شاهدته أخيرًا، الفيلم الوثائقي The Last Dance الذي يحكي قصة الأسطورة مايكل جوردن نجم فريق (تشيكاقو بولز) لكرة السلة في حقبة التسعينيات التاريخية. بعدما استثقلت متابعة 10 حلقات وثائقية طويلة.. وهذه سلسلة تغريدات.
إن لهذا العمل تكاملًا قلّ نظيره، إنّه صنعةٌ وثائقية بكلّ ما تحمله الكلمة من معنىً، في كلّ زاوية من تفاصيله ميزة خاصة: اختيار الشخصية، التعمّق في داخلها، البحث في الأرشيف، السرد القصصي، تنوع المقابلات الجانبية، البناء الدرامي، قيم الصراع والتميّز والبعد الإنساني.
اختيار جوردن نجمًا لوثائقي يحكي قصّة حقبته الأسطورية، هو الاختيار الأمثل، الأكثر منطقية، الأكثر عدلًا، مايكل ورفاقه استطاعوا أن يغيّروا مفاهيم اللعبة، كرة السلة قبل جوردن غير كرة السلة بعده، صارت حديث العالم، دخلت كل البيوت، وتحوّلت إلى صنعة اقتصادية اقتحمت مختلف الأسواق.
استطاع جوردن أن يصنع لنفسه اسمًا سرعان ما تعدى حدود بلاده، كان أيقونة ثقافية وتجارية عابرة للقارات، حتى قيل فيه: "لابد للمرء أن يقدّر شهرة جوردن أكثر، إذ لم تكن لديه القدرة على ترويج نفسه من خلال منصات التواصل الاجتماعي، كان معروفًا لبراعته في اللعب، ولتمتعه بشخصية نابضة بالحياة"
ناهيك عن إنجازاته الفردية والجماعية، وتحطيمه مجموعة من الأرقام القياسية، ومدى تأثيره في خلق بيئة تنافسية داخل وخارج الملعب، كان الأكثر استعدادًا لدخول التاريخ، والتربّع على عرشه، وما هذا الفيلم الوثائقي إلّا محاولة متميزة في إثبات نجومية مايكل ورفاقه واستحقاقهم لكلّ هذا الزخم.
كثيرٌ من اللاعبين يستطيعون التصويب بمهارة من مختلف مواقع الملعب في مختلف أوقات المباراة، القليل منهم من يستطيع تحمّل ثقل الثواني الأخيرة والكرات الحاسمة، كان جوردن من أفضل هؤلاء القليل، وكم من بطولة ظفر بها فريقه بفضل هذه القوة الذهنية والتزكيز العالي.
ما يدفعنا للتعمّق في داخل مايكل أكثر فأكثر، والبحث عن مفتاح شخصية جوردن التي استطاع بها تحقيق كل هذه النجومية، والتي حرص هذا الفيلم للكشف عن أبعادها واحدةً تلو الأخرى، والتأكيد على دورها في مناسبات مختلفة طوال مسيرته الرياضية.
قد تكون عقلية المنتصر مهما كلّف الثمن في أتفه المناسبات قبل المباريات الكبيرة هي التي كانت تسيطر عليه تمامًا، جوردن لا يقبل الخسارة في لعب الورق بين أصحابه، فلك أن تتخيّل الشراسة التي بإمكانه اللعب بها في مباراة لكرة السلة بحضور ومتابعة آلاف المشجعين.
وكان دائمًا ما يضع اعتبارًا لهذه الجماهير التي تأتي لمشاهدته خصيصًا: أن أحدًا في هذه الصالة سمع عن جوردن ولم يرَه أبدًا، فكان يحمل على عاتقه فوق همّ الفريق، والانتصار، همّ هذا الذي يراقبه من بعيد في ألّا يعيده إلى منزله مخذولًا، وأن يستمتع بعرض إم جي.
كان يمتلأ تحديًا من الداخل، جوردن هي الشخصية الأكثر استحقاقًا لترسيخ مبدأ الصراع كأحد العناصر الأساسية في أيّ فيلم وثائقي، صراعاته النفسية التي شكّلت شخصيته، صراعاته خارج الملعب مع الإدارة والصحافة والنقّاد، داخل الملعب مع الفريق والمنافسين والكرة التي بين يديه.
من مظاهر صراعاته، قسوته مع فريقه، خصوصًا بعد عودته من الاعتزال بعد أن تبدّل كثيرٌ من رفاقه، كان بيرر هذه القسوة باستحالة أن يحقّق فريقه البطولة وهو بهذا الضعف، وكانوا يخضعون لقوته واللعب في ظلّه كونه النجم الأول الذي يحقّق لهم الانتصارات ولو كان وحيدًا.
حتى أنّه اضطر أحيانًا لحمل الفريق على عاتقه، يلعب منفردًا، دون أن يمرّر أو يكترث برفاقه وخطة المثلث التي يقترحها المدرب فيل جاكسون، وكان يردّ عليه مايكل: "لن أتوقف عن ملاحقة الكرة" وكان كثيرًا ما ينجح جوردن، مما يجعله الوحش الكاسر الذي يهابه الجميع.
الطبيعة التنافسية التي تحكم سلوك مايكل، جعلت له في كل مباراة، مباراة فردية خاصة مع نجوم الفرق الأخرى يسدّ بها فراغًا في داخله، لم يسلم منه نجمٌ، كان مستعدًا للانتقام من منافسه بعد سنوات من انقضاء المباراة، فقط لأنه احتفل بطريقة استفزّت جوردن، إنّه لا ينسى.
كان يتفنّن في إيجاد المحفّز الذي يجعل بريقه لامعًا دون أن يخفت، عنيدًا إلى الدرجة التي لا تحبّ منافسته، لا يكتفي بهزيمتهم، كان يستمتع بتدميرهم، يزعجه أن يكون له ندًّا، كان في محاولة مستمرة لإثبات أنّه الأفضل، والأول، وألا مجال للشكّ: أنّه لا يُقارنُ بأحد.
الفيلم الوثائقي هو المعالجة الإبداعية للوثائق، وقد غاص منتجوا هذا العمل في أرشيف النجوم يإخلاص عظيم، وقد تم الإشارة في بداية الفيلم أن الموسم الأخير في 1998 تم توثيقه من قبل شركة خاصة، بعد قرابة الـ 20 عامًا، يأذن جوردن لهم بكشفه والبدء في سرد القصة.
أخذ السرد القصصي أسلوبًا فريدًا من نوعه، وهو الخطّين السرديين، الخط الأول كان يأخذ لمحات من كل سنوات جوردن وكان يتفرع عن هذا الخط خطوط جانبية لنجوم الحقبة تعزز القصة الرئيسية، وخطٍّ رئيسيًا آخر وهو الغوص في تفاصيل الموسم الأخير كما أطلق عليه فيل جاسكون The Last Dance.
وكان التنقل بينهم سلسًا لا يُملّ، حاول فيه منفذو العمل إيجاد الروابط بين تفاصيل السنة الأخيرة والأحداث الكبيرة التي مرت طوال السنين السابقة، في محاولة لفك العُقَدِ في هذه القصة الأسطورية، إلى أن التقى الخطّان في الحلقة الأخيرة في لوحة متكاملة الأطراف تشكّل صورة نهائية للنجومية.
تجدر الإشارة للتفرعات المهمة في الخط السردي الأول، من خلال المقابلات الجانبية التي بلغ مجموعها 95 مقابلة، كلهم جزءٌ من قصة جوردن، كان النصيب الأكبر لرفاق الدرب: سكوتي بيبن، رودمان المشاغب، ستيف كير، وملهم المجموعة مدرب الفريق: فيل جاكسون، والتي أفرد لهم المخرج حلقات خاصة.
وفي هذا الباب إشارة لأهمية من حولنا في صنع قصصنا وتأثيرهم في حياتنا، فجوردن لم ينكر فضل سكوتي ساعده الأيمن، وتعامله مع مزاجية رودمان ومشاكساته، ووقوف ستيف كير في وجهه في أحد التمارين جعله مقدّرًا عنده، والشهادة في المعلّم فيل جاكسون مجروحة.
وكان لهذا التنوع الكبير في المقابلات أثر بالغ في متعة السرد الوثائقي على الرغم من طول مدّته، بعد أن تناول زوايا عديدة في رواية القصة، ووجهات نظر مختلفة تقف مع جوردن وضده، وكانت تتيح فرصة الرد لمايكل في بعض المناسبات، وطبيعة هذا العالم: أن المنتج هو الذي يتحكم في المادة المنشورة.
إلا أن هذه المقابلات كان تجيب عن الأسئلة الخمسة الأهم في العمل المرئي، كانت تغوص في المشاعر، تبحث في القصص، تكشف عن نقاط التحوّل، تطرح الرأي الجريء، وتناقش المعلومة المهمة. فكلّ ما قيل في كلّ الحلقات هو قطعة من اللوحة الكبيرة، حتّى التي نظنّها بعيدة كل البعد عن الخط السردي.
هذه القطع الصغيرة، كانت تؤسس لمحطات فاصلة، ولحظات كبيرة، قد يكون البناء الدرامي التصاعدي أوصلنا إلى قمة الهرم في اللحظة التي رمى فيها جوردن كرته الأخيرة في سلّة فريق (يوتاه جاز) معلنًا بطولته السادسة والأخيرة على سلّم المجد.
لم يعش جوردن حياة وردية، فقد كشف الفيلم عن جوانب مظلمة في حياته، أهمها فقدانه للخصوصية في حياته، بعد أن صارت الأضواء مسلطة عليه، بعد أن وضعه الناس قدوة لم يكن يقصدها، كان حديث الصحافة، اللاعبين، المشجعين، كان حديث العالم.
حتى عند هجوم الصحافة عليه بتعمده الخسارة، وفي مقتل أبيه صديقه المقرّب تم اتهامه بسبب أعداءه الذي هزمهم في المقامرة، أنكر جوردن ذلك وقال لماذا لا يتركني هؤلاء وينشغلون بأنفسهم. كان يشير دائمًا أن حياة النجوم صعبةٌ للغاية، وأن الحياة أقسى مما يتخيّلها الآخرون.
النجم مايكل جوردن أعجوبة زمانه، وهذه الصنعة الوثائقية الإبداعية والمعالجة الفنية الرائعة، التي تعطي النجوم حقّهم من التقدير، والقضايا أبعادًا أعمق في البحث، وكما يقول البطل؛ "إذا كنت لا تريد اللعب بعد الطريقة، لا تلعب بهذه الطريقة".. انتهى.