ماجد بن عبدالله النصيان
ماجد بن عبدالله النصيان

@majed_alnosyan

24 تغريدة 29 قراءة Jun 15, 2020
#ذكريات_اولي_ابتدايي
١-نحن في فصل الشتاء عام ١٣٩٥يدعونا الأستاذ (محمود) أن نتبعه حيث الشمس الدافئة فيصفنا ملتصقين بجدار المدرسة الشرقي جالسين على بلاط الممر ويطلب منا أن نردد تعريفي ( الاستنجاء والاستجمار ) دون أن أفهم والله معنى ما أقول المهم أنَّا جميعاً نردد ما يقوله الأستاذ
٢-ذات يوم يتساءل الاستاذ محمود : من يصنع لي عصا ؟ فانبرى( الأحمدي)بابتسامة الواثق :أنا يا أستاذ سوف أحضر لك أجمل عصا ومن الغد أحضرها وقدأحاطها بلونين من شطرطون لاصق لقدكان سعيداً إذ ظن أنه ناجٍ منها ولكن الأمر من الغد اختلف لقد ضحكنا لأنه تجرع من الكأس التي سعى لأن يسقينا منها
٣-ولن أنسى حالة الرعب التي أصابتني حين تمزقت صفحة من كتاب الهجاء وقد مزقها طفل صغير من أقاربي كانوا في زيارة لنا ظللت في تلك الليلة أبكي ولم أنم من فرط الحزن إنها صفحةٌ من كتاب الهجاء وقد أكد علينا الأستاذ بأن نحافظ عليها ماذا أفعل وماذا أقول للأستاذ محمود لو رأى تلك الصفحة ؟
٤- لكن لا بأس إنها الصفحة رقم ٢٤ ومازال هناك مزيدٌ من وقت حتى نصل إليها إذن أنسى وأتجرع مرارة ذلك الألم . وبعد فترة من الزمن جاء اليوم الموعود بل هو المشؤوم طلب منا الأستاذ فتح الصفحة ٢٤ لبدء الدرس الجديد حينها تسمرت في مكاني وتبعثرت نظراتي وخشيت أن يرى أستاذي تلك الصفحة الممزقة
٥- ثم جاءت اللحظة المرعبة والحاسمة إذ طلب مني الأستاذ أن أقرأ وهل هذا وقته يا أستاذ ؟! ألم تجد طالباً غيري ليقرأ ؟! وكأنما أخبره ذاك الطفل بأنه قد مزق ورقتي فبدأ قلبي يخفق وتحشرجت أنفاسي وتسمرت في مكاني وظللت صامتاً لا أنطق بشيء ثم أقبل مستغرباً يخطو إليّ وكأني أراه سينقظ عليّ
٦- فإذا به يُطل علي من فوق ينظر إلى كتابي وقد عرف مصيبتي فيسألني من فعل هذا بكتابك ؟ فأظل صامتاً دون إجابة إنما هو صمت العاجز المنكسر لا أدري ما أقول وكيف أقول لكن بداخلي صوت يهتف بصعوبة وكأنما هو يخرج من ثقب إبرة سامحني يا أستاذ لست أنا ... إنه إبراهيم ويسدل الستار واختفى كل شيء
هذا هو الأستاذ محمود وهذا هو صفنا الدراسي والمُحتفَى به أسامة ابن الأستاذ كمال رائد الصف المجاور وذلك بمناسبة عيد ميلاد الابن أسامة وقد ذهب معه الى البيت مجموعة من الطلاب لست منهم وشاركوه الفرحة وأطفؤوا الشموع وفرقعوا ( البلالين )وأكلوا التورتة ( سقى الله تلك الأيام )
#ذكريات_حي_الصالحية
٧-وحين أعيد الكرَّة لأستكشف جمال البدايات في ذلك الكيان الشامخ تلوح لي صورة الزميل مرزوق إنه أول زميل أراه حين التفت الى الوراء لأرى أين مكاني وقد أُغلق الباب وقد زاد خوفي وهلعي لكنَّ مرزوق متماسك وواثق ويردد الآيات بكل جدارة بإتقان( تبت يدا أبي لهبٍ وتب )
٨- وكذلك من الغد يقرأ علينا الأستاذ محمود سورة( الكوثر ) فأتحمس لها وأفرح بها لأنني أعرفها من قبل فأظل أباهي بها (مرزوق) الذي تفوق عليَّ بالأمس وألتفتُ إليه مردداً بحماس ورافعاً بها صوتي ولسان حالي انظر يامرزوق إنني أحفظها مثلك
٩- ويظهر لي مرةً أخرى طيفُ زميلي ( الأحمدي ) في مشهد آخر بجسمٍ ممشوق وثوبٍ بُنيّ مُقلَّمٍ بخطوط سوداء دقيقة تعلو رأسه طاقية مزركشة بخيوط ذهبية وأخرى فضية ذو ابتسامة ساخرة وثقة متناهية يجلس مسترخياً على آخر مقعد في الفصل ومن فرط الراحة يتكيء أحياناً بكرسيه على الجدار
١٠-ولأنه كان أطولنا قامةً وذو تجربةٍ سابقة ويعرف معالم الفصل وأدق تفاصيله فقد أضحى عريفاً للفصل ويالها من لحظات تعيسة حينما يتأخر الاستاذ، فما كان ( الأحمدي ) يجيد مهارة الضبط فهناك ثلة من الأشقياء يعلمون ضعفه وتهاونه فهو ذو شخصية ساخرة لا يجيد سوى الغمز واللمز لا يحسن التصرف
١١- فمرةً يعبثون به فيدفعونه وينزعون طاقيته من رأسه ومرةً يمرحون معه فيُضحكونه ومرةً يلمزونه ويزجرونه ، وعلى حين غفلةٍ من الجميع يقفز أشقاهم ليطل من النافذة ويدفع أجرؤهم الكرسيَّ ليعانق الطاولة ويعدو أسرعهم ليعبث بالسبورة ماسحاً بعضاً من الكتابة
١٢-حينها يخرج العريف من طوره ويُسقط في يده فتتوالى الأحداث والصراعات وتتعالى الأصوات والنداءات وتعلو لغة التهديد والوعيد ويأتينا الرعب من كل مكان فيفجعُ الاستاذُ الجميعَ بدخوله الفصل فينقلبون إلى مقاعدهم صاغرين يجرون أذيال الخيبة مظهرين شيئاً من اللطافة وتبدو على وجوههم البراءة
١٣- بعدها يسدل الستار عن كل شيء وتطوى الأحداث بلا رجعة ولا أكاد أذكر أي شيء من سنة ١٣٩٥هجري سوى تلك المشاهدالسابقة ومشهدٍ أخير لذاك الطفل الذي يعدو خارجاً من المدرسة يتقافز من شدة الفرح ، الدنيا كلها لا تسعه ولايكاد يصدق ماحدث ( يتبع )
١٤- يضع حذاءه في جيبيه ويرفع بيده اليسرى طرفاً من ثوبه وبالأخرى ورقةً صفراء مقوَّاة يركض ويصرخ بأعلى صوته : ناجح ! ناجح ! ناجح ! يكاد يسمعه كلُ من في الحارة
١٥-كانت زوجةُ خالي( أم خالد الخريف )حفظها الله أولَّ المهنئين لي إذ كانت تُطل من خلف باب بيتهم لتستكشف الخبر فقد هالها الصوت ولأنها فرِحت لفرحي صارت تناديني باسمي لتكافئَني كعادتها فلم أستجبْ لها إذ كنت أركض أركض أركض أريد أن أصل بأقصى سرعة إلى دارنا العزيزة
١٦- أريد أن أقفز إلى حضن أمي أريد أن أخبرها أني بطلٌ شجاع وأنني (قد أصبحت كبيراً يا ماما ) أريدها أن تفرح بي وتفخر لأنني اقتنصت أول سنة دراسية بنجاح دون إخفاق أو تعثر ، أريد أن أباهي بنجاحي أصدقائي وأقاربي عند أقرب لقاء بهم وأقول لهم بكل فخر : إنني ناجح !
١٧-كنت أعتقد أن النجاح مستحيل لكثرة ما أرى ممن حولي من ضحايا التعليم المنكسرين لكنَّ الحظ هذه المرة حالفني وأخذني معه في مركبه
١٨ - فلم يذهب جهد معلمي ( محمود ) رحمه الله سدىً ولا جهد أختيَّ العزيزتين الغاليتين( بدرية ومنى )فقد كانتا حفظهما الله تتناوبان في تدريسي وتعليمي ناهيك عن الاهتمام بي والعناية بشؤوني الأخرى ، أما أبي وأمي رحمهما الله فقصة حب أخرى .تحياتي لكم والى لقاءً آخر مع ذكريات الصف الثاني
١٩- في صباح أول يوم من العام الدراسي ١٣٩٦ هجري وبينما كنت أسير على قدميّ جنوباً باتجاه مدرستي وكنت وقتها مُربَكا ومتوتراً نوعاً ما إذ كنت أتساءل وأتخيل الصف الثاني كيف سيكون ؟ ومن ْسيكون معلمي ؟ وهل سأجد أصدقائي ؟ وحين اقتربت من مدرستي استوقفني وراعني مشهدٌ مؤلم ظل يفزعني دوماً
٢٠- كان المشهد صراعاً درامياً بين أبٍ وأم وبينهما صبيٌ لم يتجاوز العاشرة من عمره ، الأب ببنيته القوية يسحب ابنه من كلتي يديه يريد إدخاله بالقوة إلى دار الرعاية الإجتماعية المقابلة جنوباً لمدرسة الصالحية وتسمى وقتها (دار الأحداث ) والابن يتمنَّع عن الدخول ويقاوم ويستنجد بأمه
٢١- بينما الأم تحاول عبثاً منعه من دخولها وسحبه إليها ممسكةً بثيابه بكل ما أوتيت من قوة ، الحقيقة أن المشهد آلمني كثيراً وقد علِق بذهني زمناً طويلاً فلم أستطع أن أنساه أو أزيله من ذاكرتي إذ كيف لأبٍ يتخلى عن فلذة كبده ويتعامل معه بهذه القسوة ؟
٢٢-وكيف لأمٍ تتحمل انتزاع ابنها منها بهذه الطريقة المؤلمة ؟ انتهى المشهد الدرامي المؤلم بانعطافي يميناً إلى شارع مدرستي وقد حثثت الخطا قبل أن أتأخر عن موعد الطابور الصباحي
٢٣- وقد بدا لي وقتها أن الأب هو الحَلَقة الأقوى في هذا المشهد وقد حقق مراده بينما الأم المسكينة هي الحَلَقة الأضعف ليس لها من الأمر شيء والصبي لا حول له ولا قوة .

جاري تحميل الاقتراحات...