من فترة طالعت عدة أوراق بحثيّة عمدت إلى تحليل النشاط الدماغي لمحترفي لعبة الشطرنج (Grandmaster) مقارنةً بالهواة ولاعبي التسلية وتزجية الأوقات أمثالنا. خلصت الدراسات لعدّة نتائج أو ملاحظات مثيرة للاهتمام. سأقف هاهنا على ملمحٍ عظيمٍ -بني على هذه الدراسات-
لوحظ في هاته الدراسات بأنّ محترفي اللعبة تنشط أدمغتهم أثناء اللعب في المناطق المعنية بـ(الذاكرة الطويلة المدى)خلافًا للهواة الذين تنشط أدمغتهم في مناطق (التفكير والانتباه). لكن الأكثر إثارة في هاته الدراسات أنّ المنطقة الأكثر عملًا في دماغ محترفي اللعبة منطقة في الدماغ تعرف باسم:
FFA (fusiform face area) والتي تعد جزءًا من النظام البصري البشري المتخصص في التعرف على الوجه، حيث تقوم المنطقة على إدارك تقاطيع الوجه (أنف، وعيون، وفم ...) وتخزينه كصورة قارّة تنماز بها الوجوه بعضها عن بعض.
والحاصل أنّ الإدراك البصري لمحترفي الشطرنج يتعامل مع ميدان اللعب (رقعة الشطرنج) كما لو كانت وجوه بشرية لها سيمياء وتقاسيم:
(خمسة بيادق بيضاء في الصف الثالث،فيل أقصى يمين الصف الأول،قلعتان في أقصى مربعات الخصم...أربعة بيادق سوداء في الصف الثالث، وزيرٌ يحامي عن ملكه، وحصان تجاسر مقتربًا من تخوم دفاعاتي...الخ) وهكذا تختزن أدمغة لاعبي الشطرنج آلاف الصور لمواقع الأحجار المختلفة، وتحرك أحجارها على ضوء ذلك!
وبمقتضى هذه التحاليل، فالذكاء والإبداع في هذه اللعبة لا يكمن في إعمال الواعية والتحليل بقدر ما هو في استحضار الصورة المختلفة المختزنة وكيف التفاعل المعتاد معها!
وبالمناسبة الدراسات التلويّة التحليليّة (Meta-analysis) لـ علاقة الذكاء الرياضي maths بالشطرنج تقضي بعدم وجود أيّة علاقة ذات دلالات إحصائيّة! -وهذه أيضًا كانت من الدراسات الغريبة والصادمة بالنسبة لي-
ولأجل ذلك امتعض بعض أسياد اللعبة من إلفها بعد مدّة، وعدم قدرتها على خلق تحدّيات جديدة، ومنافسة محترمة، وهو ما حدا بفيشر باقتراح تغييرات في قواعد اللعبة واقتراح نسخته من الشطرنج التي عرفت بـ شطرنج 960 أو شطرنج فيشر العشوائيّ (Fischer Random Chess)
على كل أهم نتيجة كانت بالنسبة إليّ حكتها هذه الدراسات أهمية التعلّم العميق (Deep Learning) وأنّ إتقان الإنسان لعلم، أو مهارة، والتخصص فيها، ومعرفته حق المعرفة فرع عن الدربة والمثابرة والسعي وسهر الليالي وحراثة النهار! والله أعلم
جاري تحميل الاقتراحات...