علياء
علياء

@Alyaa_35

20 تغريدة 240 قراءة Jun 08, 2020
الزمان: رمضان ١٤٢٠ هـ.
المكان: بيتُ الله الحرام.
ترسّل قليلاً أيها الدّاخلُ إلى الحرمِ، دَع باب "الملك عبدالعزيز" يسارَك واتجه يمينًا، امشِ الهوينى، حتى تصلَ إلى باب "أجياد" بمصراعيه الذهبيين، فادخل - يا رعاك الله - مسمّياً مستفتحًا، ثم اصعد الدرجَ الرخاميَّ الذي عن يسارك، درجةً بعد أخرى.
هنا الدور الثاني، رواقٌ عريضٌ ممتدٌّ حول صحن الكعبة، يُشرف على المطافِ مباشرة، امش يمينًا وتقدّم حتى تصل إلى مكان النساء، يبدو مربعًا كبيرًا يكسوه سجادٌ أحمر زاهٍ فاخر، ومحاطًا بأدراج المصاحف الذهبية المزخرفة، وعلى مدخله تتوزَّع حافظاتُ مياه زمزم البرتقالية.. فقِف هنا.
كانت يومها صبيّةً غرًّا ما عركتِ الدُّنيا وما عركَتها، حسبُها من طيّبات عيشِها أن تقع على كل ما أمتع ولم ينفع، وأقنى وما أغنى، لكنّ في قلبها - مع ذاك - نهمةً إلى المعرفةِ وغليلاً إلى التعلّم، وما أقعدها ذاك المقعد - يومئذٍ - إلا ذاك.
صُلّيَت الفجرُ، وبعد الصلاةِ انبعثَ من مكبّر الصوتِ - إلى قسمِ النساء - صوتٌ رخيمٌ ثابت، عليه من الوقارِ مسحةٌ ومن السكينةِ سمةٌ، فحمدالله تعالى وصلّى على نبيه ﷺ ، ثم انحدرَ، كالسيلِ إذا انهمرَ، أو كالبحرِ إذا هدرَ.
سمعت الفتاةُ يومها حديثاً عجباً لا عهدَ لها بمثله، لا في بيتٍ ولا في مدرسةٍ ولا في محاضرةٍ، علمًا عظيمًا عميقاً مؤصلاً رصينًا، يأخذ بالمرء ذات اليمين وذات الشمال، متفكرًا ناظرًا، حتى يثبت مستقيمًا!
كان الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى وسقى قبره بوابلِ الرحمات!
كان - رحمه الله - يحدّث الطلبة كما لو كان يكلّم كل واحدٍ منهم كفاحاً على حدة:
أفهمت؟ ماذا لو؟ قل لي بالله عليك! وانظر إلى! انتبه! ألا ترى كيف؟ يا رجل :)
فانظر إلى آثارِ رحمة الله، كيف يحيي بالعلم أفهامًا غافلةً وقلوبًا وسنى..
وقد ثبت بعد الصلاة من حولها نسوةٌ شابّات - تحسبهن صالحات -، متسربلات بالسواد، وهنّ يكتبن - في كراساتٍ معهن - مع الشيخِ ما يقوله بهمّة وجلد.
راقها ما يفعلنه، فطلبَت ممن بجانبها ورقة وقلمًا، حاولَت أن تكتب فكتبت قليلاً ثم ما عرفت 💔
تحدّث في مسألة العلوّ في العقيدة، وعمن أنكر هذه الصفة فقالوا: إن الله - تعالى علوًا كبيرًا - ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف!
ثم قال الشيخ: بالله عليكم! أتعرفون وصفاً للعدم المحض أبلغ من هذا؟ :)
ضحكت الطالبات فابتسمت معهم، لا بأس كأنها فهمت :)
ثم تناول مسألة الاستواء على العرش، فأفاض فيها، وذكر استشهاد المخالف الذي حرّف معنى "استوى" في الآية إلى "استولى" ببيت الشعر:
قد استوى بشرُ على العراقِ
من غير سيفٍ أو دمِ مهراق :)
ثم كرَّ الشيخ ففنّد هذا القول ببراعة، وانتصر لقول الاستواء نصرًا مبينًا!
ثم انتقل إلى بعض مسائل الفقه، وطرح مسألة ما إذا رأى المصلي بعد فراغه من الصلاة نجاسةً في ثوبه فإنه لا يعيد الصلاة، بينما لو تبيّن له أنه صلى على غير طهارة فإنه يعيد الصلاة.
والفرق بينهما أن الأول من باب إزالة المحظور، فعفي عنه، والثاني من باب ترك المأمور، فلزم أن يأتي به.
ثم جال في ميدان المواعظ والتذكرة، والبرّ والأخلاق، وهو هو، بخطابه المتزن الرزين، الواضح الميسّر!
يسمعه الجاهل فيتعلّم، والغافل فيتذكّر، والمتكبّر فيخضع، والعاميّ فيحترم جناب العلم الشريف؛ إذ لا طاقةَ له بالاجتراء على مثل ذلك!
ثم حُبّبت إليها علوم الشريعة..
وكان الذي جذبها، ما بدا من إجالةِ الفكر وجريانه، في سياجِ حمىً من تعظيم النصّ، فلا ينكفئ ولا يجترئ!
ولقد كان هذا منهجُ الشيخ، فروعاً على أصول، وأحكامًا على مقاصد، كلِّ ذلك بلغةٍ فصيحة بينة، لا تعلو فوق الأفهام ولا تجنح إلى التلقين والإلزام..
والآن، وقد مضى ما مضى من السنين على تلك الحادثة، وإذ تبحثُ اليوم في مصنفات في مذاهب الفقه المختلفة، وربما استغلق الفكر إزاء تعارض الأقوال وتكافؤ الأدلة، تعمدُ إلى "الشرح الممتع"، فتسبّح الله تعالى!
كيف طوّعت له الأقوال، وسخّرت الدلائل، وألينت الاعتراضات..
يعرض الشيخ - في شرحه الممتع للزاد - الأقوالَ في المسائل بتجرّد وبيان، باسطاً لكل قول أدلته وحججه، حتى إنك لتحارُ لأيّ القولين سينتصر الشيخ؟
ثم تراه مرجّحاً ما يراه، مبينًا سبب ذلك باستحضارٍ علميّ رصين واقعي لمقاصد الشريعة وغاياتها، معتذرًا للقول المرجوح بإنصافٍ واحترام..
وربما رجّح قولاً خارجًا عن مذهب الحنابلة، والعارفون بالخلاف الفقهي يدركون ما يلقى أحدهم - من أقرانه - في ذلك من العنت، لكنه كان ممن ينتصر للدليل بفهمٍ واتّباع، بعيدًا عن التعصب.
فكان على خطى شيخه ابن سعدي وإمامه ابن تيمية، فحاز احترام العلماء وإكبارهم لعلمه وتجرده وحكمته..
ولا أنسى ما نسيت كلامه في حكم مسألة "الزواج بنية الطلاق"، وقد كان يرى تحريمه ويشدد في منعه، فبنى ترجيحه هذا على مقاصد الشرع ودواعي المروءة، وفحرر ذلك بإنصافٍ للنساء يرقّ القلب من لطفه ورفقه💕
ويكفي من ذاك قوله: "والله لا يرضاه وليٌّ لموليته!"، فقطع بهذا الإلزامِ كل خلاف!
ولا أنسى ترجيحه العطوف لحق الأم في حضانة ابنتها - ولو بعد سبع سنين - إذ خالف في ذلك المذهب لداعي المصلحة فقال: "الراجح عندي أنها تبقى عند أمها حتى يتسلمها زوجها؛ لأن الأم أشفق بكثير من غيرها حتى من الأب،.. ولا نجد أحداً أشد شفقة وأشد حناناً من الأم".
ولقد نقل عنه كذلك أنه كان في مجلسه الشهريّ - لقاء الباب المفتوح - والذي يغشاه فيه فئامٌ من الناس والعوامّ، فوقف رجلٌ من جُفاةِ الأعرابِ فقال: "يا شيخ بأسألك عن المَرَة كرّمك الله.."!!
فغضبَ الشيخُ غضباً شديدًا ومنعه من إكمال سؤاله، وزجره ووعظه!
وحسبنا أنه لا تزال فتاواه وترجيحاته ترد في المسائل حتى - بعد عشرين عامًا من رحيله - ، فيشعر أن لهذا القول وجاهة وقوة.
رحم الله الشيخ ورفع درجاته، ونفعنا بعلمه وحكمته، وأخلف الله على الأمة خيرًا وقدوةً وجبلاً، يُهرعون إلى علمه في كل نازلةٍ، ويأنسون بحكمته في كُل واقعة.
تمت.

جاري تحميل الاقتراحات...