... الحمد لله إنك حضرت وإني أعاني الآلام المبرحة نتيجة لالتهاب العصب الطرفي ، و بعد أن كشفت عليها ، ذهبت لأغسل يدي من الحوض الذي كان موجوداً في الغرفة ، ولكنها طلبت مني أن اذهب واغسل يدي في الحوض الخارجي . فوجدت هنالك ثلاث رجال وامرأتان يقفون في صف لكي يغسلوا أيديهم ...
... وبعد أن سلمت عليهم عرفتني بأسمائهم ، وكان أكبرهم هو الغفير أو الحارس للمنزل وأوسطهم الجنايني وأصغرهم الغسال . أما النساء فكانت واحدة منهم مسؤولة عن الطهي والأخرى مسؤولة عن النظافة . وبعد أن غسلنا أيدينا توجهنا لغرفة الطعام لتناول الإفطار ...
... فقامت بتعريفي إليهم و قالت لهم أن الزميل أبشر حسين كحائط الجالوص الذي غطى بطبقة من الأسمنت ، ولكني قلت لها مازحاً يا أستاذة لقد قمت بتكسير هذا الحائط و لكني أعدت بناءه بنفس المواد ، ونفس المونة فضحكت كثيراً ...
... ثم دخل عمك أحمد ( الحارس أو الغفير ) قائلاً : يا أستاذة إنك ترهقين نفسك كثيراً بالسهر في كتابة مذكراتك ، فقالت له مازحة إنني أسابق الزمن . ثم قالت : - ملتفتة للمرأة المسؤولة عن المطبخ - أنني قد أعطيتك فرصة كافية لقراءة كتاب (كاف كا) و أمهلك يومين لكي تعيديه لي ...
... فاعتذرت الطباخة عن التأخير ، وعزت ذلك لكثرة الضيوف نتيجة لمرض الأستاذة ، فقبلت الأستاذة سعاد عذرها ثم صاح الحارس الليلي : يا أستاذة لقد تميت كتابي عن الثورة الديموقراطية قبل يومين من موعده وأرجو أن تسلميني كتاب (كاف كا) بعد فطومة ! ...
... فصاحت فطومة : ما قلت ليك يا سيد (و هو اسم الحارس) أنت الرمزية عند (كاف كا) ما بتفهمها ، فعجت الصفرة بالضحك . و بعد أن انتهينا من تناول الطعام ذهبنا لغرفة الجلوس لتناول الشاي ، وذهب كل من العمال الى موقع عمله ، و جلست مع الأستاذة نحتسي الشاي ...
... وكانت تعطيني أجر المعاينة الطبية في شكل كتب استلفها منها ، وفي ذلك اليوم أعطتني كتاب نقد العقل العربي للمفكر محمد عابد الجابر ، ورواية لواسيني الأعرج . و بعد أن ذهبت الى منزلنا ، و جلست مع زوجتي أتحدث إليها عن الحراك الإنساني الرائع في منزل الأستاذة سعاد ...
والمعاملة الإنسانية التي تكسر كل القيود الاجتماعية والطبقية وتعطي كل انسان قيمته وذكرت لزوجتي بأننا في رمضان ننزل أنا وأولادي للطابق الأرضي نتناول طعام الإفطار ومعنا الصادق السواق وعلي الغسال وصالح المكوجي و عمر الكهربجي و الزين الجنايني في هارموني من الإنسانية والتصالح النفسي...
و لكن بمجرد أن يذهب رمضان نعود لحراكنا الاجتماعي المبني على الفوارق الطبقية ، و عندما أتذكر الفعل الإنساني عند الأستاذة سعاد ، نجد أن الفعل الصوفي الذي نمارسه في منزلنا في رمضان تمارسه هي يومياً في كل أيام السنة .
نسأل الله للأستاذة سعاد الرحمة و المغفرة ...
نسأل الله للأستاذة سعاد الرحمة و المغفرة ...
... تعلمت من هذه الانسانة الرائعة كيف يكون الحراك الاجتماعي غير مبني على الفوارق الطبقية ، ولاحظت أن هناك شبه كبير في الحراك الإنساني بين سعاد إبراهيم أحمد والشول محمد حسين (والدتي) ، بالرغم من الفارق العلمي الكبير بينهما ، و سوف أتطرق إلى ذلك في تغريدات قادمة .
بروف / أبشر حسين
بروف / أبشر حسين
جاري تحميل الاقتراحات...