خطبة #سقراط الأخيرة: أول من أعدم في التاريخ بسبب أفكاره
جلس أحد تلاميذه الذي يبلغ من العمر27 ربيعًا، يراقب القضية ليعرف مصير أستاذه.
استغرقت الخطب التي قدمها الرجال الثلاثة على منصة مرتفعة ثلاث ساعات تم قياسها بساعة الماء، حاولوا فيها اثبات أنه مذنب “بإفساد شباب أثينا”.
جلس أحد تلاميذه الذي يبلغ من العمر27 ربيعًا، يراقب القضية ليعرف مصير أستاذه.
استغرقت الخطب التي قدمها الرجال الثلاثة على منصة مرتفعة ثلاث ساعات تم قياسها بساعة الماء، حاولوا فيها اثبات أنه مذنب “بإفساد شباب أثينا”.
بعدها سُمح للشيخ المتهم، سقراط، أن يقدم خطبة يدافع فيها عن نفسه. حوّل نظره لهيئة المحلفين وقال: “لا أعرف يا زملائي الأثينيون كيف تأثرتم من مُتَهِمي الذين سمعتموهم للتو. ولكنهم تحدثوا بطريقة مقنعة جعلتني أنسى من أنا. ومع ذلك بالكاد نطقوا كلمة حق.
ولكن الكثير منكم يفكّر، “إذن ما مصدر كل هذه الاتهامات يا سقراط؟” وهو سؤالٌ عادل. دعوني أوضح لكم مصادرهم. يعرف بعضكم صديقي العزيز شيريفون. قبل موته، ذهب لمدينة دلفي حيث سأل هناك أوراكل ديني عن أحكم رجل في العالم. كان جواب الأوراكل أنه لا يوجد رجل أحكم من #سقراط.
عندما علمت بذلك سألت نفسي، “ماذا كان يقصد الأوراكل؟” فأنا أعلم أني لست حكيمًا. بعد ما تمعّنت في التفكير قررت أن عليّ أن أجد رجلًا أحكَم مني لأرجع للأوراكل بدليل.
لذا ذهبت إلى سياسي معروف بحكمته. ولكن عند استجوابي له تبين لي أنه لم يكن حكيمًا بالرغم أن العديد من الناس، وهو واحد منهم، كانوا يعتقدون أنه حكيم. لذا حاولت أن أوضح له أنه ليس بحكيم على الرغم من اعتقاده بذلك. ولكن ما حدث هو أنه كرهني وكذلك فعل الكثير من المناصرين له ...
لذا تركته وأنا أفكر أثناء خروجي أن كلانا يجهل الكثير عن النبل والفضيلة، إلا أنني أفضل منه حالًا لأنه لا يعرف شيء ويعتقد أنه يعرف. أما أنا فلا أعرف ولا أعتقد أني أعرف، وذلك يميزني عنه.
بعدها ذهبت لشخص آخر كان لديه ادعاءات أكبر بالحكمة. وكانت النتيجة نفسها، وخلقت لي عدوًا آخر. وبهذه الطريقة ذهبت من رجل لآخر وازداد عدد أعدائي في كل مرة. أحسست بالسوء والخوف ولكني كنت مضطرًا لفعل ذلك لأني شعرت أن مهمة التحقق من الأوراكل كانت أولوية.
قلت لنفسي أن عليّ أن أذهب لأي شخص يبدوا حكيمًا لأعرف ماذا قصد الأوراكل.
يتخيل من يسمعني أنني شخصيًا أمتلك الحكمة التي أجدها مفقودة عند الآخرين.
يتخيل من يسمعني أنني شخصيًا أمتلك الحكمة التي أجدها مفقودة عند الآخرين.
ولكن الحقيقية يا رجال أثينا هي أن الله وحده الحكيم. والله أراد أن يرينا من أوراكله أن حكمة الرجال لا تستحق الكثير وربما لا تستحق أي شيء. كأن الله يقول لنا: “أحكَم رجل هو الذي يعرف، مثل سقراط، أن حكمته في الحقيقة لا تساوي شيئًا”.
لذا أذهب للعالم وأنا مطيعٌ لربي وابحث وأسأل عن الحكمة في كل من يبدو حكيمًا، وفي حال لم يكن حكيمًا، أوضّح ما يقصده الأوراكل وأبين للشخص أنه ليس حكيمًا. أخذتني هذه المهمة ولم يبقى لي وقت لأقوم بشيء آخر.
هناك المزيد، فشباب الطبقات الأكثر ثراءً الذين ليس لديهم الكثير ليفعلوه، يتبعونني من تلقاء أنفسهم لأنهم يحبون أن يروا المُدّعين مكشوفين على حقيقتهم، ويقلّدوني باستجواب الآخرين. يكتشفون بسرعة أن الكثير من الأشخاص يعتقدون أنهم يعرفون شيئًا ولكنهم في الحقيقة لا يعرفون شيئًا.
فيغضب هؤلاء الناس مني باتهامي “هذا المضلل سقراط يضلل شبابنا!”. وعندما يسألهم أحد “كيف؟ ما هي الأفعال الشريرة التي يفعلها أو يعلّمهم؟” فلا يستطيعون الإجابة.
قد يسأل بعضكم: “ولكن ألا تندم على ما فعلت حتى الآن، حيث قد يعني ذلك موتك؟”. فأجيب على هؤلاء: “أنتم على خطأ، لا ينبغي على الرجل الطيب أن يحسب فرصه في الحياة والموت، عليه فقط أن يسأل نفسه إذا ما كان يفعله صواب أم خطأ، سواء كانت ذاته الداخلية طيبة أم شريرة.”
وعندما تقولون لي: “سقراط، سنطلق سراحك ولكن بشرط أن تتوقف عن استجوابك،” سأرد: “يا رجال أثينا، أني أتشرف بكم وأحبكم، ولكن عليّ طاعة ربي بدلًا منكم، وطالما مَدّني الله بالحياة والقوة، فلن أتوقف أبدًا عن ممارسة الفلسفة.”
إن هدفي اقناعكم جميعًا، صغارًا وكبارًا، أن لا تفكروا بحياتكم وممتلكاتكم، ولكن تهتموا لذواتكم الداخلية. أقول لكم أن الثروة لا تجعلكم طيبين من الداخل، ولكن من الطيبة الداخلية يأتي الثراء والفائدة للرجل. هذه هي دروسي، وفي حال كانت مفسدة للشباب، فعندئذ أفترض أني مُفسدهم.
حسنًا أيها الأثينيون، عليكم الآن أن تقرروا إذا كنتم ستبرؤني أم لا. أيًا كان قراركم افهموا أنني لن أغير أبدًا طُرقي، وحتى لو كان عليّ أن أموت عدة مرات. فإن الحديث اليومي عما يجعلنا طيبين والتساؤل مع نفسي والآخرين هو أعظم عمل يقوم به الرجل. فالحياة بدون تساؤل لا تستحق العيش”.
جاري تحميل الاقتراحات...