إن البُذور تُلقى في الأرضِ فلا تنبت إلا إذا حرثَ الحارِث تُربتها، وجعلَ عاليها سافلها؛ كذلكَ القلب لا تبلغ منه العِظة إلا إذا داخلته، وتخللت أجزاءه، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلبِ غير الشِّعر. أيها الرجل السعيد: كُن رحيمًا، أشعِر قلبكَ الرحمة، ليكُن قلبكَ الرحمة بعينها.
ستَقول: إنِّي غير سعيد، لأنَّ بين جنبي قلبًا يُلمُّ بهِ مِن الهمِّ ما يُلم بغيرهِ من القلوب، أجل. فليكُن ذلك كذلك، ولكن أطعِم الجائع، واكس العاري، وعَزِّ المَحزون، وفرِّج كربة المكروب، يكُن لكَ من هذا المَجموعِ البائسِ خير عزاءٍ يعزِّيك عن همومِك وأحزانك.
«ولا تَعجب أنْ يأتيك النُّور من سوادِ الحَلَك، فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رِداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهدِ الظلام». لقد بَلِيَت اللذات كُلها، ورثَّت حبالها، وأصبحت أثقل على النفسِ من الحديثِ المُعاد، ولم يبقَ ما يعزِّي الإنسان عنها إلا لذة واحدة: هيَ «لذة الإحسان»
إنّ مَنظر الشاكِر منظرٌ جميلٌ جذاب. أحسِن إلى الفُقراء والبائسين، وأعدكَ وعدًا صادقًا أنكَ ستمر في بعضِ لياليكَ على بعضِ الأحياء الخامِلة فتسمع مَن يحدِّث جاره عنك، وأنكَ أكرم مخلوق، وأشرف إنسان، ثم يعقب الثناء عليكَ بالدُّعاءِ لك أن يجزيك الله خيرًا بما فعلت.
ليتكَ تَبكي كُلما وقعَ نظركَ على محزونٍ فتَبتسم سرورًا ببكائك! واغتباطًا بدموعِك، «لأنّ الدُّموع التي تَنحدِر على خديك في مثلِ هذا الموقف إنما هيَ سطورٌ من نور! تُسجل لكَ في تلكَ الصحيفة البيضاء: أنكَ إنسان».
إنّ الرحمة كلِمة صغيرة، ولكن بينَ لفظها ومعنَاها من الفرقِ مثل ما بين الشمس في مَنظرِها، والشمس في حقيقتِها. وإذا وجدَ الحَكيم بين جوانحِ الإنسان ضالته مِن القلبِ الرحيم، وجدَ المُجتمع ضالته من السعادةِ والهناءة.
لو تراحمَ الناس؛ لما كانَ بينهم جائع ولا مَغبون ولا مهضوم. ولأقفرت الجُفون مِن المَدامع، ولا طمأنت الجُنوب في المضاجِع، «ولَمَحت الرحمة الشقاء مِن المُجتمعِ كما يمحو لِسان الصُّبح مداد الظلام».
إن من الناسِ لا حديث له إلا الدينار وأينَ مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسهِ والوقوف في وجههِ والحيطة لفراره. يبيتُ ليله حزيناً كئيباً لأنَّ خزانته ينقصها درهم كانَ يتخيَّل في يقظتهِ أو يحلم في منامهِ أنه سيأتيه فلم يقيض له.
وإنّ من الناسِ من يؤذي الناس لا يَجلب لنفسه بذلكَ مَنفعةً أو يدفع عنها مضرة، بل لأنهُ شرير يدفعهُ طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضرِّي نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه. حتى لو لَمْ يبقَ في العالمِ شخص غيره لكانت نفسه مدب عقاربه وغرض سهامه.
وإنّ مِن الناسِ مَن إذا كشفَ لكَ أنيابه رأيتَ الدم الأحمر يَترقرق فيها، أو عن أظافرهِ رأيتَ تحتها مَخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية، أو عن قلبِهِ رأيتَ حجرًا صلدًا من أحجارِ الغرانيت لا يبضّ بقطرةٍ من الرحمة، ولا تخلص إليه نسمة مِن العظة.
فيا أيها الإنسان؛ احْذر الحذر كله أن تكونَ واحدًا مِن هؤلاءِ فإنهم سباع مُفترسة وذئاب ضارية. بل أعظك ألا تدنو من واحدٍ منهم أو تَعترض طريقه، فرُبما بدا له أن يأكلكَ غير حافل بك، ولا آسف عليك!
أيها الإنسان؛ ارحَم الأرملة التي ماتَ عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبيةٍ صغار، ودموع غزار، ارحمها قبلَ أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبِها فتؤثر الموتَ على الحياة. ارحم ولدكَ وأحسِن القيام على جسمِهِ ونفسه؛ فإنكَ إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنتَ أظلم الظالمين.
ارحَم المرأة الساقِطة لا تُزيِّن لها خلالها، ولا تشتر منها عِرضها؛ علَّها تعجز عن أن تجد مساومًا يُساومها فيهِ فتعود بهِ سالمًا إلى كسرِ بيتها. ارحم الزوجة أم ولدكَ وقعيدة بيتكَ ومرآة نفسك لأنها ضعيفة، ولأنَّ الله قد وكل أمرها إليك، وما كانَ لكَ أن تكذب ثقته بك.
وأخيرًا يختم المنفلوطي مقالته:
«أيها السُّعداء. أحْسِنوا إلى البائسين والفُقراء، وامسحوا دموعَ الأشقياء، وارحموا من في الأرضِ يرحمكم من في السماء»
«أيها السُّعداء. أحْسِنوا إلى البائسين والفُقراء، وامسحوا دموعَ الأشقياء، وارحموا من في الأرضِ يرحمكم من في السماء»
جاري تحميل الاقتراحات...