
ثالثًا: المعلوم أن خطورة "كورونا" ليس في كونه مميتًا، وإنما في كونه سريع الانتشار، وأن المريض قد يعاني من صعوبة في التنفس، يحتاج معها إلى رعاية طبية داخل المستشفى ولربما في العناية الفائقة، وهذا يمثل تهديدًا للمنظومة الصحية التي تعتني بحياة الناس
أي: إن الخطر على المرضى بطريق غير مباشر، فكيف لأجل ذلك تمنع صلوات الجمعة والجماعة؟!
رابعًا: الافتاء بجواز إغلاق المسجد وتعليق صلاة الجمعة والجماعة استنادًا للمصلحة لا يستقيم مع المقاصد وقواعدها.
وتوضيحه: إن حفظ الدين هو أعلى المصالح المأمور بحفظها، وحفظ النفس في المرتبة الثانية، فالجمعة من الضرورات التي لا يجوز تركها، والجماعة مكملة للضروري،وحفظ المنظومة الصحية في مرتبة ثانية، وهي ليست من الضرورات، بل هي مكملة للحاجيات، فكيف يعارض مكمل للحاجي بضروري قصد منه حفظ الدين؟!
خامسًا: يؤكد مخالفة الفتوى لأصول الاستدلال أنه لو قيل: لا بد من نزع حجاب المرأة و غطاء وجهها لتستر الإرهابيين بزي النساء في الشوارع-مثلاً-فهل يعد ذلك سائغًا؟!
لا أظن أحدًا من الفقهاء يفتي بهذا-مع الأخذ بالاعتبار أن تلك في مراتب أدنى من حفظ الدين(الجمعة والجماعة)
سادسًا: الاستدلال بالأحاديث التي تأمر بالصلاة في الرحال على جواز تعليق الصلوات لا يستقيم، لأنها تفيد جواز تخلف المكلف عن الصلاة حال الخوف أو المشقة أو نحو ذلك...
لكنها لا تنهض للاستدلال على جواز منع الصلاة أصلاً، بعبارة أخرى: ليس هناك أحد من أهل العلم يقول بوجوب الأخذ بالرخصة والنزاع في الأفضلية في بعض صور الترخص.
سابعًا: القول بأن تعليق صلاة الجمعة والجماعة في المسجد جائز لأجل الضرورة، لا يتماشى مع قواعد الضرورة،لأن المتفق عليه أن "الضرورة تقدر بقدرها"، فلا يجوز المصير إلى أكل الميتة مع إمكانية شراء ما تُدْفَعُ به المخمصة، فذلك يجعل أكل الميتة ليس ضرورة يتحتم اللجوء إليها؛ لأنه يمكن...
درء الضرر بغيرها.
ومثل ذلك يقال في هذه المسألة: فإن درء ضرر التقارب الجسدي ممكن-على القول بأنه ضرر حتمي-بغير تعليق وتعطيل لصلاة الجمعة والجماعة في المسجد، إذ يمكن أن يصلي الإمام بالعاملين في المسجد دون غيرهم، ولو قيل بذلك لربما كان القول سائغًا-كما هو في الحرمين الشريفين-...
كما يمكن دفع الضرورة بترك التراص والتقارب ولبس أغطية الوجه والقفازات كما عليه العمل اليوم–بعد ثلاثة أشهر من الأزمة الصحية-.
كما يمكن القول إنه يجدر أن تعقم المساجد حين ظهور الوباء فيها أسوة بظهور المرض في الأسواق المركزية.
وهو بلا شك خير من تركها مغلقة.
ثامنًا: ومما يعزز ضعف بناء الفتوى على قاعدة الضرورة أن البروتوكول الطبي بشأن هذا المرض ليس واحدًا تتفق عليه جميع المدارس الطبية، وعلى ذلك فإن معاملة الإغلاق معاملة الضرورة غير سديد؛ لأنه يمكن أن يدرأ الضرر طبيًّا بغير التباعد المشار إليه...
فَلِمَ تحمل بيوت الله وفروض الأعيان والكفايات على رأي طبي واحد؟! وهو ليس رأيًا متعينًا.
ومما يؤكد ذلك أن بلدًا إسلاميًّا عملاقًا مثل إندونيسيا لم تغلق فيها المساجد، ومع ذلك فإن نسبة الإصابات فيها أدنى من بلاد أخرى أغلقت فيها المساجد، ما يؤكد أن العدوى ليست بسبب المساجد.
تاسعا: مما يقوله الأطباء: إن العدوى المرضية-كما في هذا المرض-لا تنتقل إلا من خلال تقابل الأوجه، فإذا كان ذلك كذلك، فإن تقابل الأوجه غير متحقق في المصلين الذين يقفون بين يدي الله في صفوف متوالية متراصة لا يحصل معها التقابل كما هو معلوم...
...فإن خيف من انتقال الهواء من الصف الخلفي للصف الذي أمامه، فلتتباعد الصفوف عن بعضها، وبذلك تدرأ الخطورة ولا تنتقل العدوى في المسجد.
عاشرًا: مما يعزز ضعف تلكم الفتوى أيضًا: أن ما يقوم به الناس في يومهم وليلتهم من اجتماعات وتزاحم في المجمعات والأسواق الغذائية وغيرها تحمل ذات الخطورة بالإصابة في المرض، ومع ذلك لا يمنع الناس من الدخول إليها وقضاء ما يحتاجونه من الضروري والحاجي والتحسيني من أمور حياتهم...
أما الضروري الديني-صلاة الجمعة-فإن الناس يمنعون منه...فأي ضرورة تلك التي تحضر في المسجد ولا تحضر في المجمعات والأسواق المركزية.
حادي عشر: روى ابن عبد البر أن الرشيد هارون ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وأن يرده إلى بنيان ابن الزبير...فقال له الإمام مالك: "ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألاَّ تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس"
وهذا الذي أفتى به الإمام مالك ينطلق من فقه المآلات، وهو جدير بالاعتناء في هذا الموضع، وتوضيحه أن يقال: لو كان ولاة الأمر في زماننا كهارون الرشيد، فلا يمكن الجزم بأن من يأتي من ولاة المسلمين في قابل الأزمان هل يكون كهارون الرشيد أم يكون كالحجاج الذي استباح الكعبة المشرفة؟!...
فقد يُتَوَسَّل بهذه الفتيا من هو كالحجاج، فيجعل المساجد ملعبةً له، فتضيع هيبتها من نفوس الناس ويضعف اتصال المسلمين ببيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولا ريب أن هذا الفقه المعتبر مما لا ينازع في اعتباره أحد مما له دراية بالعلم.
ثاني عشر: نشهد هذه الأيام زيادة في الحالات المرضية وهو مغاير لما كان عليه الحال وقت إغلاق المساجد، فعلى فرض صحة فتوى الإغلاق في حينه، ألا يجدر القول بوجوب الإغلاق في الوقت الحالي لأن الحالات في ازدياد وذلك يعزز من حالات العدوى وانتقال المرض بما يؤدي إلى انهيار المنظومة الصحية؟!..
. فما كان فيه ضرر في حينه يجدر أن يكون ضرره أشد في يومنا هذا، فلم إعادة فتح المساجد في هذه الأيام ومناط الحكم لم يتغير؟!
هذا يعزز أن الفتيا لا تستند على أرقام ثابتة أو دلائل شرعية أو حقائق علمية واضحة، إنما هي ظنون لا تقوم لها ساق لدفع الأدلة القطعية.
ثالث عشر: لو كان سائغًا إغلاق المسجد في حينه وتعطيل الجمعة والجماعة فإن من غير السائغ أن تعطل الجمعة اليوم، فإننا في يومنا هذا نتوجه إلى المسجد في كل صلاة، بما في ذلك فجر الجمعة وعصر الجمعة، وظهر الخميس وظهر السبت، ونمنع من دخول المسجد ظهر الجمعة لئلا يصلي الناس الجمعة...
ولو بأقل قدر من الخطبة، فما الذي يسوغ أداء سائر الصلوات في يوم الجمعة، ويمنع المصلين من دخول المسجد ظهر يوم الجمعة؟!
رابع عشر: لو كان إغلاق المساجد في الجمعة سائغًا، فإنه يجدر أن يجري ذلك الإغلاق على صلاة الكسوف، غير أن صلاة الكسوف أذن في إقامتها بعدد قليل من المساجد ما يلزم منه
... مزيد من التزاحم، فأي الصلاتين أهم الجمعة أم الكسوف؟! أليس من الممكن إقامة صلاة الجمعة مع الأخذ بالاحتياطات الصحية-على فرض الاحتياج لها-، أسوة بالكسوف أو صلاة الجماعة؟!
خامس عشر: لعل من المهم في ضوء المستجدات الطبية والحقائق العلمية التي تظهر أن تعيد لجنة الفتوى النظر في اجتهادها الأول؛ لأن الرأي الطبي الأول تغير، والبروتوكول الطبي في التعامل مع المرض قد تغير ما يلزم منه الانفتاح على الحياة مع وجود حالات كثيرة...
ويلزم من ذلك تغير الاجتهاد الفقهي بناء على تغير الوقائع، أو بعبارة أصولية تغير مناط الحكم الأول يلزم منه تغير الحكم.
سادس عشر: أسوة بالمسائل النازلة في البيوع والتأمين والزكاة وغيرها، فإن من وجهة نظري أنه كان من الأولى عقد مؤتمر يبحث في المسألة على وجه الاجتهاد الجماعي...
خاصة وأن المسألة في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو الصلاة، ولا أقلل هنا من قدر لجان الفتوى، وإنما هو طلب لحصول الاجتهاد الجماعي وتلاقح الأفكار وهو خير من الاجتهاد الفردي بلا شك. والله ولي التوفيق.

جاري تحميل الاقتراحات...