"الأوتوبيس" المنطلق بأقصى سرعة يتوقف فجأة لكن أجساد الركاب لا تتوقف بل تتحرك إلى الأمام لا إراديا ، وهذه هي ظاهرة "القصور الذاتي" المسؤولة عن وقوع الكثير من الإصابات والوفيات في حوادث وسائل النقل المختلفة .1
وهذا ما حدث حين توقف "أوتوبيس" الخلافة العثمانية فجأة عام 1924 ، فإذا بشعوب الولايات التابعة للخلافة تواصل تحركها بالقصور الذاتي في اتجاه مسار "الأوتوبيس العثماني" ، لذلك وقعت العديد من الإصابات و الوفيات ، وكانت أغلب حالات الإصابة في الرأس ،2
لذلك لم يكن من الصعب على "حسن البنا" أن يؤسس جماعته استناداً إلى حلم إعادة الخلافة ، فالشعوب التي تربت وترعرعت لقرون تحت ظل "الباب العالي" و"فرماناته" لم تستوعب وجودها في العراء فجأة ، 3
وأصبح حالها كحال مسجون قضى معظم عمره في السجن فلما فتحوا له الباب ليخرج وقف متردداً خائفاً من المجهول الذي سيواجهه في حياة جديدة لا يعرف عنها شيئا .4
تأثير "القصور الذاتي" على المستعمرات العثمانية السابقة ساهم في ظهور الجماعات الدينية الطامحة للسلطة بهدف إعادة الخلافة ، حتى تم إعلان عودتها رسمياً بعد نحو قرن من سقوطها بتنصيب "أبو بكرالبغدادي" خليفة للمسلمين في عام 2014 ، 5
ورغم ذلك لا تزال الفكرة المحورية لهذه الجماعات وعلى رأسها "الإخوان" باقية وتتمدد ، ورغم بحار الدماء التي أريقت لا يزال وهم "عودة الخلافة" يُقدَم لشعوب المستعمرات التركية القديمة في غلاف ديني أنيق يحوي صفحات من المجد الزائف6
وهذا لا دخل له بتأثير "القصور الذاتي" الناجم عن حادثة "الأوتوبيس" العثماني بل بسبب قصور عقلي "ذاتي" ، يتجلى في الإخفاق في تحطيم الفكرة التي بنت عليها جماعات الإرهاب طموحاتها السياسية 7.
كل تجميل لتاريخ الخلافة العثمانية هو مساهمة فعالة في إراقة الدماء ، وكل محاولة لتدليل الاحتلال التركي لمصر تحت اسم "الفتح" هو جريمة في حق الوطن ، وكل تقاعس عن انتزاع الجذور العثمانية الخبيثة من التربة المصرية هو قصور وتقصير وإهدار للأمانة8
لا يزال التغني بأمجاد الخلافة العثمانية ظاهرة لا تقتصر على جماعة "الاخوان" فحسب ، والجدل الذي صاحب تصريحاً لدار الافتاء حول "محمد الفاتح" خير دليل ، 9
فلسبب ما قررت الدار إدانة "أردوغان" تماشيا مع "السياسة العامة" لكنها في الوقت نفسه حافظت على الفكرة الأساسية التي تقوم عليها سياسة "أردوغان" و"إخوان أردوغان" في المنطقة10
وهي إبراز عظمة وجمال وحلاوة السلطان "محمد الفاتح" الذي يتباهى به "أردوغان" نفسه ، و"محمد الفاتح" الذي سن قانوناً يسمح للسلاطين بقتل إخوتهم هونفسه الذي لو كان يعيش بيننا الآن لوقف أمام محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب يشيب لها الولدان 11
وما جرى في "القسطنطينية" بعد فتحها لا يختلف في كثير أو قليل عن أحداث "فتح" داعش لجبل "سنجار" وما صاحبه من مشاهد القتل و السبي والاغتصاب . 12
إن كان ولا بد لدار الافتاء أن تحشر اسم سلطان عثماني في رأي ديني فعلى الأقل كان الواجب أن تنقل صورته الكاملة للناس وألا تساهم في تشويه الوعي الجمعي برسم صور أسطورية عن شخصيات واقعية لا تنتمي لمصر أصلا ولا تعنينا كمصريين الآن 13 .
كما لا يعنينا نجاح تركيا في بناء إمبراطوريتها على جماجم الشعوب التي احتلتها لتزرع التخلف والجهل لقرون بين سكان مستعمراتها .14
منذ قرون خلت وضع المحتل العثماني بصماته على مستعمراته ليعود في صورة جديدة مطالبا بحقوقه التاريخية فيها فماكان لأردوغان أن يجد موطأ قدم في"ليبيا"دون خيانة داخلية وما كان للخيانة أن تقع دون تزييف للوعي وما كان لهذاالتزييف أن يكون دون حملات التجميل المستمرة لتاريخ الخلافةعبر العصور
وهو ما أدى إلى ترسيخ صورة خيالية بعيدة عن الواقع تداعب "فانتازيا" التفوق العالمي في عقول قاصرة لا تعرف إلا الطاعة العمياء لمن يسيرهم هنا وهناك .16
ومن المضحكات المبكيات أن محافظة "القاهرة" قررت أخيراً (في منتصف 2020) أن تتخلص من اسم شارع (سليم الأول) لكنها في حيرة من أمرها لاختيار الاسم الجديد !! ، 17
وربما يكون من المجدي هنا إطلاق اكتتاب عام لشراء أي كتاب عن تاريخ "مصر" وإهداؤه لمحافظة "القاهرة" كي تختار الاسم المناسب للشارع من بين آلاف الرموز المصرية في شتى المجالات ، وهذه أفضل وسيلة لتجنب تسمية الشارع الجديد بإسم "محمد الفاتح" أو "أبو بكر البغدادي" .
جاري تحميل الاقتراحات...