في هذه الرواية نجد اكثر من صراع ثنائي، فالصراع الأول يتمثل بشخصية "مصطفى سعيد" ضد شخصية الراوي.. ف"مصطفى سعيد" عاش و ترعرع في أثناء تواجد الاستعمار البريطاني بالسودان، رأى جميع الأشياء كيف ظلموا،، كيف نهبوا الثروات و شعوره بأنه فقد هويته.. ان تشعر ببلدك انك مواطن درجة ثانية
أما الصراع الثنائي الآخر والأعمق هو ما بين "مصطفى سعيد" كرمز بالرواية يمثل السودان الذي تم استعماره ضد "جين موريس" المرأة الذي تزوجها و تمثل هي رمزية المستعمر الإنجليزي بكل ما لدى المستعمر من صفات القسوة والعنف في التعامل،،
و كأن الطيب صالح (رحمه الله) يريد أن يخبرنا من خلال شخصية "مصطفى سعيد".. أن أي بلد قبل الإستعمار لن يكون مثلما كان بعد الإستعمار.. فالإستعمار يؤدي إلى تهجين المجتمع، تظهر فيه صفات جديدة مختلفة و ربما تفقد بعض العادات والتقاليد الأصيلة، وهذا كان حال "مصطفى سعيد"
اقتباس : ((.. كونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا، هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا، إنهم سيخرجون من ديارنا إن عاجلاً أم أجلاً، سكك الحديد والبواخر والمصانع والمستشفيات والمدارس ستكون لنا، وسنتحدث لغتهم، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل، سنكون كما نحن قوماً عاديين ..))
اقتباس : ((.. وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا کيف نقول نعم بلغتهم... نعم يا سادتي ، انني جئتكم غازيا في عقر داركم، قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ..)) ،، ويصرخ هنا مصطفى سعيد ليقول أحد الجمل التي سوف يخلدها التاريخ : ((.. أنا لست عطيلا، عطيل كان أكذوبة...))
هذه الرواية أدت الى ردة فعل عنيفة ضد كاتبها بسبب وصف العلاقات العاطفية ل"مصطفى سعيد" مع النساء أثناء تواجده ببريطانيا، فالوصف كان وصف صريح وفاضح، لدرجة اني أعرف الكثير انتقد الرواية أيضا لنفس السبب..
لكن هذه كانت طريقة "مصطفى سعيد" للانتقام من الإستعمار وهي طريقة عجيبة ولكن يكمن هنا احد أهم أساسيات هذه الرواية، وهي رغبة "مصطفى" في الانتقام من الاستعمار الذي مثله في خياله على انه الأنثى وهو الرجل بكل ما تحمل الكلمة من معاني الفحولة، وربما شهوانية لا عقلانية بالنسبة له..
اقتباس : ((.. أنا الغازي الذي جاء من الجنوب وهذا هو ميدان المعركة الجليدي الذي لن أعود منه ناجيا.. أنا الملاح القرصان وجین مورس هي ساحل الهلاك ..))
وكأنها دلالة انك لن تستطيع أن تملك أي شيء من الغرب الا ويجب أن تفقد جزء من هويتك الأصلية، براعة الكاتب تكمن أيضا في تصوير "مصطفى سعيد" كشخص بلا مشاعر واضحة تجاه اصوله وجذوره فهو مشوش بين الجنوب (السودان) والشمال (بريطانيا)، حتى وداعه لأمه قبل رحلته لأكمال الدراسة كان بلا مشاعر..
في نهاية الرواية نرى مصطفى سعيد وهو يدخل النهر متجها للشمال، ذلك الشمال الذي دائما ما كان سبب ارقه ومشاكله.. اقتباس : ((.. و إذا أنا في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب، لن استطيع المضي ولن استطيع العودة ..))
لا ننسى وجه المقارنة الأول، وهو الإستمرارية والأمل المتمثلة في شخصية الراوي، الذي ذهب للشمال وتعلم واجتهد وعاد للجنوب ليخدم في بلده ويعيش بها، الكثير يركز في هذه الرواية على رغبة الانتقام، وينسى الأهم وهو محاولة النهوض مرة أخرى، فالانتقام بالنهاية لا يوجد منه فائدة..
أخيرا ، أرى أن اختفاء مصطفى السعيد المفاجىء ومقتل جين موريس، يدل على انه لا يوجد رابح، الإستعمار والذين تم استعمارهم، الكل خاسر، مجتمعات ما بعد الأستعمار تبدلت بشكل كبير ربما اختلفت التقاليد اختلفت العادات، فقد الناس الكثير وتبقى حقيقة واحدة ان الإستعمار سيكون جزء دائم من التاريخ
و تحية للسودان، تحية لأهلها ونيلها.. أرض السمر و القلوب البيضاء ♥️
جاري تحميل الاقتراحات...