Dr. Rami Arabi
Dr. Rami Arabi

@Rami_Arabi93

23 تغريدة 46 قراءة Jun 09, 2020
ترددت كثيرا لأكتب عن هذه الرواية تحليلي الشخصي، هذه الرواية مثل الكنز، لا يفقد قيمته بل يزداد مع مرور الأيام، ونحن في هذا الزمن نشهد موسم آخر من الهجرات من بلاد العرب الى بلاد الشمال (أوروبا)، هذه المرة رحلتنا لأرض النيل والذهب "السودان" مع موسم الهجرة للشمال .. Thread
في هذه الرواية نجد اكثر من صراع ثنائي، فالصراع الأول يتمثل بشخصية "مصطفى سعيد" ضد شخصية الراوي.. ف"مصطفى سعيد" عاش و ترعرع في أثناء تواجد الاستعمار البريطاني بالسودان، رأى جميع الأشياء كيف ظلموا،، كيف نهبوا الثروات و شعوره بأنه فقد هويته.. ان تشعر ببلدك انك مواطن درجة ثانية
اما شخصية الراوي وبالرغم من شبهها ب "مصطفى سعيد" في أنهم سافروا لفترة من حياتهم للدراسة ببريطانيا لكنه كان يشعر بالحنين لوطنه وقريته، يريد ان يرجع من الغربة لدفء بلاده.. الصورة المعاكسة الذي يقدمها الراوي هنا كممثل لجيل ما بعد الإستعمار..
أما الصراع الثنائي الآخر والأعمق هو ما بين "مصطفى سعيد" كرمز بالرواية يمثل السودان الذي تم استعماره ضد "جين موريس" المرأة الذي تزوجها و تمثل هي رمزية المستعمر الإنجليزي بكل ما لدى المستعمر من صفات القسوة والعنف في التعامل،،
و كأن الطيب صالح (رحمه الله) يريد أن يخبرنا من خلال شخصية "مصطفى سعيد".. أن أي بلد قبل الإستعمار لن يكون مثلما كان بعد الإستعمار.. فالإستعمار يؤدي إلى تهجين المجتمع، تظهر فيه صفات جديدة مختلفة و ربما تفقد بعض العادات والتقاليد الأصيلة، وهذا كان حال "مصطفى سعيد"
"مصطفى سعيد" لم يستطع ان يتقبل معنى أن يكون انسان ما بعد الإستعمار، لم يكن يعرف هويته، أهو سوداني.. اذا لماذا تبدلت الكثير من الأشياء حوله، لماذا أصبحت الحياة حوله بها صبغة غربية، أهو ابن السودان الأصيل أم شخصيته تعتبر صنيعة الإستعمار وتشكلت تحت تأثيره..؟
"مصطفى سعيد" يعاني من غربتين، غريب هو في بلاده السودان بعد أن عاد إليها ولم تكن كما كانت، كما انه غريب في بلاد الغرب وشعر عندما عاد للسودان بأنه تغير وتبدل و كأن الغرب أعادوا تشكيل شخصيته، فضاع "مصطفى سعيد" بين الغربتين..
اقتباس : ((.. كونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا، هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا، إنهم سيخرجون من ديارنا إن عاجلاً أم أجلاً، سكك الحديد والبواخر والمصانع والمستشفيات والمدارس ستكون لنا، وسنتحدث لغتهم، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل، سنكون كما نحن قوماً عاديين ..))
اعتقد ان "مصطفى سعيد" كان مدفوعا برغبة الإنتقام من المستعمر الإنجليزي، كان يشعر أنه غازي الذي قدم من الجنوب ليذهب الى عقر دار المستعمر يريد أن ينتقم ممن جعلوه "مسخ" بلا هوية فلا هو اصبح يرى نفسه سوداني أصيل ولا هو بريطاني هضم صفات المستعمر الجديدة،،
اقتباس : ((.. وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا کيف نقول نعم بلغتهم... نعم يا سادتي ، انني جئتكم غازيا في عقر داركم، قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ..)) ،، ويصرخ هنا مصطفى سعيد ليقول أحد الجمل التي سوف يخلدها التاريخ : ((.. أنا لست عطيلا، عطيل كان أكذوبة...))
هذه الرواية أدت الى ردة فعل عنيفة ضد كاتبها بسبب وصف العلاقات العاطفية ل"مصطفى سعيد" مع النساء أثناء تواجده ببريطانيا، فالوصف كان وصف صريح وفاضح، لدرجة اني أعرف الكثير انتقد الرواية أيضا لنفس السبب..
لكن هذه كانت طريقة "مصطفى سعيد" للانتقام من الإستعمار وهي طريقة عجيبة ولكن يكمن هنا احد أهم أساسيات هذه الرواية، وهي رغبة "مصطفى" في الانتقام من الاستعمار الذي مثله في خياله على انه الأنثى وهو الرجل بكل ما تحمل الكلمة من معاني الفحولة، وربما شهوانية لا عقلانية بالنسبة له..
فيقوم بالإنتقام من الإستعمار عن طريق إقامة علاقات "جنسية" مع النساء من بريطانيا، و كأنه بذلك يثبت قدرته على مجابهة الإستعمار.. كما نرى كيفية انتقال ساحة المعركة من الأرض إلى ما وراء الأبواب، كان يحتاج ان يثبت نفسه أمام المستعمر في شيء ما وتلك كانت طريقته..
اقتباس : ((.. أنا الغازي الذي جاء من الجنوب وهذا هو ميدان المعركة الجليدي الذي لن أعود منه ناجيا.. أنا الملاح القرصان وجین مورس هي ساحل الهلاك ..))
وفي أحد أهم أحداث الكتاب وهو زواج "مصطفى سعيد" بجين موريس، لكن جين موريس كما ذكرنا كرمز للمستعمر القوي، تطلب منه عدة أشياء ثمينة وقيمة في نظر "مصطفى سعيد" لتأخذها وتدمرها تماما، هذه الأشياء الشرقية الأصيلة ملك "مصطفى سعيد" دمرتها جين موريس بكل سهولة..
وكأنها دلالة انك لن تستطيع أن تملك أي شيء من الغرب الا ويجب أن تفقد جزء من هويتك الأصلية، براعة الكاتب تكمن أيضا في تصوير "مصطفى سعيد" كشخص بلا مشاعر واضحة تجاه اصوله وجذوره فهو مشوش بين الجنوب (السودان) والشمال (بريطانيا)، حتى وداعه لأمه قبل رحلته لأكمال الدراسة كان بلا مشاعر..
أيضا لا يفوتنا المعنى الرمزي أنه رغم تعدد العلاقات العاطفية الإنتقامية لمصطفى سعيد، لكن هذه العلاقات لم تنتج عن ولد، و كأن هذه العلاقة بين الجنوب والشمال ستستمر عقيمة للأبد.. لا ينتج عنها استمرارية بالحياة، وضع مؤقت فقط بين شخصين دون إنتاج شيء مشترك..
في نهاية الرواية نرى مصطفى سعيد وهو يدخل النهر متجها للشمال، ذلك الشمال الذي دائما ما كان سبب ارقه ومشاكله.. اقتباس : ((.. و إذا أنا في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب، لن استطيع المضي ولن استطيع العودة ..))
لا ننسى وجه المقارنة الأول، وهو الإستمرارية والأمل المتمثلة في شخصية الراوي، الذي ذهب للشمال وتعلم واجتهد وعاد للجنوب ليخدم في بلده ويعيش بها، الكثير يركز في هذه الرواية على رغبة الانتقام، وينسى الأهم وهو محاولة النهوض مرة أخرى، فالانتقام بالنهاية لا يوجد منه فائدة..
أخيرا ، أرى أن اختفاء مصطفى السعيد المفاجىء ومقتل جين موريس، يدل على انه لا يوجد رابح، الإستعمار والذين تم استعمارهم، الكل خاسر، مجتمعات ما بعد الأستعمار تبدلت بشكل كبير ربما اختلفت التقاليد اختلفت العادات، فقد الناس الكثير وتبقى حقيقة واحدة ان الإستعمار سيكون جزء دائم من التاريخ
و تحية للسودان، تحية لأهلها ونيلها.. أرض السمر و القلوب البيضاء ♥️
((.. سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن ولأن عليّ واجبات يجب أن أؤديها، لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى، وإن كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى ..))
~ الطيب صالح -رحمه الله- (١٩٢٩ - ٢٠٠٩) - موسم الهجرة الى الشمال
((.. نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي فلاحون فقراء، لكني حين أعانق جدي، احس بالغنى، كأنني نغمة من دقات الكون نفسه ..))
الطيب صالح -رحمه الله- ( ۱۹۲۹ - ۲۰۰۹ ) - موسم الهجرة الى الشمال

جاري تحميل الاقتراحات...