«لم يُخلَق الدّمعُ لامرئٍ عبَثًا
اللهُ أدرى بلوعة الحَزَنِ»
عن الدّمع والبكاء:
اللهُ أدرى بلوعة الحَزَنِ»
عن الدّمع والبكاء:
النّاس في الدّمع منقسمون، تحرّكهم طباعهم الجبلّيّة، وأحكام أقاربهم وأهليهم الوضعيّة، وكم ضاع بين الطّبع والوضع دمع!
والدّموع لغةٌ وحدها، والنّاس فيها متفاوتون كالنّاس في اللغة، وفيها مثلها بيانٌ وعيّ، غير أنّ الدّموع لسانٌ إنسانيٌّ مشترك، يفهمه كلّ أحدٍ، ويحسّه كلّ قلب، وليس هذا للغة.
هذه أمّنا عائشة -رضي الله عنها- تحكي لنا خبرها وقد فهمت من الدّمع معنى لم تحسب الدّمع يفيده، فتقول حين رأت بكاء أبيها فرحًا بصحبة رسول الله ﷺ: «فوالله ما شعرت قطّ قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح!»
وإنّي لأحسب الدّموع الصّادقة غاية البيان الآدميّ، غاية طرفيه حزنًا وفرحًا، وألمًا وأملًا، ورجاءً وخيبة.
«طفح السّرور علي حتى إنّه
من فرط ما قد سرّني أبكاني
يا عين، قد صار البكا لك عادةً!
تبكين في فرحي وفي أحزاني»
«طفح السّرور علي حتى إنّه
من فرط ما قد سرّني أبكاني
يا عين، قد صار البكا لك عادةً!
تبكين في فرحي وفي أحزاني»
وفي النّاس أعاجم في الدّمع، كما فيهم أعاجم في اللغة. قومٌ بينهم وبين دموعهم حجاب، يودّ أحدهم لو أهلكته نار صدره ولم يسكب عليها قطرة دمع.
«يُبْكَى علينا ولا نبكي على أحدٍ!
لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل»
«يُبْكَى علينا ولا نبكي على أحدٍ!
لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل»
وإنّ بين ذلك الذي لا تدمع عينه، وذلك الذي لا يرقأ دمعه وسط! وإنّا كما نعوذ بالله من عينٍ لا تدمع، نعوذ به من عينٍ لا تسكن وترتاح.
ونحن إذ نقول إنّ الدّمع لغة، نقول إنّه كما يحسن الكلام في موضعه، والسّكوت في محلّه، فإنّ الدّمع يشفي في مكانه ووقته، ومعرفة ذينك فقهٌ وحكمة!
قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: كنتُ إذا حَرجت أمتنع من البكاء، حتى سمعت قول ذي الرمة:
«لعل انحدار الدمع يعقب راحةً
من الوجد، أو يشفي نجيَّ البلابلِ»
فصرت أشتفي من الوجد به!
«لعل انحدار الدمع يعقب راحةً
من الوجد، أو يشفي نجيَّ البلابلِ»
فصرت أشتفي من الوجد به!
وقال أبو بكر بن عيّاش: كنتُ وأنا شاب إذا أصابتني مصيبة لا أبكي؛ فيحترق جوفي، حتّى سمعتُ قول ذي الرُّمّة:
«لعل انحدار الدمع يعقب راحةً
من الوجد، أو يشفي نجي البلابل»
فكنُت بعد ذلك إذا أصابتني مصيبة بكيت فاشتفيت!
«لعل انحدار الدمع يعقب راحةً
من الوجد، أو يشفي نجي البلابل»
فكنُت بعد ذلك إذا أصابتني مصيبة بكيت فاشتفيت!
وتجد هاتين الرّوايتين، وأزود منهما في هذا المعنى، في مقالة الشّيخ الأديب محمّد بن إبراهيم الحمد (فلسفة الدّموع) وهي من أجمع ما تقرأ، وألذّ ما تقف عليه في هذا الباب.
والعارفون للدّموع حقّها يستحيون من انحباسها يوم السّكب، وأعظم حقّها خشية الله، وأشدّ ما يكون الحياء معه سبحانه.
غير أنّ من المواقف ما تعجز عنه المآقي، وتنحبس معه الدّموع لعجزها عن القيام بالشّعور!
«يقولون لو يهوى لسالت دموعه..
ولكنّها بين الضّلوع تسيلُ!»
«يقولون لو يهوى لسالت دموعه..
ولكنّها بين الضّلوع تسيلُ!»
وقد سمّت العرب هذه الحالة الشّديدة على النّفس الآدميّة، «قال جرير:
غبّضنَ من عَبَراتهنّ وقُلنَ لي
ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا؟
قال الخليل: التّغْبيض: أَن يُرِيد الإنسان البكاءَ فلا تجيبُهُ العين»
أفاده د. @sa2626sa
غبّضنَ من عَبَراتهنّ وقُلنَ لي
ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا؟
قال الخليل: التّغْبيض: أَن يُرِيد الإنسان البكاءَ فلا تجيبُهُ العين»
أفاده د. @sa2626sa
ولست أقصد من هذا السّوق كلّه= إلّا أن تحسّ معي بقيمة ماء عينك، وعظيم منّة الله عليك، وتجتهد في إتقان الحديث به كما تجتهد في إتقان اللغة!
قال أبو عثمان الجاحظ:
«وأنا أزعم أن البكاء صالح للطّبائع، محمود المغبّة، إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرّقّة، والبعد عن القسوة، وربّما عُدّ من الوفاء، وشدّة الوجد على الأولياء، وهو من أعظم ما تقرّب به الخائفون، واسترحم به الخائفون»
«وأنا أزعم أن البكاء صالح للطّبائع، محمود المغبّة، إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرّقّة، والبعد عن القسوة، وربّما عُدّ من الوفاء، وشدّة الوجد على الأولياء، وهو من أعظم ما تقرّب به الخائفون، واسترحم به الخائفون»
قلتُ: وأنا أزعم أنّه بابٌ من أجلّ أبواب إصلاح النّفس، وتطهيرها، وتزكيتها. ومراقبة الإنسان دمع عينه مراقبته قول لسانه= سبيله إلى الله.
ألا ترى أنّ الذين «أَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ» هم الذين «إِذَا سَمِعُوا۟ مَاۤ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰۤ أَعۡیُنَهُمۡ تَفِیضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ»؟
وكم أعجبني ما روي عن الشّيخ الشّبليّ، أنّه «لمّا رأى الكعبة غُشِي عليه، فلما أفاقَ أنشَدَ:
هذه دارُهم وأنت مُحبٌّ..
ما بقاءُ الدّموعِ في الآماقِ؟»
إي والله ما بقاء الدّموع في الآماق؟
ما بقاء الدّموع في الآماق؟
ما بقاء الدّموع في الآماق؟
هذه دارُهم وأنت مُحبٌّ..
ما بقاءُ الدّموعِ في الآماقِ؟»
إي والله ما بقاء الدّموع في الآماق؟
ما بقاء الدّموع في الآماق؟
ما بقاء الدّموع في الآماق؟
اللهم إنّا نسألك عينًا فصيحة، كما نسألك قلبًا فصيحًا، ولو عيت الألسن.. ولو عيت الألسن!
«فلا تُلحِياني إن بَكَيْتُ فإنَّما
أُداوي بهذا الدَّمعِ ما تَريانِ»
«فلا تُلحِياني إن بَكَيْتُ فإنَّما
أُداوي بهذا الدَّمعِ ما تَريانِ»
وما أقرب نصيحة الجواهريّ إليّ، وأمنّها عليّ، إذ قرأت له مرّةً بيتين لم يفارقا بالي بعد مرّة، يقول:
«لا تبخسوا قدر الدّموع فإنّها
دفع الهموم تفيضُ من ينبوعِ
للنّفس حالاتٌ يلذّ لها الأسى
وترى البكاء كواجبٍ مشروع!»
«لا تبخسوا قدر الدّموع فإنّها
دفع الهموم تفيضُ من ينبوعِ
للنّفس حالاتٌ يلذّ لها الأسى
وترى البكاء كواجبٍ مشروع!»
وفي رحلة العمر، وشدّة السّير، وتكالب الهمم والهموم، والمواقف والحوائج والمشاعر.. لا أقول إلّا كما قال حافظ:
«يا من خلقت الدّمع، لطفًا منك بالباكي الحزين..
بارك لعبدك فى الدّموعِ فإنّها خير المعين»
يا رب!
«يا من خلقت الدّمع، لطفًا منك بالباكي الحزين..
بارك لعبدك فى الدّموعِ فإنّها خير المعين»
يا رب!
جاري تحميل الاقتراحات...