لورنس العرب
لورنس العرب

@withoutlink

26 تغريدة 68 قراءة Jun 22, 2020
تأملت كثيرا في قصة الفضل بن عباس رضي الله عنهما، حين أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه على راحلته يوم النحر، وكان الفضل رجلاً وضيئًا، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يُفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها، فأخذ بذقن الفضل، فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت المرأة: يا رسول الله: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخاً كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم.
هذا الحديث يحتج به من يرى جواز كشف وجه المرأة، ويجيب الموجبون ستر الوجه بأجوبة، كما هو معلوم في محله.
ويحتج به الفقهاء على قضاء العبادات، وغيرها من الفوائد الفقهية.
ولكن ليس لهذا سقت الحديث..
وإنما سقته لأمر آخر لفت نظري:
هذا الفضل بن عباس رضي الله عنه، صحابي جليل، وهو في يوم النحر، أعظم الأيام عند الله تعالى، وفي مناسك الحج، وهو أيضًا محرم بالحج..
فهنا -رعاك الله- اجتمع شرف الزمان والمكان والشخص.
أضف إلى ذلك: أنه يركب خلف النبي صلى الله عليه وسلم!
ثم هو ينظر إلى المرأة، ويصرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عنها!!
---
---
سألت نفسي: لو كنتُ سائرا يوما مع أحد مشايخي، أو أحد تلامذتي حتى، أو أي شخص عادي، ومرت بي امرأة، وأنا أعلم أن من يسير معي يلاحظني= هل كنت سأنظر إلى تلك المرأة مهما كان جمالها؟!
ربما سأسترق النظر، بحيث لا يراني من يسير معي.
وربما سأنظر نظرة أجد منها مخرجا لو لاحظني، كأن أنظر لها بازدراء لأنها كاشفة، وباطني الإعجاب! أو أنظر في زاوية تحتمل أنني لا أراها، أو لست مركزا معها.
وربما لو عجزت عن هذا كله= فلن أنظر أصلا، صيانة لنفسي!
لكن الفضل رضي الله عنه وهو محرم بالحج، ووهو رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم= نظر إلى المرأة!
تخيل الموقف: رسول الله صلى الله عليه وسلم معك، وتنظر إلى امرأة!
لا شك أن الفضل يعظم رسول الله صلى الله عليه وسلك التعظيم اللائق به، لكن كيف حصل هذا؟
هذا محل الملحوظة:
الرسول صلى الله عليه وسلم يعامل أصحابه على أنهم بشر، ليسوا ملائكة، يعاملهم على مقتضى الضعف البشري وفطرة الإنسان.
التقي قد يعصي الله، نعم، وقد يقع في فاحشة أيضا، لكنه كما قال الله في وصف الأتقياء: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).
أنت صحابي، عالم، شريف النسب، رتبتك جليلة، ومتلبس بعبادة، ومع ذلك قد تعصي الله، وسيراك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يسكت عن المنكر، بل سيغيره، لأنه صرف وجهه بالفعل.
لكنه تغيير، وليس بتعيير!
لن تنقص هذه المعصية منك ما دمت تجاهد نفسك
لن يعيرك بها الصالحون ولن يزدروك؛ لأن المجتمع تربى تربية صحيحة، وليسوا مرضى!
سيروون الحديث ويذكرونك بالاسم، مع أن المقصود يحصل بذكر القصة دون تسمية، وهم لا يرون ذلك منقصة، ولن يعدوك (غير ملتزم)، ولن يخرجوك من دائرة (النقاوة و‍الطهرانية)!
رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه هنا: لم يعنف الفضل، ولا نهره، ولا غضب منه، ولا وبخه.
صرف وجهه، فحسب، غيّر المنكر بما يليق به، وانتهى الأمر.. أقبل على المرأة يفتيها!
شاب متدين غلبته نفسه فارتكب ذنبا.. لا بأس، هو ما زال متدينا صالحا.
لن يسقط من نظر المتدينين.
رجل آخر مدمن خمر -والخمر أم الخبائث- يؤتى به فيجلد، فيطهره الحد، ثم يعود مرارا، ويجلد في كل مرة، ثم يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم شهادة تدخله الجنة: (إنه يحب الله ورسوله)، وينهى الصحابة عن سبه!
وآخر غلبته نفسه، فقبّل امرأة، وضمها، وفعل معها ما دون الجماع، ثم جاء يحكي ما فعل لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقال له: (هل صليت معنا؟ إن الحسنات يذهبن السيئات).
وآخر يزني، ثم يأتي ويعترف، ويطلب أن يقام عليه الحد، وهو هنا: الرجم حتى الموت! ويجود بنفسه لله.
وتتبع هذه الشواهد يطول.
- - -
- - -
هذا المجتمع مجتمع صالح، مجتمع جاذب وليس طاردا، مبشر وليس منفرا، رحيم وليس قاسيا، بشري وليس ملائكيا طهرانيا، واقعي وليس ذا دعاوى نقاء فارغة.
هنا: يستقيم المرء، ويكثر خيره، ويصلح قلبه وعمله.
هنا: لن تجد -في المؤمنين حقا- نفاقا، ولا رياء.
هنا: لن يدعي المرء كمالا هو منه خال، حتى إذا ما خلا بمحارم الله انتهكها وراح يعربد ويفجر، ثم يصبح يعير الناس بذنوبهم
ويتعايش مع نفاقه أو فجوره المكتوم، في تطبيع مع كبائر نفسه، وتشنيع على صغائر غيره.
هنا: ستحسن فهم ما تراه في كتب التراجم، من نقص يذكر في أحوال بعض الكبار.
أتذكَّر -وأنا أكتب- كثيرا من الفواحش التي تحكى لي عن أناس ظاهرهم الصلاح، وموبقاتٍ يرتكبونها يندى لها الجبين، وهم ينظرون في ذنوب الناس كأنهم أرباب، ويدّعون نقاوة ليسوا متحققين بها، وصلاحا ليسوا أهلا له.
أتذكر شخصا ملتحيا -كان يلبس دائما عباءة يحملها معه في حقيبته، فيلبسها فوق سرواله، حين يريد الصلاة؛ لئلا يصلي بالسروال، مع أنه ليس ضيقا- أتذكره وقد جمجم مرة حين ركبت معه سيارته فرأيت في طفايتها أعقاب سجاير، فلما أدرك= قال لي: إنها للسايس حين كان ينظف السيارة!
وأنا أدري أنها له وليست للسايس الذي لا يستخفي بسيجارته.
أسأل نفسي: ما الذي اضطره إلى الكذب؟!
وما الذي جعله يستخفي بهذا؟
إنه الخوف من تصنيف الناس وازدرائهم له وطردهم إياه من دائرة النقاوة، بينما هو يتمثلها تامة في لباسه وهيأته!
لهذا يستخفي أحدهم بالذنب حتى يعتاده ويألفه ويحبه، ويجر الذنب ذنبا آخر، ثم ينتكس حقيقة لا ادعاء، حتى لو ظل ظاهره (نقيا ملتزما)، وربما يخرج إلى النفاق.
وهنا: سيفرغ طاقة الإنكار المكبوتة وسيمارس دعاوى النقاوة؛ في غيره، وسينسى نفسه.
وسيعامله المجتمع بنفس المعاملة، فيعدون الصغيرة منه كبيرة، بعض المباح حراما، وسيكون فتنة لمن شاء الله فتنته.
أو لا يطيق آخَر التمثيل طويلا، فينتكس من أول الأمر ظاهرا وباطنا، ويترك هذا الطريق الذي لا يرحمه فيه سالكوه لو خرج عن جادتهم، ولو بمسألة خلافية!
وما نظرتهم لمن أخذ من لحيته، أو أسبل ثوبه، أو كشفت وجهها، أو لبست ألوانا= بأمر غريب أو مجهول لمن عايش هؤلاء.
فإذا كان كذلك= فما الذي يضطرني إلى هذا (الالتزام) الغالي أربابه؟!
دعنا نعيش أسوياء، نعترف بذنوبنا، ونتعامل على أننا عصاة مكشوفون، فيرحم بعضنا بعضا،
ونؤمل في رحمة الله الواسعة.
ولن تستغرب من كمية الأسئلة والانهيار الحاصل من جراء ذنوب الخلوات، التي يقصرها أصحابها غالبا على صور خاصة من الذنوب، عامتها متعلق بالشهوات، وبدلا من أن تكاثَر بالحسنات، ويُتعامل معها برشد= تتحول إلى أسباب للانفلات التام والفجور الصريح المعلن!
أما الفضل: فنظر في هذا المقام المهيب لامرأة، ولم يلق تهويلا ولا ازدراء.
وأما شارب الخمر؛ فطهره الحد، وحاز شهادة من رسول الله يتمناها أعبد الناس وأتقاهم ولو بذل فيها نفسه وأهله وماله!
وأما من فعل بالمرأة ما فعل= فصلى الصلاة في الجماعة، وحُطت عنه ذنوبه.
وأما، وأما، وأما.
فاتقوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم، وزِنوا الأمور بميزانها، وارجعوا إلى الأمر الأول، دون غلو ولا شطط ولا تشديد خارج عن الشرع والفطرة والعقل.
تلقوا دينكم من مصادره الأصيلة، وبفهم الفقهاء حقا، لا القصاص والوعاظ الذين لا فقه لديهم ولا وعي. والله المستعان
الشيخ محمد عبد الواحد

جاري تحميل الاقتراحات...