على مائدة التفاوض العملاقة يجلس كل زعماء العالم ، أمام كل زعيم ملف يحمل اسم دولته وعلمها و نسخة من قاموس العلاقات السياسية الدولية بلغة بلاده الرسمية ، وبجوار القاموس صندوق مغلق يحتوي على (زهور وسكاكين) المفاوضات 1
وحين يتبادل زعيمان زهرتين يخرجان متشابكي الأيدي إلى الجماهير الغفيرة التي تهتف بحماس تحت لافتات تحمل شعارات الصداقة والأخوة أما إذا تبادل زعيمان سكينان وخرج كل منهما في طريق تهتف الجماهير أيضا بحماس تحت لافتات أخرى تحمل شعارات العداء والبغضاء 2
ويحدث أن يتبادل زعيمان زهرتين وسكينين في نفس الوقت فيختلط الأمر على الجماهير وتعجز عن الفهم ، فكيف للصداقة أن تجتمع مع العداء ؟ وكيف للأُخوة أن تغلفها البغضاء ؟ 3
مشكلة هذه الجماهير أنها لم تقرأ الصفحة الأولى من قاموس العلاقات الدولية صفحة صغيرة تتكرر في كل سطورها كلمة واحدة مكونة من 7 حروف هي(المصالح) أماالشعارات التي يبعثرها الزعماء على الشعوب فهي الوسيلة الوحيدة التي تمنح الزعماء فرصة تبادل (الزهوروالسكاكين)بعيدا عن الضجيج وصخب الجماهير
هكذا تسير السياسة الدولية منذ أن ظهرت العلاقات بين الدول منذ أقدم العصور ، ولأن (المصالح) قد تدهس القيم الأخلاقية وتعبث بالمباديء الإنسانية فقد جرى الاتفاق على تسويق هذه المصالح بين الجماهير تحت شعارات براقة زاهية الألوان حرصا على عدم إيذاء الضمير الإنساني العام4
وبهذا المنطق يمكنك أن تفهم لماذا يتبادل "أردوغان" و"بوتين" السكاكين والزهور في المسافة بين "ليبيا" و"سوريا"؟،ولماذا يتبنى "ترامب" قضية حقوق الإنسان الصيني بينما يشتعل الشارع الأمريكي بسبب إحدى قضايا حقوق الإنسان الأمريكي؟،
وبأي ثمن سيتبادل "البيت الأبيض" الزهور مع "بكين" ؟ 5
وبأي ثمن سيتبادل "البيت الأبيض" الزهور مع "بكين" ؟ 5
ولماذا تقف دول صديقة و(شقيقة) ضد المصالح العادلة للدولة المصرية غرباً وجنوباً ؟
الإجابة في قاموس العلاقات السياسية الدولية الذي يخلو تماماً من كلمات مثل الأصدقاء والأشقاء 6
الإجابة في قاموس العلاقات السياسية الدولية الذي يخلو تماماً من كلمات مثل الأصدقاء والأشقاء 6
والقاموس هنا يشير إلى طريقتين فقط لا غير لاتقاء شر الدول الأخرى وهما إيجاد المصالح المشتركة (الزهور) أوممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية (السكاكين) ولا دخل هنا بالنوايا الحسنة أو مشاعر الأخوة والصداقة .7
والمشكلة التي تواجه "مصر" منذ زمن ليس بقليل هي أن الكثير من الأنظمة السياسية في محيطها الحيوي إما أنها لا تدرك حجم المصالح المشتركة مع "مصر" وإما أنها خاضعة لعقليات تدير دفة سياساتها وفق أيديولوجيات فاسدة أو حسابات خاطئة تتعلق بأوضاعها الداخلية8
المشهد الليبي الحالي يكشف الكثير من حقائق العلاقات السياسية الدولية ، وما بين مواقف أوروبا وروسيا والولايات المتحدة التي تجسد لغة المصالح المجردة ، تبدو مواقف دول أخرى مثل "تونس" و"الجزائر" وكأنها التطبيق العملي لمشكلة "مصر" المزمنة مع محيطها الحيوي ،9
وفي الوقت الذي لا يخلو الخطاب الرسمي في الدولتين من ترديد شعارات شعبوية محفوظة حول تحرير "القدس" "العربية" ، 10
تبدو السحنة "التركية" واضحة جلية في ملامح سياسات الدولتين اللتين تفضلان حضوراً تركيا على أرض "عربية" مهدداً مصالح دولة "عربية" أخرى هي "مصر" على تخليص ليبيا "العربية" من احتلال أجنبي بمساعدة جماعة إرهابية محلية تعبث بمصيرها ،11
وكل هذا مع الحرص في نفس الوقت على تحميل "مصر" أوزار القضايا "العربية" في مزاد علني مستمر منذ أن ظهرت القضية الفلسطينية للوجود12
والخطأ هنا أن يتصور المواطن المصري الذي لم يطلع على قاموس العلاقات السياسية الدولية أن شعارات "العروبة" التي يتم تسويقها جماهيرياً تعني أن سياسات بعض الدول "العربية" "عربية" فعلاً13
فالأمر كله يتعلق بسياسات يتصور منفذوها أنها تحمي مصالح بلادهم وهي تصورات خاطئة غالباً ، لذلك لا مبرر لحالة الصدمة من مواقف بعض الدول الشقيقة هنا أو هناك وما "قطر"و"حلفاؤها"العلنيون والسريون ببعيد . 14
يجب أن يدرك المصريون بوضوح أن شعارات العروبة أو روابط المحبة مثلا بين دول حوض النيل لا علاقة لها بواقع (الزهور و السكاكين) وأن العقلانية تقتضي ألا تعلو أي قضية على قضية الوطن المصري أولاً وأخيراً ، 15
وأن التعاون مع الدول وتوطيد العلاقات معها يقوم على المصالح فقط وهي كثيرة في محيطنا العربي لكن قدر الله وماشاء فعل فصُناع السياسة العربية قرروا منذ زمن بعيد أن يخلطوا الشعارات الشعبوية بحقائق العلاقات الدولية 16
ليظهر هذا المسخ السياسي الذي سمح للدول غير العربية في المنطقة بأن تبحث عن مصالحها على أنقاض طموحات شعوب كانت تحلم بوحدة من المحيط إلى الخليج فباتت تشعر بالوحدة وسط غابة دولية موحشة تتصارع فيها مصالح الشرق و الغرب وتتردد فيها كل لغات العالم إلا لغة المصالح العربية . 17
جاري تحميل الاقتراحات...