1-الوقف امتداد لعمر الإنسان ، وينبوع صافٍ لجداول الأجر والثواب ، ومنجم غني بدوام العطاء ، ومَنْ أَحْسَنَ الوقفية نال خيراً كثيراً ، وسأحكي عن الوقف ، والواقف والناظر ، والنظارة ما أشعر بأهميته في هذه السلسلة اللطيفة ...
2-الوقف عبادة يستطيعها الجميع بلا استثناء ، وليست عبادة الأغنياء فقط ، فيصح أن توقف مصحفاً ، أو كتاباً ، أو قلماً ، ومن علم اللهُ صدق قلبه ، وسخاء نفسه ، أبلغه منازل الواقفين للأعمال الجليلة ، ونال مثل أجورهم ، ودليل ذلك حديث " إنما الدنيا لأربعة نفر ..."
3-ليس للوقف زمن كآخر العمر - لو فرضنا علم ذلك - بل يصح أن يوقف الإنسان في مقتبل شبابه ، ويصح أن يوقف على نفسه فيأكل من ريع الوقف ، ويسكن ، ويُهدي ، وينفق كيف شاء ، ثم يجعل الريع لذريته من بعده ، أو لأعمال البر ، غير أنه إذا أوقف صح له التصرف بريع الوقف دون أصله ...
4-كثير من الناس لديه ملك لايخطر له بيعه ، كبيت الأسرة ، وإثبات وقفيته على النفس ، ثم على الزوجة والأولاد يسكنون فيه ، ولا يحق لأحد المطالبة بأجرة حصته من المنفعة مصدر أمان واستقرار ، بدل إدخاله في التركة تتجاذبه المنازعات ، ويؤول لبيعه بالمزاد ، وتوزيع قيمته وشتات الأسرة الصغيرة
5-إذا كانت التركة محدودة ، فجمعُها في عقار أو أكثر له ريع دائم ، ثم يوقف على الورثة ، بحيث يكون لهم كالراتب الشهري ، أو على الأقل يغطي نفقات البيت ، وفواتير الخدمات العامة قرار حكيم ، وأفضل من أن يقتسم إرثاً لايغني فقيراً ، ولايجبر كسيراً ...
6-الوقف الذري بركة ، وصلة ، واجتماع شمل ، حتى إذا كثر المستحقون ، وتفرقوا ، وتباعدوا ، قد يتحول إلى حلبة صراع ، ومصدر نزاع ، وسبب فتنة ، والأفضل أن يكون الوقف على الطبقة الأولى ثم الثانية ثم ينتقل لوقف خيري على أعمال البر ويدخل فيه المستحقون من الذرية من باب أولى ..
7-الاستشارة العميقة لذوي الخبرة في الوقفية من حيث الجدوى الاقتصادية ، ثم صيغة الوقفية ، واختيار الناظر ، وصلاحياته ، وأجرته ومحاسبته ، وتحديد المصرف للوقفية ، واستشراف مستقبل الوقف ، وتوثيق ذلك بلغةٍ واضحةٍ حسنةٌ عظيمةٌ لاتقل عن حسنة الوقف ذاته ، وذلك أدوم وأقوم ...
8-اختيار الناظر على الوقف قرار يجب أن لاتدخله العواطف ، والمجاملات ، فليس من البر اختيار الأقل كفاءة ، أو الأدنى أمانة ، أو الأكثر انشغالاً ، مع وجود من هو لأفضل منه كفاءة وأمانة وتفرغاً ، والنظارة تكليف لاتشريف ، والمحاسبة في الدنيا ، والحساب في الآخرة يؤكد ذلك بجدارة ...
9-إذا تساوى الورثة بمقومات النظارة فليكن للنظارة مجلساً يكون القرار فيه بالأكثرية ، وانفراد أحدهم مورثٌ للضغينة ، وإذا استشرف الواقف الفتنة فليجعل النظارة كالشركة المحوكمة ، يدخل الناظر فيها - من غير الورثة - ويخرج دون أن تتأثر ، والورثة مراقبون محاسبون ، لامباشرون متصرفون ..
10-ليس من الحكمة والحصافة أن يترك الواقف تنفيذ الوقفية لورثته من بعده ، فما يؤجله الواحد سيؤجله الجماعة ، فليُنَظّمُ الواقف وقفه ، ويصلح أمره ، حتى إذا اطمأنت نفسه ، وغادر إلى ربه ، ترك وقفاً سامقاً ، وعطاء نابضاً ، ولم يترك لمن خلفه عذراً بارداً ، ولا اجتهاداً معوجاً ...
11-على الناظر أن يوازن بين مصلحة الوقف ، وحاجة المستحقين للريع ، فلايهدم مصراً ليبني قصراً ، ولا يبالغ في حرمان المستحقين حتى تفنى الطبقات بحجة عمار الوقف ونمائه ، والحكيم من يعطي كل ذي حق حقه في وقته ، ويقايس الأمور ، ليستمر العطاء ، وترفع للواقف أكف الدعاء ...
12-على الناظر أن يحمي سمعته من الريبة والطعن ، والتشويه ، فيضبط للوقف داخله وخارجه ، ووارده وصادره ، ويرتبط بمحاسب معتمد ، ويعمل تحت أشعة الشمس ، ووضح النهار ، ويبتعد عن الشبهات ، وأن يتجنب في نظارته كل أمر مشين ، أو تربح غير مشروع ، وليشهد ، وليصدق ،وليعد لكل سؤال جواباً ...
13-على المستفيدين من الأوقاف الثقة بالنظار ، وعدم ازعاجهم بدعاوى وطلبات تعيق أعمالهم ، وتزاحمهم في أداء واجباتهم ، وليبدأوا بالنصيحة ، وإبداء المشورة ، ولايجعلوا للشيطان ، والحسد والطمع سبيلاً يفرق جماعتهم ، ويناقض رسالة الوقف ، وهدف الواقف من الاجتماع والصلة ، والبر ، والدعاء .
14-الحكيم من يوقف الأوقاف حسب حاجة الناس ، فالأوقاف على ذوي الأمراض المزمنة كغسيل الكلى وعلاج السكر ، ومرضى السرطان ، أولى - بنظري -في هذا الزمن من الوقف على طباعة الكتب ، والأضاحي ، وحج البدل ، ولكل زمن حاجته ، وتفويض الناظر بذلك أمر حسن يحقق المصلحة ، ويراقب مواضع الحاجة للناس
15- أخيراً... توثيق الأوقاف أمر واجب ، والخوف من آثار ذلك عذر غير مقبول ، فاندثار الأوقاف ، وتحولها مع الزمن أمر مشتهر ، لايصح معه الاجتهاد بعدم التوثيق ، والوقف لاينتقل من أهله إلا عند اندثارهم أو نزاعهم ، وإلا فالدولة تُبقي كل ناظر على نظارته ، مالم يكن ثمة نزاع أو مخالفة ..
جاري تحميل الاقتراحات...