سعد محمد العصفور
سعد محمد العصفور

@SaadAlasfoor

11 تغريدة 46 قراءة Jun 15, 2020
كل فترة يتجدد الجدل بين العرب حول صورة الدولة العثمانية وتأثيرها .. وهو جدل يثار غالبا لأسباب سياسية معاصرة .. لا علاقة لها بشغفنا بالبحث العلمي وتحري الدقة التاريخية .. وأكثر المتجادلين رغم اختلافهم يقعون في ذات الخطأ .. وهو التطرف في تقييم الأحداث والشخصيات ..
فالبعض يراها دولة مثالية .. ويرى السلاطين العثمانيين كخلفاء وأئمة هدى .. والبعض يراها دولة عنصرية قمعية استعمارية وسلاطينها ليسوا سوى عصبة من المجرمين واللصوص .. والحقيقة - كما هو الغالب في أي موضوع تاريخي - لا شك أنها تقع في مكان ما في الوسط ..
أما عن كون السلاطين ليسوا خلفاء ولا يحكمون بالشورى .. فهذا أمر مفروغ منه .. ولا يغير منه انتحالهم لاسم الخلافة أو حكمهم لدولة موحدة ظافرة .. ولكن هذا الأمر بطبيعة الحال لا يقتصر عليهم بل ينسحب على كافة الدول الإسلامية الأموية والعباسية والفاطمية وغيرها .. فالخلافة بوصفها طريقة
حكم قائمة على الشورى بين المسلمين انتهت بانتهاء دولة الخلافة الراشدة .. وبدأ عهد الملك العضوض ابتداء بمعاوية ولغاية عبدالمجيد الثاني .. وإن أطلق على هؤلاء اسم خلفاء فهو من باب التجوز والتساهل ..
وأما عن كون الدولة العثمانية دولة عنصرية قائمة على العرق التركي فهو أمر تكذبه
الحقائق التاريخية فيكفي مثلا النظر إلى أسماء من تولوا منصب الصدر الأعظم - وهو أهم منصب بعد السلطان - فقد تولاه أشخاص من قوميات مختلفة منهم عرب ويونان وبوسنيون وكروات.. حتى قيل أن أقل من نصفهم فقط كانوا من الأتراك..
وأما عن كونها دولة عسكرية لم تقدم أي إسهامات علمية تتناسب مع
قوتها وعمرها المديد فهو أمر صحيح بل كرست هذه الدولة تخلف الشرق بشكل رهيب بتحريمها للطباعة بين المسلمين لفترة طويلة أظنها تتجاوز قرنين .. كما استحدثت منصب شيخ الإسلام وهو مفتي رسمي معين من قبل الدولة فصار هناك تفسير "رسمي" للدين وهو أمر انتهجته بعدها بعض الدول الإسلامية المعاصرة..
وبوجه عام كان وضع الجهاز الإداري في الدولة العثمانية في غاية السوء والترهل في أكثر فتراتها .. حتى اقترنت صورة الموظف العثماني في الأدب وفي الثقافة الشعبية بالرشوة والتعقيد والخبث .. ولا تزال كلمة برطيل "وهي رشوة بالتركية" تستعمل في بلاد الشام ..
ومع ذلك يحسب للدولة العثمانية - وهو أهم إنجازاتها في نظري - حمايتها للشرق من الاستعمار الأوروبي لقرون طويلة .. وهو استعمار في غاية الوحشية والإجرام - خاصة في بداياته على يد البرتغاليين والإسبان — استعبد وقتل الملايين أينما وصل .. ولم يصل الاستعمار إلا في بدايات القرن العشرين
بعد أن تهذبت الأمم الأوروبية إلى حد معقول وبدأت تحكم مستعمراتها بقدر أقل من العنف وبقدر أكبر من السياسة والتوازنات .. ويذكر أن البرتغاليين على سبيل المثال حاصروا مدينة جده بحريا وكانوا على وشك احتلالها بهدف تدمير مكة في العام ١٥١٥ .. وتصدت لها الدولة العثمانية وهزمتها ..
كذلك كانت الدولة العثمانية على قدر معقول من التسامح مع رعاياها غير المسلمين وكانت لهم مناصب إدارية وحرية ممارسة شعائرهم وهو أمر ينطبق على أكثر الدول الإسلامية عبر التاريخ فقمع وعنف الملوك المسلمين كان في الغالب سياسيا يوجه للمسلمين .. أما غيرهم فكانوا على هامش السياسة ..
ختاما: يتضح من هذا كله أن الدولة العثمانية مثل أي دولة لها إيجابياتها وسلبياتها. ولا شك أن مراجعة التاريخ أمر إيجابي إذا كان الهدف تلافي أخطائه، لا أن تتم مهاجمة القمع السياسي في الماضي من قبل من يروح للقمع السياسي في الحاضر، أو مهاجمة "الاستعمار" من قبل أتباع الغرب وعملائه.

جاري تحميل الاقتراحات...