ماذا لو كان الموتى يعودون للحياة لكن بصورة غير مرئية، ماذا لو أننا محاطون بأرواح الموتى في كل مكان.
تمرّ على الواقفين في عزائك، تنظر إلى الإنسان الذي كسرك عمرك كله يبكي عليك.
ترى الإنسان الذي أهملك طوال حياتك يتحسس خسارتك في عمق وجدانه، تقترب منه، تتدفأ بحرارة ضميره وتمضي.
تتنقل بين المجالس يتحدثون عنك، لا تتكلفُ الإصغاء فأنت تعرف نفسك جيدًا وتعرف هذه الدوامة التافهة من المديح والثناء، كل الحب الذي يلوّحون به أمام بعضهم البعض لم يكن متاحاً إلا حين أمِنوا عواقبه.
يلفتُ انتباهك صرخة إنسانٍ قريب، كأنه ذهل حين اكتشف أنه ضيعك، تتوالى الصرخات وتلتفتُ أنت؛ لا شيء يثير اهتمامك.
تنظر إلى الوجوه المخضّبة بالدموع، لا أحد فيها يبكي عليك.
تمسك في كفك منديلاً تمسح به دمعات العابرين، الذين أحبوك بلا فروض ولا مصالح ولا أسئلة.
تعود إلى غرفتك وقد احتلّها شخصٌ آخر، أشياؤك التي كانت تعني لك الحياة مُهملة يعلوها الغبار، وأشياء أخرى جمعت للتخلص منها، تمشي تتحسس الأشياء، عمرٌ كاملٌ يُلقى أمام عينيك في سلة المهملات.
تقف على النافذة التي كانت نجاتك من لفحات الأيام، سجادتك التي تعرف الكثير من الخواطر والشكايا والابتهالات، تعرف هيئتك حين تقبل مقصوص الجناحين مخذولاً من الوجود، تنثني عليها، تسجد حتى توشك أن تعود لك الحياة، يفزعك الشعور فتنهض من جديد.
هنا، كنت تظن أن لك مكاناً في العالم، تركض خلف أحلامك وتسابق الوقت لتثبت تفوقك؛ كل الأشياء التي ظننت أنها ذات قيمة لك وللعالم لم تكن كذلك، كتبك، صورك، ووثائقك تراها أمامك جاهزة للحرق، لم الأسى؟ كل فكرة وجودك ستستحيل رماداً حالما يغلق العزاء أبوابه.
تمرّ على العالم الذي قضيت فيه جل عمرك، وكشفت به بواطن نفسك، وعصرت به لُباب شعورك، العالم الذي كان مملوءًا بك، بخواطرك وأحلامك وهمومك، تمرّ عليه ولا تجد شيئًا، لا أحد يبكي عليك، لا أحد يدري أصلاً أنك مفقود.
شيئًا فشيئًا تعود غريباً، مقطوعًا من كل شيء، لا ينتمي إليك شيء في هذا العالم ولا تنتمي إلى شيء، تمضي تطوّق الذين أحببتهم فينفضونك عن أكتافهم ويكملون الحياة، كأنك لم تغب، كأنك لم تكن هنا قط.
يسقط اسمك من القوائم، وتتلاشى من الخطط والاعتبارات، ولا تحضر إلا في شحيح الذكريات، أو في زحام الأماني والدعوات؛ اللهم ارحم الأموات، تؤمّن وتمضي...
جاري تحميل الاقتراحات...