التصريحات التي دمرتنا!
كان مولانا السيّد أحمد الميرغني يوصينا أن لا نفرّغ أحدًا للعمل السياسي؛ وأن يكون كل العاملين في الحزب، من ذوي المِهن والمهام الأخرى، الخاصة والعامة، ولذا يقترح أن تكون الاجتماعات الحزبية مسائية؛ وهو أمر لم نكن نستسيغه؛ ونتحايل عليه.
assyasi-sd.com
كان مولانا السيّد أحمد الميرغني يوصينا أن لا نفرّغ أحدًا للعمل السياسي؛ وأن يكون كل العاملين في الحزب، من ذوي المِهن والمهام الأخرى، الخاصة والعامة، ولذا يقترح أن تكون الاجتماعات الحزبية مسائية؛ وهو أمر لم نكن نستسيغه؛ ونتحايل عليه.
assyasi-sd.com
كان يقول: العمل العام في الوظيفة والسعي في الرزق ينمّي في الإنسان حسّ المسؤولية، ويقيّد لديه الرغبة الاندفاعية، فالسياسي الذي يعمل في وظيفة عامة أو خاصة، يكون منضبطًا ولا يعمد التهوّر، عكس المتفرّغ الذي يرى رزقه مربوطًا بالإثارة!
كان من أكثر الناس إعجابًا بأدائي أيّام عملي ناطقًا رسمياً باسم التجمع الوطني الديمقراطي؛ هو الدكتور جون قرنق دي مبيور، ورفاقنا في الحزب الشيوعي؛ وكلما كان سقف الكلام عاليًا، تواردت إليّ مئات رسائل الاشادة التي ما زلت أحتفظ بأغلبيتها.
وكنت مقتنعًا بأن كل ما أقوله يصب في المصلحة الوطنية، ولكنّي ما أن ألتقي بالسيد أحمد الميرغني؛ رحمه الله، وإلا يبادرني بالنصيحة: يا حاتم، لا تتحدث للناس أكثر من ثلاث دقائق؛ ولا تستعجل العداوات ولا تفرح بأخطاء الآخرين، ولا تتحدث إلا عند الضرورة القصوى،
ويواصل فيقول "وإن كنت قائلا فقل خيراً أو أصمت". وكنت أمازحه قائلاً: “كدا يا مولانا ما حيبقى إسمي الناطق الرسمي… كدا حيبقى إسمي الصامت الرسمي”.
بتقدّم العمر، وتقلّد المناصب الرسمية، ومعرفة تأثير “الكلمات المجانية”، على الدولة والاقتصاد، جعلني أنتبه للنصائح الذهبية التي كان يحاول رأس الدولة السيد أحمد الميرغني أن يرسخها: الانضباط في التصريحات، ووزن الكلمات بميزان الذهب، في زمن يفوز فيه صاحب أكبر صخرةٍ من التصريحات!
هذا الكلام بذكريات على رأسي؛ وأنا أرى في ثنايا الانتقال السوداني ملفات مشتعلة، تحرق أخضر الثورة؛ ويابس التغيير. تدمّر العلاقات الخارجية في لحظة نزوة انتضالية؛ أو قل نضالية، وتحطّم التاريخ ذات شهوة “جماهيرية”، وكلمات تطلق من مسؤولين، تكاد تجزم أنها تأتي من “ركن نقاش”!
ما معنى أن يخرج مسؤول كبير؛ وفي حزبٍ يقود تحالف الحرية والتغيير، ودون أدنى سبب، لكيل السباب، للمموّل الوحيد لحكومته، ويدعو بعالي الصوت لقطع العلاقات معه، لا لوجود حزمة فكرية معدة مسبقًا تبرر ذلك، أو نظام بديل من الأفكار، لا. فقط لأنّ هذه التصريحات، ستتسبب بصفافير عالية!
ما معنى أن يخرج آخر، ليضع كل تاريخ العلاقات السودانية المصرية، في كفة التحقير المطلق، وكأنّ الله خلقنا أعداء، بينما يرى أن علاقة السودان بدولةٍ أخرى هي جنّة الله في أرضه؟ ويضع كل ذلك للعلن، لا من أجل أنه مقتنع به، ولكن لأنّه وجد أن لذلك شعبية (صورية)!
أخيرًا؛ ما الذي يكسبه أحد ما، حين يضخّم الألف دولار، ليصل إلى مليون أو مليار؟ وهو يجرد تركةً ما، بينما هو – أكثر من غيره – يعلم، أنّ شركات المحاماة، والتأمين، وخبراء التعويضات؛ يفتحون أفواههم، في انتظار مبالغ التعويضات، لجرائم “يرون” أن النظام السابق ارتكبها!
إنّ إطنابنا في العداء، حتى لو كان مبررًا، يجعلنا نورّط الوطن، في لحظة أننا نظن أننا نورط الخصم. هذا إذا سلمنا بأنّ لكلامنا قصد لتوريط الآخر، لا مجرد أنه استجابة لشهوة الكلام ورغبة في الإطناب، والظهور على الشاشات. ولعمري أنّه داء حقيقي.
كثيرًا ما يسقط السياسي في شهوة الكلام للكلام
كثيرًا ما يسقط السياسي في شهوة الكلام للكلام
ماذا نحتاج إذًا؟
نحتاج أن نعرّض على المسؤولين برتوكولات تعلمهم ما يجوز التصريح حوله، وما لا يجوز. يوقف فوضى التصريحات، فيدرّسهم، كيف أن تصريحات الإنقاذ الإعلامية في بدايتها؛ تسببت في قطع علاقة السودان بدول الخليج العربي.
نحتاج أن نعرّض على المسؤولين برتوكولات تعلمهم ما يجوز التصريح حوله، وما لا يجوز. يوقف فوضى التصريحات، فيدرّسهم، كيف أن تصريحات الإنقاذ الإعلامية في بدايتها؛ تسببت في قطع علاقة السودان بدول الخليج العربي.
نحتاج أيضًا، أن نطلب من أساتذة الاقتصاد والعلوم السياسية؛ تدريب الساسة؛ على انعكاسات تصريحاتهم على الأسواق ومسار العلاقات التجارية والاقتصادية والدبلوماسية.
ن
ن
حتاج أيضًا، أن نطلب من المستشارين القانونيين والإعلاميين أن يقوموا بواجبهم، فيخبروا المسؤول أن عبارته التي يمكن أن تطعن في استقلال القضاء، وتسييس العدالة، أو تؤدي لفهم يوحي بأنّه تم تمييزه عن باقي المواطنين، ليس من الموفق قولها. فلا أحد يتباهى بجريمة!
وأذكر أنّي مرةً تحدثت باسم الحكومة السابقة لأقول بأنّ الأزمة التي تقابلها حُلّت، لأنّ الاتفاق لإنتاج الدقيق كان قد أبرم مع المطاحن، وشحنات البترول كانت في الطريق من دولة صديقة، وترتيبات توفير السيولة في المصارف والصرافات الآلية قد أنجزت، ولمّا نجح أحد ما في حبسها==
== صار الجميع يقول لي أنك أخطأت؛ كنت أدافع عن نفسي بأنّي تحدثت باسم الحكومة، وأنّها طلبت مني ذلك، ولم أكن أعلم الغيب أن غولاً ما سيشفط المال والنفط والدقيق! ولكنّي كنت أتفهّم كل من فهِم تصريحي وعزله عن نيته، وعده غير موفق. ==
== ذا لم أتوان في الدفاع عن مبررات سلفي مدني عباس مدني الذي حدد سقفًا زمنيًا لانتهاء ذات الأزمة، ولم يوفِ بذلك. ففي الأمر أيادي لا يملكها المسؤول.
لذا فالدرس الأهم هنا، ألا نتحدث عمّا سيأتي بل عما حدث وانتهى؛ وكان هذا درٍس عزيز؛ من ضمن نصائح السيد أحمد الميرغني، في التسعينيات، وأعترف أني ما عملت به، وما تذكرته إلا اليوم!
الثقافة السودانية تميّزت على غيرها من الثقافات، أنها شفاهية؛
الثقافة السودانية تميّزت على غيرها من الثقافات، أنها شفاهية؛
وكنا ملوك الكلام المتحفّظ المتخم بالبلاغة والأدب، ولا نقول إن قلنا إلا حقًا، ولكن الصراعات السياسية؛ فتحت سوق التنابز، ومتجر التصريحات الأكثر أذى. ولكن لكل هذا علاج: عودوا لكباركم، ولمستشاريكم، وزنوا كلامكم بميزان الذهب.
@mutwaly30 صاخوي== *اخوي. اعذرنا كبرنا :)
جاري تحميل الاقتراحات...