36 تغريدة 206 قراءة Jun 16, 2020
الإنسانويّة: دينٌ وعقيدة.
1. إنّ من أسوأ ما أنتجه العصر الحديث هو المُسلم الإنسانويّ، المسلم الذي يدين بدين الإنسانويّة كدينٍ يوازي الإسلام ويحاول الجمع بينهما باجتزاء آيات من القرآن ووضعها في غير سياقها.
2. الإسلام ليس دين الإنسانيّة والحبّ بالشّكل الذي يتمّ التّرويج له، هو دين حقوق وواجبات، ثواب وعقاب، ترغيب وترهيب، جنّة ونار.
3. أيّ شخص مسلم يُفترض عنده عقيدة راسخة أنّ هذا الموضوع بيد الله سبحانه وحده. لكن من الضّروري الإشارة إلى أنّ النّاس لها الظّاهر، والمسلم يكون إسلامه -في مراحله الأولى خصوصًا- طمعًا بالجنّة وهربًا من النّار. لهذا من الطّبيعي الإشارة لموضوع الجنّة والنّار دائمًا.
4. الحلال بيّن والحرام بيّن، ولا داعٍ لتمييع الدّين فالنّاس أوشكت على الخروج من دينها لإثبات تعايشها وتسامحها.
5. المسلم الطبيعي يرفض اجتزاء الآيات في القرآن الكريم، هو لا يقول «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ» وإنّما يكملها تمامًا ويقول: «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ». فاجتزاء الآيات أو استخدامها في غير سياقها يقوم بتمييعها، ويفقدها معناها.
6. في حين أنّ المسلم الإنسانويّ يقوم باجتزاء آيات الرّحمة جميعها، يكتفي بقوله تعالى «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» وينكر/ يتناسى قول الله تعالى بعدها «فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ».
7. اجتزاؤك للآية بما يتّفق مع هواك = تمييع للدّين وتغيير في معنى الآية، وهذا فيه إساءة مباشرة لله وللدّين.
8. لستُ قادرًا على فهم الفئة التي تستدل بهذه الآية على رحمة الله تجاه البشر أجمعين وهو جلّ في علاه وصف أنّ هذه الرّحمة ستكتب لِمن:
- يتّقون.
- يؤتون الزّكاة.
- يؤمنون بآيات الله.
والفئة المذكورة والتي بدأت الضجّة لأجلها لم تعمل أيًا من هذه الأعمال، بل كفرت بالله وجحدت به وحاربته.
9. وللعلم، الله تعالى نفسه -الذي قمتَ باجتزاء آياته- قال واصفًا هذه الفئة من النّاس:
«وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ».
10. وهو أيضًا نفس الله تعالى الذي قال:
«أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ».
11. اجتزاؤك لآيات الرّحمة وقولك بأنّ الرّحمة ستشمل الكلّ يعني بمعنى أو بآخر أنّ الرّحمة بيدك أنت، لا بيد الله. أنت من ألزمت الله بتوزيع الرّحمات على النّاس، في الوقت الذي قام هو -جلّ في علاه- ببيان الأسباب التي عليك الأخذ بها أملًا بهذه الرّحمة وطمعًا بها.
12. لا ننسى أنّ نشير إلى أنّه من أصول العقيدة السّليمة أن لا تحكم على أحدٍ بنارٍ أو جنّة. لكن المسلم الإنسانويّ عندما يقول لك "لا تحكم على أحد" فمقصده أن لا تحكم بصحّة عمل فلان أو خطئه بالمطلق.
13. وهذا بسبب إيمانه -بعلمه أو بدونه- بضرورة تشكيل حالة عامة من المساواة بين النّاس، حالة من المساواة أساسها الإنسانيّة ولا شيء إلّا الإنسانيّة. ويتناسى قوله ﷺ «لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى».
14. في الجانب الآخر، الملحد يمكن أن يكون ملحدًا أصيلًا بصفحة بيضاء ينكر وجود الله، هذا النوع غير مؤمن بالله وغير مكترث للرحمة على أي شخص كان، فهو غير مؤمن بوجود إله حتّى يؤمن برحماته. ويمكن أن يكون مجرد شخص عنده خطاب ليبرالي وإنسانوي نتيجة الأيدولوجيا المسيطرة إعلاميًا لا أكثر.
15. لكنّ الأهمّ هنا هو الملحد العرفاني الإنسانوي اعتقادًا، هذا النّوع مشكلته مع الله شخصيّة، لا ينكر وجود الله بقدر ما عنده من سخطٍ تِجاه الله لأنّه -أيّ الله- لم يقدّس الإنسان. هذا النّوع عنده خلل في مفهومَي العابد والمعبود، وهذا النّوع ربّما يشكّل 99% من ملحدي العالم العربي.
16. يقول داڤيلا: «الإلحاد الأصيل عبارة عن صفحة بيضاء تمامًا، في حين أن الإلحاد العرفاني يُخفي في طياته نصًّا مكتوبًا بحبر سرّي. الإنسان الأعلى هو ملاذ الملحد المنشق؛ لقد ابتكره نيتشه كمواساةٍ للإنسانية بموت الله، في حين أن الإلحاد العرفاني على الجانب الآخر يُنادي بتأليه الإنسان».
17. بالنّسبة لهذا النّوع فوجود الإله من عدمه ليس بهذه الأهميّة، لكنّ تقديس الإنسان مهمّ، وتقديس الحريّات الشخصيّة المطلقة بذات الأهميّة. وبالطّبع هذا الشيء دون أدنى مراعاة للضّرر الشخصي بشكل غير مباشر والضرر المجتمعي بشكل مباشر وغير مباشر، فهو يرى الإنسان كائن فرداني لا جماعي.
18. الملحد الإنسانويّ اعتقادًا يؤمن بالحرّيّة الشخصيّة بشكلها الحديث القائم على مبدأ أنت حرّ ما لم تضرّ - Harm Principle. وهو مبدأ ليبراليّ ينادي بأنّ لكلّ فرد الحقّ بفعل ما يشاء ما لم يسبب أذى "مباشر" لفردٍ آخر.
19. بالطّبع هو يتجاهل تمامًا "الأذى غير المباشر" على الأفراد، ويتجاهل أيضًا "الأذى المباشر وغير المباشر" على المجتمع. هو يرى الإنسان كائن فرداني لا جماعي، ويرى أنّ المجتمع ما هو إلّا حالة "مختلقة" قام بإنشائها الفرد حمايةً لنفسه لا أكثر.
20. لهذا السّبب فهذا النّوع منهم يهتمّ بشكل كبير جدًّا بالرّحمة على أيّ شخص كان، حتّى لو لم يؤمن بالله ولم يؤمن بالآخرة والبعث من الأساس، فموضوع الجنّة والنّار والثّواب والعِقاب يسيء لإنسانويّته بل ويشكّل ضربًا لجذورها.
21. وانطلاقًا من هذه الحرّيّات، ينادي أصحاب هذه الأيدولوجيا بعدم وجود حقائق مطلقة في العالم وبالتّالي كلّ الآراء والتّصرّفات متساوية، هل يذكّركم هذا بشيء؟
22. هذا المبدأ هو ما يستعملونه للمطالبة بتغيير قوانين المجتمع، فوجود قانون يعني وجود "حد فاصل بين الصواب والخطأ" وبالتالي سيتشكل داخل وعيه شكل هرمي للمجتمع مبني حسب الصّواب والخطأ، الشيء الذي يعتبره استبدادًا وتشدّدًا لأن هذا الهرم سيضرب جذور المساواة المبنية على الإنسانوية لديه.
23. هم يقدّسون الإنسان ويعبدونه كإله، ويعتبرونه مركز الكون (Anthropocentrism). هذا النوع من الملحدين ممكن ملاحظة بشكل كبير جدًا على الصفحات العلميّة. مجمل كلامهم بأن الله سيحاسبك على تصرفاتك تِجاه الآخرين لا على أمورك التعبديّة الشخصية وعلاقاتك الحرة. وكأنّ مشكلته شخصيّة مع الله.
24. يقول داڤيلا: «يجب علينا أن لا نيأس من الملحد ما دامه لا يعبد الإنسانيّة».
تخيّل يا عزيزي أنّك في مرحلة ما من الممكن أن تتعامل مع شخص ملحد، يعتبر نفسه مركز الكون كإنسان، وأن يكون شاذًّا أيضًا ويرى في كلّ هذا رسالة مهمّة وسامية يجب نشرها للبشريّة.
25. بالطّبع هذه الأيدولوجيا مسيطرة إعلاميًّا، وتقوم بأنسنة الدّين وعَلمنته. والكثير من المسلمين حاليًا لديهم خلل وأميّة عقديّة واضحة بسبب هذه الأيدولوجيا خصوصًا عند محاولة الجمع بين كِلا الدّينين: الإسلام والإنسانويّة.
26. في قصة رسول الله إبراهيم خير مثال. إبراهيم عليه السّلام كان مسلمًا ومن ألي العزم من الرّسل حتّى أنّه سُمّي بخليل الرّحمن. ومع ذلك لم يَجُز له الاستغفار لوالده بعد موته بسبب موته على الكفر، وقد ذكر الله القصة بآيات تتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها «لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ».
27. قال تعالى: «وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ».
28. وقال تعالى: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ».
29. الجنّة والنّار بيد الله وحده، وقد وضع الله لك آياتٍ في القرآن «لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ».
30. ومع وجود كلّ هذه الآيات، فإنّ ادّعاءك بأنّ شخصًا ملحدًا معلنٌ لإلحاده محاربٌ للدّين مروّجٌ للشّذوذ مصيره الرّحمة ما هو إلّا تمييع للدّين وإساءة مباشرة لله تعالى. مصيره بين يدي الله؟ نعم، وأنت لك الظّاهر ولا شيء إلّا الظّاهر وهذه الآيات كاملةً من غير اجتزاء.
31. بالمناسبة، «لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي» هي الآية الوحيدة في القرآن التي يؤمن بها كل من الإنسانويّين والنسويّين والتنويريّين واليساريّين والليبراليّين والعلمانيّين وحتى اللادينيّين. يفهمونها بشكلٍ مجتزأ وخاطئ، وأصلًا من منظور ديني هم يرون الرشد غيًّا والغيّ رشدًا.
32. ولا تتناسى إكمال الآية الكريمة: « فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».
33. فعليًّا وصلنا آخر الزّمان، ومن الممكن أنّ هذا هو الزّمان الذي وصفه ﷺ بـ «المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر».
34. حتّى أنّني أعدت التفكير في ما دلّت السُنّة الصحيحة عليه بأنّ السّاعة لا تقوم إلّا على شِرار الخلق، فمن الممكن أيضًا أنّ اتّباع النّاس للمسيح الدّجال في آخر الزّمان سيكون بسبب تقبّلهم لكلّ الاختلافات نتيجةً لمعيشتهم حياة إنسانويّة.
35. أخيرًا، الجنّة والنّار لله، ليست لي وليست لك، وقد أخبرنا الله بأحكامه في كتابه وسنّة نبيّه عليه الصّلاة والسّلام. ليس لك إلّا الظّاهر وما ورد فيها، والسّلام.

جاري تحميل الاقتراحات...