184 تغريدة 120 قراءة Aug 29, 2020
برنامج سلمى جد مزدحم,لاشيء سوى الدراسة ليلا ونهارا,تلتقي بحكيم في نفس المكان الذي يقرب من الثانوية مسافة عشر دقائق,النادل يبتسم لهم كلما دخلوا.تمضي معه بعض الوقت في الحديث عن مشاكلها بالدراسة.كان يحفزها وهي بدورها ترفع من معنوياته بعد خيبات الأمل في البحث عن وظيفة.وقد أخبرها
أن وجودها حافز مهم بالنسبة له للتحسين من وضعيته.مع أنه أخبرها أنه لم يكن يظن يوما أنه سيتعرف على فتاة محجبة,ولا أقصر منه وأصغر منه سنا.كان شديد الوضوح معها وهذا ماكان يبعث في نفسها الارتياح.أخبرها مرة أن والدته منزعجة كلما عرفته ذاهبا ليلتقي بها. وتقول له :
غادي تلاقا بالخليلة؟! لم يكن يجيبها ويقبل رأسها فقط آملا في أن تغير رأيها يوما.سلمى لازالت متحفظة ولديها دائما شعور أن هذه العلاقة لن تستمر,لكنها كانت تحتاج للدعم النفسي الذي كان يوفره حكيم لها. أول مرة تسمع غزلا أحسته صادقا: عينيك قتالة.هذه الجملة لم تنسها سلمى أبدا.
لم يتعد اللمس بينهما لحظة السلام بالأيدي.حتى أنه في مرة كان يحدثها وإذا بها تغرق في سرحان تفكر ,وتفاجإت به يوقظها من أحلام اليقظة بضربة من ركبته في ركبتها تحت الطاولة,فانتابها شعور غريب لأول مرة في حياتها,كانت تلك أول رعشة كهرباء ,أيقنت من خلالها أنها فتاة طبيعية,وأن ذاك هو الحب.
وإذا تعذر لقاؤهما بسبب الامتحانات والدراسة,فقد كان يكلمها في هاتف المدرسة المخصص للتلاميذ.بدأ حكيم يصلي بانتظام أكثر,وأخبرها أنه يجب عليهما أن يتوقفا حتى عن المصافحة.الأمر لم يعد سهلا بالنسبة له,وهي فهمت قصده.أخبرها في الهاتف أن لديه خبرا مفرحا وسيء في نفس الوقت,ويريد مقابلتها.
الخبر الجيد:أن حكيما توظف أخيرا وفي مجال تخصصه,وأنها كانت قدم الخير عليه.الخبر الغير الجيد:أن الوظيفة في مدينة تطوان,ما يعني بالنسبة له الابتعاد عنها.فرحت كثيرا وكانت سعادتها ربما تفوق سعادته,حيث أنه بدا منزعجا كيف لم تتنبه سلمى أن هذا يعني أنهما سيبتعدان.حاولت سلمى أن تخفي
مشاعرها كالعادة,هذا ما كان ينتظره لسنوات من الصبر والمحاولة,وجاء وقت جني ثمار مجهوده.لا تريد أن تزيد من إحباطه وحاولت جاهدة أن ترفع من معنوياته.وإذا كان مقدرا لهما أن يستمرا فلا شيء سيوقف ذلك.وسيكون بمقدورها التركيز أكثر في دراستها فالطريق أمامها طويل.
اتصلت ياسمين بسلمى مجددا,وأخبرتها بأن تحضر معها اختبار حمل من الصيدلية.تفاجأت سلمى بالخبر حيث أنها كانت توصي سلمى بأخذ حبوب منع الحمل.حتى أنها استأذنت يوما من زوجها أن تأخذها للمستوصف القريب من منزلها ووافق بصعوبة.اقتنت سلمى اختبار منع الحمل من مصروفها وكانت محرجة جدا من
الصيدلاني.ليست معتادة على كل هذه المواقف. ولا تعرف كيف تتصرف.ذهبت لتلحق ياسمين قبل أن يعود زوجها للمنزل وكان عليها أن تعود بسرعة قبل أن تغلق أبواب المدرسة أبوابها.كان الاختبار إيجابيا مما جعل الاثنتين يدخلان في صدمة وذهول,لم تستفيق على إثره سلمى إلا عندما لاحظت أن الوقت غير
كاف للعودة إلى المدرسة من الباب الرئيسي.ماذا تفعل الآن,هل تعود للمدرسة وتدخل من الباب المؤدي إلى منزل خالها ومن ثم تخرج منه للداخلية؟أم تعود للمنزل وتتعذر بشيء لأبويها؟هي لا تريد أن تخرق القوانين,وما يسري على الجميع يسري عليها.هذا ما وعدت نفسها بالالتزام به.ذهبت سلمى إلى المنزل
وأخذت معها الاختبار الذي كان من المفروض أن ترميه بجرد خروجها من عند ياسمين.فهي لا تريد أن يعرف زوجها بأنها عملت اختبار من دون إذنه ولا حتى بمساعدة سلمى.
دخلت سلمى إلى المنزل ولم يكن والداها يتوقعان مجيئها.تعذرت بحاجتها للابتعاد قليلا من أجواء الداخلية لكن بدا عليها الارتباك.والداها لاحظا تغيرا في تصرفاتها مؤخرا وفي لبسها الذي أصبحت فيه ألوان ووقوفها أمام المرآة...كان والدها جالسا يقرأ الجريدة الأمازيغية بالتيفيناغ كعادته
وطلب منها الجلوس ليتحدث معها.كانت هذه أول مرة تكون لهجته في الكلام جادة وشديدة اللهجة.
أخبرها أن البنت شرفها هو كنزها وأنها يجب أن تكون يقظة ولا تثق بأحد.استغربت سلمى من حديث والدها وعندما سألت أمها علمت أن والدها كان له موقف مع إحدى بنات عمها,حيث علم أنها تخرج مع شاب ويشك أنه
اشترى لها هاتفا خيلويا.وأنه كان صارما معها في المكياج وأحمر الشفاه القاتم الذي كانت تستعمله.تنفست سلمى الصعداء حيث أنها شكت أنه على علم بعلاقتها بحكيم,واستغربت أكثر أن والدها أصبح بتلك الشدة التي لم تتوقعها منه.لكنها كانت تود لو تقول له أن الأوان قد فات لمثل هذا الكلام.كانت تتمنى
لو سمعت هذه التحذيرات من الذئاب وما شابه عندما كانت طفلة صغيرة وتظن أن كل الناس ملاكا.
قررت سلمى أن تذهب للمدرسة بدراجتها هذه المرة,فقد اكتشفت أن المدرس الذي يدرس المستوى الثاني والذي يجمع المتفوقين من الذين اجتازوا المستوى الإول بتفوق,كان الأستاذ الوحيد بالمدرسة الذي يستقل دراجة,وقد كان يضح مساكات الغسيل لسرواله حتى لا تشتبك بالعجلات,رغم أنه كان أنيقا ومهندما
لا تنقصه إلا ربطة العنق ليكون لباسا كلاسيكيا لا يتماشى مع كيوتنس الدراجة.كما كان البعض يتهكم عليها.وسمعت من خالها أن تلك السنة كانت آخر سنة عمل له بالمغرب ,فقد انتهى عقده حيث أنه آخر دفعة للأساتذة الفرنسيين الذين يعملون في التعليم العمومي عموما,وفي الثانوية بشكل خاص.كانت تلزمها
فقط دفعة بسيطة لتقتنع أنه لاعيب فيما تقوم به.الدراجة ليست حكرا لا على الأولاد ولا على اللباس الرياضي ولا على غير المحجبة.المظاهر في العاصمة تجعل الناس يعيشون عالما من الزيف,يتمسكون فقط بالقشور من الثقافة الغربية.لن يهمها تلقيح الكلام بعد اليومِ(هذي كهامش فلقصة😒)
لم تفطن أن اختبار الحمل لم يكن موجودا بمحفظتها إلا عندما وصلت إلى غرفتها لتضع دفاتر الحصة.ووجدت بدلها علبة من الفواكه الجافة كانت قد اعتادت والدتها أن تعطيها باستمرار.ارتبكت ارتباكا شديدا لكن لا وقت للتفكير الآن ورجب الاستعداد للحصة.تفاجأت سلمى بزيارة ابنة عمها وقت الغذاء,كانت
تلك أول مرة تزورها بالمدرسة.وقد كانت تريد أن تخبرها بما حصل لها مع والدها(والد سلمى)وأرادت أن تلقنها الأجوبة التي أخبرته حتى لا تنكشف كذبتها,وطلبت منها أن تؤكد له مبيتها عندها في الداخلية في اليوم الذي تورطت فيه.لكن سلمى أخبرتها أن الكذبة مستحيلة لأن أمر المبيت ممنوع أصلا,وأن
خالها قد يعرف بالأمر فتكبر الكذبة أكثر وتكبر معها الورطة.لم تقتنع ابنة عمها وظنت إنها تريد فقط أن تتهرب من مساعدتها في وقت هي في أمس الحاجة إليها.ذكرتها سلمى بكم الكذبات التي كذبت من أجلها سالفا وأنها سئمت من تصرفاتها.لكنها ستكون آخر مرة تكذب فيها لأجلها.
ترددت سلمى في الذهاب إلى المنزل في نهاية الأسبوع,إلا أن والدتها جاءت لتزورها وتخبرها أنها تقوم بزيارة لأخيها,وتلتحق بها في المساء في منزله.كانت تعرف جيدا موضوع الزيارة وماذا ينتظرها.على العكس من ذلك لم تفتح معها والدتها الموضوع,وقالت أنها جاءت لتطمئن عليها ما إن كانت تحتاج شيئاِ
وأنها تنتظر قدومها في عطلة نهاية الأسبوع.ما إن دخلت سلمى إلى المنزل نادتها والدتها وسألتها ماذا كان يفعل الاختبار في محفظتها, وأين أمضت الليلة مع ابنة عمها حتى تتعذر بالمبيت عندها في الداخلية.يبدو أن والدتها كانت في زيارة لخالها لتتأكد فعلا من كون ابنة عمها تكذب.لكن الأمور اختلطت
عليها عندما وجدت الاختبار في محفظتها.وقالت لها أنها لم تخبر والدها بعد وتريد أن تفهم منها أولا.أخبرتها سلمى عن قصة الاختبار وأنه يعود لياسمين.وعندما سإلتها عن ابنة عمها أنكرت أنها تعرف شيئا عن الموضوع.وطلبت من أمها أن تسأل ياسمين لتتأكد بنفسها.
قررت سلمى أن تخرج من هذه الأجواء المربكة التي تبعدها عن التركيز في دراستها,خصوصا وأن نتائجها لم تكن في المستوى المطلوب, وفي تدهور مستمر.قالت لوالدتها أنها ستغيب فترة عن المنزل لتركز في تحصيلها وستمضي عطلة نهاية الأسبوع في منزل خالها,والذي كان يراجع معها أحيانا بعد صلاة الفجر.
اكتشفت سلمى أن الجميع يعرف بقرابتها للمدير,بل إنهم يضحكون في وجهها ويطلقون عليها الإشاعات أنها جاسوسة له تنقل له الأخبار.وأنها ليست بالبراءة التي تبدو عليها وأن البعض منهم رآها وهي تدخن الحشيش وتتناول عقاقير مخدرة.كانت سلمى تعاني من مشاكل الأرق التي تجعل نومها متقطعا,لدرجة أن
النوم غلبها في امتحان الانجليزية.كانت تناقش أستاذ الفرنسية بشيء من الحدة عندما تتكلم عن جون بول سارتر ونيتشه...اكتشفت سلمى أنه من كان يروج هاته الإشاعات الطلبة الوافدين من مدن أخرى المكلفين بمراقبتهم ليلا والذين يقطنون بالداخلية مقابل عملهم هناك,ويدرسون بالكلية في مدينة العرفان.
لذلك أصبح الغالبية يرونها غريبة الأطوار.لكن البعض منهم والذين تقربوا منها يعرفون أن هذا الكلام غير صحيح.فعلت كل شيء لتتفادى مثل هذه الأقاويل,لدرجة أنها لم تكن تقول أي شيء لخالها سوى إن كان أحدهم بحاجة لمساعدة إما تقنية أو مادية للاستفادة من جمعية الآباء,خصوصا إن لاحظت منه التعفف.
وكانت تعرف بمبيت بعض البنات مع الأولاد في غرفهم أو العكس.لم تكن تتدخل وتحاول قدر الإمكان أن تبتعد عن المشاكل,حتى لا يضيع مستقبل إحداهن بسبب تصرف طائش.وكانت تسمع عن الذين يتفقون مع الحارس ليلا ويعطونه رشوة ليفتح لهم الباب بعد أن يعودو من الحانة.
ليس لديها الوقت لتفكر في هذا العالم الغير منصف,والذي يتحين كل مرة الفرصة للإجهاز عليها من كل جانب.كانت تستعين بالصبر والصلاة,والحب.
اجتازت سلمى السنة الأولى بصعوبة كبيرة,في حين أن ياسمين اقتربت من وضع حملها التوأم.وفي زيارة لها أخبرتها أن زوجها السايكو لم يتغير أبدا.كانت تعتقد أن حملها سيحنن قلبه عليها.حيث أنه في مرة كانت قد حضرت له شوربة للعشاء,وعندما ارتشفها لأنه كان مستعجلا احترق في شفتيه.
فغضب منها متهما إياها أنها كانت تتعمد ذلك (يعني إيذاءه)وأخذ الطنجرة التي كانت مليئة بما تبقى من الشوربة الساخنة وسكبها فوق فراش النوم ويجبرها أن تنام فوق الفراش حتى تحترق كما تعمدت حرقه.اندهشت سلمى للوضع الذي تعيشه ياسمين وتقبله على نفسها فانهارت أمامها لتحكي لها السبب الذي
يجعلها سجينة هذه الحياة البئيسة.
ألقاكم فيما بعد 👋
هناك سر كبير في حياة ياسمين لم تكن تعرفه سلمى.أخبرتها أنها عندما كانت طفلة,كانت الإدارة في المدرسة دوما ما ترسل في طلب والدها,والذي كان يجد صعوبة في تسجيلها بالمدرسة.لم تكن ياسمين تدرك تماما ما يحصل وكانت تظن الأمر مجرد إجراءات عادية يقوم بها كل الآباء.لكنها عندما وصلت إلى السن
الذي أرادت أن تقوم بذلك بنفسها,كان والدها يمنعها ويصر أن يفعل ذلك بنفسه حتى عندما وصلت للسنة الأولى من المرحلة الثانوية.عندما توفي والدها وأرادت أن تسجل نفسها في مدرسة التمريض.بينما كانت تبحث في الوثائق عن دفتر العائلة للحلة المدنية حتى تستخرج شهادة الميلاد,اكتشفت أنها ليست
من صلبهم ووجدت شهادة ميلادها الحقيقية بدون اسم عائلي وحتى شهادة أخيها.الاثنان ليسا أخوين وليسا ابنيهما.كان والدها لا ينجب أطفالا وقرر أن يتبناهما وينسبهما له.ووجدت أيضا أن عنوان الملجإ يقع بمنطقة تابعة لشرق المغرب,حيث تقطن باقي العائلة.وبدأت تفهم لماذا لم يكونوا يقومون بزيارة
عائلتهم وتقريبا يقاطعونهم.استنتجت أنه ربما رفضت العائلة خطوة أبيها في تبنيهما,مما اضطره إلى الابتعاد عنهم وتكوين أسرته في العاصمة.حتى أن البعض منهم عندما جاؤوا ليبحثوا عن الميراث بعد وفاته,وقعت بينهم وبين والدتها مشادة,وعندما تدخلت لتدافع عن والدتها حيث أن والدها كتب المنزل
باسمها بيعا وشراء موثقا,ردت عليها إحداهن :أنت غير سكتي مدخلكش في الموضوع.فأمرتها والدتها أن تخرج لتشتري شيئا للمنزل حتى تبعدها عن النقاش.قالت أنها كانت تشك إن الأمر غير طبيعي,لكنها عندما وجدت الأوراق الثبوتية فهمت كل الحقيقة.ترددت كثيرا أن تخبر والدتها لكنها لم تستطع.فأخبرت
أخاها بعد تردد دام مدة طويلة,فأخبرها أنه يعرف الموضوع أيضا وقد اكتشفه بنفس الطريقة.وقرروا ألا يخبروا والدتهم التي كانت تعاني من السكري,وكانت تقريبا مقعدة.وعندما تقدم السايكو لخطبتها وقررت أن تتزوج به,ذهبت لتسأل إمام مسجد ما إذا كان من الواجب عليها أن تخبره قبل الزواج,وقال لها
أن الاختيار يعود إليها وأنها ليست مجبرة على ذلك.لكنها في قرارة نفسها لم تكن تحس بالارتياح,أن تخفي سرا كبيرا كهذا ثم يكتشفه بعد ذلك ويطلقها إو يؤذيها.وعندما أخبرته بدأ يهددها بالفضيحة إن لم توافق على الزواج منه,حيث كانت تتردد عندما اعترضت سلمى على هذه الزيجة وكانت تشجعها على أن
تعطي فرصة للطبيب أو المحامي.و قد كانت فعلا تميل للمحامي لأن مركزه ووظيفته وخلقه وحبه الكبير لها,يجعلان منه زوجا مثاليا .لكنها كانت تخاف بحكم وظيفته وتعامله مع الأوراق أن يكتشف ذلك.لكنها كالبلهاء طبعا قررت ألا تخبر المحامي بسرها وتخبر السايكوباثي المتعجرف.
وكان حتى من نفس النواحي التي تنحدر منها وعمليا احتمالية أن يعرف بالموضوع أكبر.لذلك فهو دائما عندما يغضب ينعتها ببنت الحرام.ثم يعود ليبكي فوق ركبتيها ويطلب منه أن تسامحه.وعندما يحاول أخوها التدخل يهدده بالشيك.سلمى عرضت عليها المساعدة وقالت أن المبلغ يمكن أن تجمعه وتستلفه,فليس
مبلغا كبيرا أبدا يستحق كل هذه المعاناة.ثم إنه خطأ يجب إن يتحمله أخوها,لماذا عليها أن تدفع ثمن تهوره.قالت لها أنه لا أحد سيبقى مع والدتها المريضة والتي تحتاج لرعاية إذا ما حصل مكروه لأخيها.وهي التي ربتها ومهما كانت قاسية وتنعتها ببنت اليهودية,كانت تحن عليها ولا يمكن أن ترد
الجميل بطعنة كهذه.
يتبع
الوقت لم يكن مناسبا للوم,لماذا لم تخبرها بالسر منذ البداية وكانت سلمى لديها معارف كثيرة قد تستشيرهم في الأمر,فدائما ما كانت تقول لها أن لكل مشكلة حلا.إلا أنها كانت تريد جوابا لسؤال تبادر إلى ذهنها,فقد تستفيد من تجربة ياسمين فيما يخص السر الذي تخفيه عن حكيم,أو تتجاهل التفكير به.
سألتها ماذا لو كانت تعرف بكل ما سيحصل لها الآن,هل كانت ستقدم على الزواج بالأستاذ السايكو حتى بعد أن كان يقبلها ويلمسها كما أخبرتها في السابق؟رغم أنه سؤال في غير محله,حيث أن مادفعها للقبول هو الخوف من فضيحة النسب أكثر.أخبرتها ياسمين بكل جرأة أنه حتى لو كانت فقد عذريتها معه قبل
الزواج,لم تكن لتقدم على شيء كهذا.وضعت ياسمين حملها,حيث كان توأم طفلتين جميلتين تشبهان أمها تماما.وطلبت منه أن تذهب عند والدتها,حيث أن زوجة أخيها قد تساعدها في العناية بالطفلتين.رغم أن هذه الأخيرة لم تكن إلا عذرا حيث أن علاقتهما لم تكن بذلك القدر من الودية.وافق السايكو لأنه تعب من
صراخ البنتين وكان الأمر يسبب له الإزعاج.ياسمين كانت تخاف على صحة البنات,المنزل لم يجدد أبدا وآثار الرطوبة في كل الجدران.طلبت منه أن يحاول تجديده في فترة إقامتها في منزل والدتها.تدهورت الحالة المادية للأستاذ حيث أنه كان يصرف أمواله على الكحول,وكان يتغيب كثيرا عن العمل.وفي زيارة
لها عند والدتها وهو مخمور وقعت مشادة بينه وبين أخ ياسمين,الذي بالمناسبة بدأ عملا منتظما وأصبح أكثر مسؤولية منذ زواجه.دفع السايكو الشيك ورفع دعوى ضد أخيها,وعندما كانت سلمى في زيارة لمنزلهم أعطتها سلمى رقم هاتف المحامي الذي كانت تعرفه لتتصل به وتسأله ما إذا كان يستطيع التدخل و
تقديم يد المساعدة.
فوافقت سلمى لكنها كانت مترددة حيث طلب منها المحامي أن تلتقي به في مقهى فندق المسافر ,الذي يقع قرب محطة القطار بأكدال.هل تخبر حكيما وتطلب منه أن يرافقها ,لا تريد أن أن يراها أحد وتصله أخبار أنها تعطي مواعيد للشبان في محطات القطار.وأنها ليست أول مرة كما تدعي.
فقد تعودت أن تتبعها الشبهات والتلفيقات أينما ذهبت حتى وإن حاولت أن تتقي تلك الشبهات.لكن ياسمين كانت مصرة على كتم السر,فحكيم يسكن بالمنزل المجاور وهي لا تريد أن تشيع أخبارها ,رغم أنها تثق بحكيم ولد الناس,إلا أنها لا تريد المجازفة.قررت سلمى أن تأخذ معها بنت عمها فهي أكثر جرأة في
مثل هذه المواقف,ولطالما ساعدتها وحان الدور عليها لتقدم لها خدمة بالمقابل.
وافقت ابنة عمها لكن سلمى لم تعطها الكثير من التفاصيل عن الموضوع,قالت لها أن صديقتها بحاجة إلى مساعدة من ذلك المحامي وهي مجرد وسيطة.ثم اتفقت معها على الموعد الذي ستلتقي بها في منزلهم في أكدال,وذهبتا مشيا لأن المحطة ليست بعيدة.دخلت سلمى وابنة عمها إلى الفندق متوجهة إلى المسبح حيث
أخبر المحامي ياسمين أنه سيكون بانتظارها.لم تكن تعرفه إلا من المواصفات التي أعطتها ياسمين,طويل وأسمر.فإذا به يلمحها ويبدو أنه تعرف عليها أيضا,فوقف وأشار إليها بيديه للجلوس.بعد السلام وسؤاله عن أخبار ياسمين ,عبر عن أسفه الشديد لما يحصل لأخيها وأراد أن يعرف المزيد عن حياة ياسمين.
إلا أنها غيرت الموضوع وأخبرته أنها مستعجلة.خصوصا أن المكان بالنسبة لها كان غير مريح وكان الناس يحتسون كحولا.أعطاها مظروفا للمبلغ المالي الذي كان سببا في الشكاية,وقال لها أن هذا مايستطيع أن يقدمه لها كمساعدة.أخذته وشكرته وانصرفت.سألتها ابنة عمها بعدما سمعت بعضا من التفاصيل في
حديثها مع المحامي:مادام الأمر هكذا بمقدوره أن يعطي هذا المبلغ بسهولة,أليس من الأرجح أنه كان أعطاك موعدا في مكتبه؟أكيد لديه مكتب لما رأت عليه من آثار النعمة.لماذا مكان فوق المسبح ولم يطلب حتى قهوة,لا بد أنه كان يشرب خمرا وأراد استدراجك لربما تكونين الصاحبة البديلة لياسمين.
لم تخطر هذه الأسئلة كلها في ذهن سلمى رغم أنها فعلا لم تكن تحس بالارتياح,وأخبرتها بما أحست به وأن ذلك هو السبب الذي جعلها تطلب منها مرافقتها.أعطت المظروف لياسمين وطلبت منها أن تقدر الظروف التي تمر بها في الدراسة وأنها تحتاج للتركيز.أحست ياسمين بالإحراج واعتذرت من سلمى ووعدتها أن
لا تزعجها مجددا وتتركها تركز في دراستها.عادت سلمى إلى حياتها الدراسية وقررت أن تعتذر لياسمين أو أي أحد آخر ,فقد حان الوقت فعلا لأن تفكر في نفسها وحالها قليلا.وتبتعد عن كل ما يزيدها هما فوق همومها.لكنها بالمقابل بدأت تفكر كيف ستخبر حكيما عن السر,كيف أصلا لم تفكر في الأمر.ربما
لأنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن القصة لن تكتمل بسبب رفض والدته لها.وهي أصلا دائما مستعدة لذلك ولن تضعه في موقف هي نفسها لا تحب أن يضعها أحد فيه. قررت أن تتريث وفكرت في أن تستشير الطبيبة التي كانت تعمل حاضنة لأطفالها,وتحكي لها القصة كأنها تستشير لإحدى صديقاتها,ربما تجد لديها
جوابا أو حلا لم تفكر فيه أو يخطر على بالها.وكانت تثق في الطبيبة وفي خبرتها في الحياة,ووعيها وعقليتها المنفتحة.
بينما شارفت السنة الدراسية على نهايتها,وجدت سلمى أنها بعيدة تماما عن المستوى المطلوب وينقصها الكثير لتلحق بالأهداف التي سطرتها للتحضير للمباراة التي ستجتازها.استعان خالها ببعض الأساتذة لمساعدتها,فوجدوا أن لديها مشكلة في التركيز.فعندما يجلس معها الأستاذ لا تجد مشكلة في حل المسائل
لكن عندما يأتي موعد الامتحان,كأن العمى يصيبها في الذاكرة.ونفس المسألة تكررت مع الكثير منهم واتفقوا كلهم على شيء واحد.لم يكن يعرف ماذا يحصل وكان يشجعها طوال الوقت أن تثق بنفسها أكثر حيث أن ثقتها بالقدرة في المواصلة بدأت تهتز فعلا.حتى حكيم لم يعد يتصل وانقطعت أخباره.عندما عادت
للمنزل في آخر عطلة قبل التحضير النهائي للمباراة التجريبية.كانت ياسمين بانتظارها لتخبرها أن والدة حكيم قد زارتهم لتبارك لها على بناتها رغم أن ذلك كان متأخرا.وأخبرتها أنها ستزوج حكيما بابنة قريبتها وهي موظفة ومتقاربين في السن.وأن تقول لسلمى أن تنسى الأمر تماما فهو بحاجة لزوجة
موظفة.وكانت تلمح بظروف أبيها ومستواه المعيشي.وأنهم عروبيون وسيتزوج عروبية مثله.حاولت ياسمين أن تشرح لها أن وضع سلمى مختلف وأنها عندما تتخرج ستتوظف وشكرت في أخلاقها.لكن أمه كانت واضحة جدا ولم تترك أية فرصة للنقاش.أحست سلمى بإحساس واحد ووحيد: الحكرة والعنصرية.لكنها استحضرت إحساسها
منذ البداية,وتقبلت الشق المتعلق بالمكتوب لهما,وكون رضا الأم إهم من أي شيء آخر.لكنها لم تتقبل أبدا طريقة تناول حكيم للموضوع بالاختفاء وعدم المواجهة.كانت تستحق منه أكثر من ذلك,فهو يعلم جيدا أنها لن تقف أمام رغبة والدته وقد كانت تقول له ذلك.لكن وصلها فيما بعد أنه أمضى 3 أشهر
معتكفا لا يخرج إلا للمسجد الذي لم يكن يذهب إليه في السابق إلا في الأعياد أو الجنائز.وأنه لن يجد فتاة مثل سلمى في حياته.يبدو أن الصدمة كانت شديدة لدرجة أن سلمى لم تحس بما يحصل,وكأنها تنكره ولم تغرق بالبكاء كما يفعل البنات غالبا في مثل هذه المواقف.كانت تريد أن تذهب لمكناس لتجتاز
امتحانا لمدرسة عليا لم تكن تحتاج لمباراة,حتى تؤمن بديلا آخر,خصوصا وأن زميلة معها ستذهب أيضا وشجعتها على هذه الخطوة.ذهبت لتحضر نفسها للسفر رفقة زميلتها ووالدها في سيارته,وتركت التفكير في الموضوع كعادتها جانبا.
اجتازت سلمى الامتحان وعادت لتحضر ما تبقى للامتحان.ولم تكن تغادر الداخلية ولا تريد أن تسمع أي شيء من أحد.أصبحت منطوية على نفسها لدرجة أن الجميع لاحظ ذلك,وعادت للبس الألوان الكئيبة والتي يغلبها السواد.اجتازت سلمى المباراة ولم تحصل إلا على مقعد بمدرسة واحدة لا تروقها كثيرا.
وبينما كانت تفكر في أن تكرر السنة لتعمل على نتائج أفضل,وصلها الجواب عبر البريد على المدرسة التي كانت بمكناس بأنها اجتازت الاختبار بنجاح,لكن الرسالة جاءت متأخرة و فاتها وقت التسجيل المحدد.أخذت الجواب وكتابها الوردي الذي كان مسودة لخطاباتها لحكيم وتحينت فرصة خروج والدها ولم يبق
أحد بالمنزل,وأضرمت فيها النار.وقبل أن يخرج والدها حضنته حضنا كبيرا ,حتى أنه شك في تصرفها وبدأ يطمئنها أن الخير فيما اختاره الله وأجابته بإيماءة رضا ثم انصرف.ذهبت إلى غرفة والدتها وأخذت كل العقاقير التي تتناولها والدتها منذ سنوات من إجل مرض الأعصاب الذي كانت تعاني منه واستلقت
في فراشها,تنتظر الرحيل.
يتبع لذوي النفس الطويل,لكنه جزء جديد,لن تعرف فيه سلمى القديمة.سلمى القديمة ماتت,وظهرت سلمى جديدة بفصول جديدة..فكل من تعاطف معها في البداية,قد يكرهها في هذا الجزء..وللقارئ المحافظ, أعتذر منه وأطلب منه الانسحاب..ليس هذا الكلام للتشويق وإنما هي الحقيقة والرغبة في فضح الفصام في
مجتمعنا والذي يولد الفصام في نفوس الناس..والمجتمع أقصد به أنا وأنت وهو وهي..وكل من يعتبر نفسه شرطيا للفضيلة ويحمل مشعل التغيير الأخلاقي..ابدأ بنفسك أولا ثم حاسب غيرك..
أنا كاعية وأعبر عن كعيتي
عدنا وبقوة..
بينما كانت مستلقية أدركت سلمى أنها أقدمت على تصرف جبان,استذكرت كل شريط حياتها في ثواني وأدركت أنها كانت أكثر شجاعة عندما تعرضت للحادث المؤلم في طفولتها..ذهبت إلى الحمام ووضعت أصابعها في فمها تحاول أن تتقيأ ما ابتلعته.
في تلك الأثناء سمعت والدها يفتح الباب,لقد نسي شيئا ما وعاد لاسترجاعه(هذا ما قاله فيما بعد,لكنها كانت تدرك أنه عاد ليطمئن عليها لأنه أحس بشيء غير طبيعي في تصرفات سلمى,ومن ألطاف الله عليها)سمعها وهي تبكي بحرقة في الحمام محاولة التقيؤ..ووجد علبة الدواء الفارغة.
.ففتح عليها الباب محاولا مساعدتها.ارتبك والدها وبدأ يبحث عن هاتفه ليتصل بالإسعاف,لكنها قاطعته وطلبت منه أن يتصل بالطبيبة ويخبرها ,وقد كانت قريبة أمها.سألته الطبيبة عن اسم الدواء الذي تناولته سلمى,وما إذا كانت قد بدأت تحس بالوجع, وأعطته التعليمات أن تحاول أن تتقيأ ما استطاعت,
وتأكل قطعة فحم إن كان متوفرا, في الطريق إلى المستشفى الخاص الذي تعمل به,وسيلتقيان هناك. طلبت منه ألا يخبر أحدا بالموضوع وأن يسأل عنها وهي ستتكلف بالموضوع.
وجدت سلمى الطبيبة بانتظارها وقد كانت بالكاد تستطيع أن تقف على رجليها...
أخذتها إلى غرفة صغيرة بالمستشفى وعاينت ضغطها ودقات القلب,ثم عملت لها غسيل معدة وركبت لها المحاليل و طمأنتها أن كل شيء سيكون على مايرام وتركتها لترتاح وطلبت من والدها أن تتحدث معه بالخارج.خرجت سلمى من المستشفى هي ووالدها برفقة الطبيبة في سيارتها وأخذتهما إلى المنزل.وقالت لها أنها
تريد أن تتحدث معها حينما تحس بتحسن.
وجدت والدتها وأخاها بانتظارهما,فحضناها حضنا وحمدوا الله لعودتها بالسلامة.لا أحد منهم تكلم عن الموضوع أو حاول أن يسألها أو يعاتبها حسب تعليمات الطبيبة.وتركاها تستلقي في فراشها,وكلما ذهبت إلى الحمام كانوا يطمئنون عليها.وفي اليوم الموالي ذهبت برفقة والدتها عند الطبيبة في عيادتها
الخاصة.طلبت الطبيبة أن تراها بمفردها بعد استئذانها من أمها.كانت الطبيبة هادئة جدا وكان كلامها مطمئنا يبعث الارتياح في نفس سلمى.أخبرتها أنها ليست مجبرة أن تخبر ها بالسبب الذي جعلها تقدم على شيء كهذا وأن والديها لن يعاتباها,لكنها طلبت منها بالمقابل أن تزور طبيبا زميلا لها وقد
أعطت عنوان عيادته لوالدتها.ووعدتها أنها لن تخبر أحدا في العائلة بما يحصل إلا خالها وهو متفهم بطبعه وسيقدر الأمور وقد يحتاج الأمر إلى مساعدة منه.شرحت لها عن الأخصائي النفسي وعن الطب النفسي عموما وأنها كانت تتابع هي بنفسها لديه.وأنه علم كأي العلوم الأخرى ولا حاجة لأن تكون محرجة
من الذهاب إليه.وبدوره هو لن يخبر أحدا لأن ذلك من أخلاق مهنته بل والركن الأساسي الذي ترتكز عليه ممارسة الطب النفسي.أحست سلمى برغبة في أن تحضن الطبيبة,فهي لم تجد قط مثل هذا الدعم النفسي من قبل,ومن شخص واسع المعرفة ومنفتحا..وأخبرتها الطبيبة بالمقابل أنها ستكون دوما رهن إشارتها
وشكرتها بالمقابل على المجهود الذي كانت تقوم به مع ولدها الذي كان يعاني من نوبات عصبية,وكيف استطاعت أن تتعامل معه في حين هي نفسها كانت تجد صعوبة في ذلك.عادت سلمى إلى المنزل رفقة والدتها وقد استعادت الكثير من الثقة في نفسها. وقررت أن تخبر والديها ببعض الحقيقة.حتى تطمئنهما قليلا
ويسترجعا أنفاسهما..فهي تدرك تماما ماكانا يحسان به من الخوف عليها خصوصا أنهما يجهلان ما الذي جعلها تصل لهذه المرحلة دون أن يتنبها,والأكيد أن كل واحد منهما يلوم الآخر..
أخبرتهما سلمى بقصة حكيم وكيف أنها أحست بالإحباط عندما انهارت مشاريعها وأحلامها في الدراسة.فاختلطت عليها الأمور خصوصا من تصرف والدة حكيم,التي كان من الممكن أن تعتذر بشكل أكثر لطفا بدلا من أن تعيرها بالفقر,وهي حتى لا تعلم ظروفهم. عاتبتها والدتها أنها لم تخبرها منذ البداية لكانت
نصحتها..وأنهم لا يستحقونها .والدها قرر أن يرحل مجددا من المنزل لئلا تصادف حكيما مجددا,واتصل بصديقه الذي كان يقطن خارج البلاد هو وعائلته,وطلب منه أن يكتري لديه البيت الذي كان قد عرضه عليه في السابق عندما مر بكل الظروف الصعبة.وكان يعتني والدها بالبيت في غيابه.البيت عبارة عن فيلا
تقع في حي أرقى,بمقربة من البيت الذي كان يبنيه مع أصدقائه وأفراد عائلته في تعاونية.ندم على رفضه لعرض صديقه تعففا لكن الوقت لم يفت بعد لإعادة ترتيب الأمور من جديد.لم يبخل عليه صديقه بل ورفض أن يأخذ منه أي مبلغ ,وذكره أنه هو من وقف بجانبه عندما أراد أن يهاجر خارج البلد.الحي الجديد
هادئ وبالمنزل حديقة جميلة,كان يعتني بها والدها .رغم أنه كان كبيرا على ما تبقى لهم من أثاث المنزل,إلا أن شرفة غرفة سلمى كانت تطل على منظر جميل وهادئ.وكانت فرصة لها لتقضي عطلة الصيف هي وأسرتها في هدوء بعيدا عن المشاكل والصديقات,وتفكر فيما ستفعله في دراستها.
ذهبت سلمى لزيارة خالها الذي أرسل في طلبها,وتحدثا قليلا عن مشاريعها في الدراسة.وأخبرته أنها تفكر أن تكرر السنة للعمل بشكل أكثر تركيزا على تحصيل مقعد أفضل في مدرسة أخرى.وأنها تفكر أيضا بمدارس في فرنسا,الشيء الذي لم تضعه في اعتبارها بالأول.لكنها أبدت اعتراض والدها على هذه المسألة
وخوفه .خالها كانت لديه وجهة نظر مختلفة,كونه متخصصا نصحها بأن تفكر مليا في الأمر,وتسارع بالتسجيل في المدرسة التي حصلت عليها في الدار البيضاء,خصوصا وأنها لا تقل حظوظا ,وأن الترتيب الذي يتنافسون عليه يتغير فقط بتغير فرص العمل وليس بالضرورة مرتبطا بالمستوى.وتركها تفكر بالأمر وذكرها
أن تذهب لتزور الطبيب النفسي الذي اقترحته عليها الطبيبة.ذهبت سلمى رفقة والدها لتزور المدرسة وأعجبها برنامج المواد الذي تقترحه والداخلية التي كانت فيها خدمة شبيهة بخدمة الفندق من تنظيف للغرف كل يوم وملاعب بما فيها تنس..ومكتبة كبيرة و معامل للأعمال التطبيقية ضخمة و على مستوى عالي.
ارتاحت سلمى لهذا الاختيار,لم يعد لديها متسع لمزيد من الضغوط النفسية وربما حسب ما قال والدها,الخير فيما اختاره الله.تسجلت سلمى في المدرسة وبدأت تستعد لبدء صفحة جديدة في حياتها وترمي كل ما سبق وراء ظهرها.وبدأت تذهب عند الطبيب الذي لم يكن يستعمل أدوية في علاجه.
علم خال سلمى الأكبر المتغرب والذي كان يرسل طفلتيه لسلمى كل صيف تعتني بهما وتعلمهما العربية,أنها انتقلت للتسجيل بالمدرسة الجديدة,فأرسل لها حقيبة مليئة بالهدايا والملابس و لابطوب وبعض الأجهزة الالكترونية الأخرى,ووعدها بأن يرسل لها مبلغا كل شهر قيمة مصروفها.واشترى لها والدها هاتفا
لتتواصل معهم,وأهدتها الطبيبة مجموعة من الكتب.كانت سلمى سعيدة بالحب الذي غمرها به الجميع,وكأنها أخيرا تجني ثمار بعض من الخير الذي صنعته في مساعدة من حولها بالاعتناء بأطفالهم.اكتشفت أن المدرسة بها طلاب وافدون من كل المدن طبعا,ويدرس معها تقنيون متخصصون نجحوا في مباراة تنظمها ا
المدرسة لفائدة الطلاب التقنيين الذين يدرسون بنفس المؤسسة.كانت تقتسم غرفتها مع بنت من شمال المغرب ومحجبة,رغم حدتها في التعامل إلا أنها تعرف تحترم حدودها في التعامل مع سلمى.بدأت سلمى بالتعرف على كل البنات في الداخلية ومن كل المدن..حيث أنها لاحظت فيما بعد أن التكتلات بدأت في الظهور.
وهي كعادتها لا تحب ذلك,وكانت ترفض عندما يطلب منها الوافدون من العاصمة ألا تختلط بالطلاب الوافدين من شعبة التقني الذين ليسوا بمستواها كما يقولون..وبالوافدين من مدن أخرى..تاني اللوبيات والفروق والعنصرية.يبدو أن ما يقال عن الرباطيين(الذين ليسوا رباطيين في الأصل)يحسون بشيء من الفوقية
بوشعيب هو المسؤول عن الداخلية وكان ذو شارب كبير ولا تراه مبتسما أبدا وصارما.وكانت الأبواب تغلق في الثامنة مساء.بدأت الدراسة رغم أن سلمى لم يكن يروقها مستوى الأساتذة في مواد التخصص,وكانت تدقق في بداية الأمر إلا أن المواد العامة للتسيير كان يدرسها أساتذة ذوي خبرة عالية والدراسة
سهلة ومريحة مما يحقق بعضا من التوازن.كانت تحاول أن تحافظ على روتين الرياضة قدر الإمكان.فيما كانت البنات والأولاد يكونون علاقات,كانت سلمى تفكر كل ليلة فيما حصل لها وتحاول أن تطرد الأفكار السلبية من رأسها.وبدأت تفكر في ممارسة رياضة للفنون القتالية,وفعلا تسجلت في قاعة مسافة طاكسي
للكونغفو,أرشدها إليها طبيب الرياضة في المدرسة.لدى سلمى عائلة كبيرة في الدار البيضاء,وعندما علموا أنها تدرس هناك كانوا يتصلون بها لتقضي عندهم عطلة نهاية الأسبوع.كانت سلمى ترفض الذهاب لما لديها من ذكريات سيئة في التحرش مع أبنائهم الأغنياء المتعجرفين.لكنها لا تفلت فرصة الذهاب عند
خالة أمها الأرملة,والتي كانت تسكن بمنزل صغير تمتلكه في حي بسيط جدا,رغم أن المسافة طويلة جدا وتحتاج لتركب مواصلتين,لكنها كانت ترتاح جدا في منزل خالتها وابنها الأكبر وابنتها التي كانت من نفس سنها.ابن خالتها متذمر ويريد الهجرة حيث أن والده المتوفى كان مهجرا في فرنسا.وكان يحاول
جاهدا إن يستخرج أوراقا للذهاب رغم أنه لم يكمل تعليمه.وفي يوم كانت خالتها غائبة عن المنزل,وكانت هي وابنة خالتها تتفرجان في فيلم,إذا بأخيها يستقبل في المنزل سيدة بسيارتها في الغرفة الأخرى.وكان المنزل ضيقا وتسمع كل شيء.لكثرة ماكان يتذمر أن وضعه غير طبيعي وأنه مسحور ,بدأ يطرق
باب الدجالين والعرافات.خرج للحظة وطلب من أخته أن تحضر له المزيد من ألدون,هذا الذي يغلونه ثم يصبونه في الماء ويبدؤون بقراءة الطالع.فيما كانت أخته تتحضر لتخرج,بدأت تطل عليهم لترى منظرا لأول مرة تراه بحياتها لكنها كانت تسمع عنه.لكنها استغربت من لبس الدجالة الأنيق وتصفيفة شعرها
وكونها تملك سيارة تسوقها.رمقتها الدجالة وقرأت في وجهها الاستغراب وطلبت منها أن تحضر المزيد من ألدون وستقرأ لها الطالع هي وابنة خالتها مجانا.رفضت سلمى رفضا قاطعا باتا واستغربت كيف أن الخرافات سيطرت عليهم دون الحديث عن الشرك وما شابه.ووعدت ألا تخبر أمهما لكن الدجالة أصرت أن لديها
سر كبير تخفيه عن الجميع, وأنها ملبوسة,وأنها ستأتي بنفسها إليها وتطلبها بنفسها.
عادت سلمى إلى الداخلية وقررت أن تخفف الزيارات وتركز في دراستها ورياضتها وطبيبها النفسي..وكانت تذهب إلى السينما لترفه عن نفسها أحيانا..مر الوقت وبدأت سلمى تحلم أحلاما غريبة,وبدأت تتذكر قصة zina بطلة
قصة الطاهر بنجلون التي قرأتها,والتي تشبه قصتها فيما تعرضت له في صغرها وقصصها مع الدجل والمشعوذين والجن وكل العالم السفلي..أفكار جديدة بدأت تخترق عقل سلمى رويدا رويدا وفضول كبير لاكتشاف هذا العالم الغامض والمجهول..
الطبيب النفسي لسلمى كان متزوجا بالمساعدة التي كانت أصولها سورية,والتي كانت تتعالج عنده بسبب حروق في النصف الشمالي من وجهها.وكانت لديه أيضا مساعدة تقوم بجلسات مساج بدل الانتظار في القاعة لتهييء المريض,فالجلوس في الانتظار يزيد من توتر الناس ومن إحساسهم بالانزعاج أمام الغرباء.
كان يستعمل تقنيات غريبة في البداية تبدو لسلمى عبيطة,لكنها فعلا كانت تؤتي أؤكلها مع مرور الوقت.ففي تشخيصه الأول عندما سألها ماذا كانت تحس عندما تسمع بشخص تعرض لنفس ما تعرضت له أو بالتوتر في موقف ما,أخبرته أن يداها تتعرقان وترتعدان وأن حلقها ينشف.فبدأ يعلمها طريقة التنفس لعدد
محسوب من الدقائق حتى تحس بالتعب وعدم القدرة على التنفس,وتظهر عليها نفس الأعراض.ثم بعد ذلك تبدأ في الاسترخاء وسماع أشرطة الموسيقى الخاصة التي كان يعطيها بالترتيب,ثم تتمشى لخطوات وتستلقي في مكان مريح على ظهرها,وإن غلبها النوم فذلك يدل أنها تتحسن وتعالج حتى مشكل الأرق.الفكرة أنها
لا يجب أن تكون تحت سيطرة عقلها المشوش عندما تحس بالتوتر الشديد,وأنها يجب أن تتدرب وتطوعه حتى تصل إلى حالة تمكنها من التحكم فيه وليس العكس.والمسألة تأتي بالتدريج والتعود.وقد شجعها كثيرا عندما علم أنها تمارس التايتشي مع مدربة الكونغفو.في خلاصة,أخبرها أن حكايتها
تشبه الكثير من الحكايا التي سمعها في عيادته.وأنها ربما اليوم تقع في الوحل وتحس بالاتساخ ثم تنهض وتقع مرة أخرى إلى أن تصل إلى الضفة الأخرى.وللإجابة على السؤال لماذا أنا وماذا فعلت لكي يحصل لي كل ما يحصل؟!أخبرها أن هناك حكمة وراء كل شيء في الحياة,وأنها قد لا تدركها الآن,لكنها
عندما تصادف مشكلة كبيرة في المستقبل,لن تكون مثل الفتاة التي كانت حياتها هادئة وبسيطة إلى حد ما,والتي قد تنهار وتتباكى وتستسلم بسهولة.فين حين أنها ستعرف جيدا كيف تتصرف وقد يبدو لها الأمر تافها.حزنت سلمى حزنا كبيرا عندما علمت أن الطبيب سيقفل عيادته ويعود لسويسرا حيث تخرج,لأن
عيادته لم تلق نجاحا كبيرا وسط الأطباء الذين كانوا لا يستعملون إلا وصفات العقاقير المخدرة.لكنها كانت دوما تتذكر نصائحه التي تزيد من ثقتها في نفسها وتعطيها الأمل لمواجهة ما ستتعرض له مستقبلا.
يتبع
غرفة سلمى تقع آخر الممر,وكان لدى زميلتها مشاكل كبيرة في تساقط الشعر,واستأذنت من سلمى أنها تستعمل وصفات البصل الذي كانت تطحنه طريا مع بعض الثوم أحيانا وتضعه فوق فروة الرأس.واعتذرت منها لما كان يسببه ذلك من انتشار رائحة البصل في الغرفة الصغيرة.وقد استعملت كريمات كثيرة لم تجد نفعا.
وكانت قد طلبت منها في البداية ألا تخبر أحدا بالأمر كونها محرجة.وطمأنتها سلمى واتفقت معها أن تعلمها مسبقا عن الأوقات التي تود فيها أن تقوم بهذا الأمر حتى تترك لها الغرفة لتاخذ راحتها.كانت البنات يشتكين من طريقة تعامل زميلتها حتى صديقاتها الشماليات اللواتي يعرفنها منذ الثانوية
لكن سلمى لم تجد أية مشكلة في التعامل معها,هي فقط صريحة وجدية في التعامل ولا تحب اللف والدوران.ومؤدبة جدا و تضع حدودا في التعامل.في خلاصة,لم تجد سلمى أية مشكلة معها في الغرفة.كانت لدى سلمى شعبية كبيرة في المبنى,فبمجرد ما تسمع البنات صوتها في الممر ,كنت الغرف تفتح وتجرها البنات
لتثرثر معها.ويستمر الأمر هكذا في الغرف حتى تجد سلمى نفسها في غرفتها مليئة بالحكايات.وإذا ما أرادت بنت أن تستعير شيئا من أخرى تأتي عند سلمى لتتدخل لها.لكن عندما يكون مزاجها معكرا أو محتاجة لعزلة,فقد كانت تلصق في الباب ورقة "لا للإزعاج ولا حتى بطرق الباب".كان الأمر غريبا بالنسبة
لهن إلا أنهن اعتدن مع الوقت على مزاجيتها الغير مفهومة أحيانا,وأطلقوا عليها لقب"esprit gawri".كانت جريئة في أخذ المبادرات في الأنشطة التي تقوم بها المدرسة,ونظمت مباراة لكرة القدم للفتيات,وكونت فريقا للعب كرة اليد للمشاركة في مسابقات,حتى أنها تكلفت بكتابة عريضة لجمع التوقيعات
للطلب من الإدارة لاستغلال الجزء من المبنى الذي يقع تحت الدرج وكان يستعمل سردابا,لطلائه واستعماله كمسجد لعدم وجود مسجد لصلاة التراويح.كان بعض الأساتذة يتضايقون من جرأتها الزائدة في نقاش بعض المواضيع التي تتعلق بالمنهج.وكانت تدرك أن الإدارة منزعجة من تصرفاتها.
وفي يوم كلمتها ابنة الخالة في الهاتف وطلبت منها مساعدتها في الحديث مع شاب عبر الشات.وقد كانت تريد أن تعرف رأيها فيه لأنه يبدو مؤدبا وجادا.ابنة خالتها إنسانة حساسة جدا ,تهتم بأناقتها وبدراستها ومكافحة ومتأثرة كثيرا بوفاة والدها الذي لم تعاشره كثيرا فقد تيتمت مبكرا.ذهبت سلمى في
عطلة نهاية الأسبوع لزيارتها وأمضت معها الوقت في السايبر.وبينما كانت تتحدث معه ظهر في الشاشة شاب آخر يسأل عنها وعن أحوالها ويبدو من الحديث أنه مجرد كلام عام.أخبرتها ابنة خالتها أنه مجرد صديق تشات ولديه قصة غريبة كان يرتاح للدردشة معها.وأنه كان طالبا يسكن بالحي الجامعي وبدأ يحلم
بأشياء غريبة كأن أحدا يزوره بالليل ويخبره عن بعض الأمور التي يجهلها تماما ثم يراها رؤيا العين.وأنه بدأ يحترف مهنة العرافة لحاجته المادية.تجدد الفضول عند سلمى خصوصا عندما علمت أنه كان شابا يدرس الفلسفة ومثقف,وأرادت أن تسمع قصته كاملة وطلبت منها أن تأخذ موعدا منه للقاء به في مكان
عام.وافق العراف أن يقابل سلمى ويحكي لها قصته الغريبة.هذه المرة سلمى هي التي بحثت عن المشاكل وليست المشاكل هي التي أتت إليها وهي تعي ذلك تماما.
ذهبت برفقة ابنة خالها لتلتقيا بالعراف الشاب,وحكى لها حكايته حيث التقى بأحدهم أخبره أن قرينه من الجن لن يتركه وشأنه وسيسبب له المشاكل طوال حياته,وقد وعده بأموال كثيرة قد يجنيها من موافقته بالعمل معه.وأخبرها أنه ذهب لأحد الجبال بمراكش
واغتسل في وادي ثم ذهب ينام في الضريح,إلى أن جاؤوه يحدثوه في المنام وأعطوه طبقا فيه شمع و خيط وألدون ليختار منها.فإن وافق فسيتقن إحدى هذه "التخصصات"في العرافة,وإن أبدى لم يكن موافقا ما عليه إلا أن ينتظر حتى يرى ما الذي سيذبحه كتعويض عن عدم موافقته ومواصفات الذبيحة يذبحها ويذهب
لحال سبيله ويتركونه بسلام.كانت هذه أغرب قصة لصفقة بيع الروح للشيطان,سمعت بها سلمى في حياتها.وهي طبعا لم تصدق الأمر,لكن ما سمعته عن السحر والجن في محيطها جعلها تريد أن تتأكد من كل ما يقوله .خصوصا وأنها عندما كانت صغيرة شاهدت إحدى صديقات خالتها التي انتحرت أمها من شرفة المنزل
وأخوها أصيب بالجنون.وكانت هذه الصديقة تقول أنه بسبب الجن والسحر,مع أنها كانت شديدة التدين,وسمعت أصواتا غريبة منها عندما كان الراقي يقرأ عليها القرآن في بيت جدتها.لكن هذه المرة طالب بالفلسفة يجتر مثل هذا الكلام,أصبح الأمر مثيرا و غريبا.طلب منها اسمها واسم والدتها وأن تتصل به في
الغد,ويخبرها ما لم تكن تريد تصديقه.وعندما عادت أدراجها بدأت تفكر من جديد في هذا العالم الغريب المليء بالغيبيات,وكيف أنه إحدى صديقات بنات عمها تتزوج بمهندس معماري لم يكن ليتزوجها لولا أنها سحرت له وقصص أخرى كثيرة.هل تكون سلمى محسودة مسحورة وأن هذا هو سبب كل ما يحصل لها؟كيف يمكن
لله سبحانه العلي أن يسمح بذلك؟كيف يتدخل السحر في تغيير الأقدار؟ما هو الإيمان بالقضاء والقدر أصلا؟سلسلة من الأسئلة الوجودية الكثيرة انهالت على سلمى.اتصلت بالعراف في اليوم التالي وكانت دهشتها كبيرة مما أخبرها به ,والذي قلب كيانها وكل مسلماتها من جديد..
أخبرها أنه قام بكتابة بعض التعازيم على شمعة تخصها,وقام بالوضوء ثم استلقى لينام,ينتظر المنادي الذي سيأتيه بالخبر.ثم استفاق فجأة ولم يمض على نومه سوى بضع دقائق ووجد أن الشمعة قد احترقت كلها إلى أن التصقت بالأرض,وهذا بالنسبة له تشخيص لقوة الجن الذي يتلبس بها حتى أنه أعلى درجة من
القرين الذي يستخدمه.كل هذه المقدمة بالنسبة لها لا تعني شيئا سوى حاجة الدجال لبعض المؤثرات السينيمائية التي تزيد من الإثارة وشرعنة ما يفعله بالوضوء,كأن ينفجر الألدون المنصهر في الماء البارد والذي تقاس قوة انفجاره بقوة الجن,كيميائيا وسينمائيا الأمر واضح لها.المثير للانتباه هو ما
قاله لها.وصف لها البيت الجديد الذي يسكنون فيه بالحرف,وبأن هناك خلافا بين والديها كبير جد قد يصل حد الانفصال,وأن السبب فيه قريبتها,وهي عمتها التي وصفها بدقة كبيرة وتفاصيل تميزها وقال أنها تضع لهم سحرا في ركن من حديقة المنزل.
بالفعل فقد التحقت عمتها لتسكن عندهم عندما طلقها زوجها المحامي,وكانت سلمى تحس بتوتر العلاقة بين والديها لكنها كانت تظن أن الأمر بسببها,لكن ليس لدرجة الانفصال,يبدو أنهم يحاولون إخفاء الأمر عنها فاتصلت لتتأكد وأخبرتها والدتها أن الأمر صحيح,حتى أنها تحس بمغص شديد و تتقيأ سائلا أخضر
عندما تشرب ماء قد قرأت عليه القرآن,وبه خيوط عجيبة كأنها زغب.والدتها مواظبة على الرقية الشرعية وتقوم بذلك بنفسها ولا تحتاج للذهاب عند رقاة ,فهي طوال حياتها مريضة وأعصابها منهكة وأمضت حياتها عند الأطباء دون جدوى ولا تشخيص معروف لحالتها.سلمى لم تخبرها بما قاله الدجال طبعا.أخبرها
بأمور أخرى تتعلق بأخيها.كانت دهشة سلمى كبيرة وتشوش تفكيرها بين تفاسير الدين و العقل والعلم.أخبرها أن عليها سحرا قديما ويحرسه جني يجب عليها أن تتخلص منه,لكنه أقوى من القرين الذي يسخره ويجب عليها أن تفعل ذلك بنفسها بمعنى أن تقوم بنفس الخطوات التي قام بها في جبل مراكش وأعطاها تفاصيل
المكان الذي يجب عليها زيارته.أقفلت سلمى الهاتف وذهبت لغرفتها واغتسلت وصلت ركعات لتستغفر ربها على ما أقدمت عليه ,ثم حملت القرآن لتقرأ بعضا من الآيات التي تساعدها على تحصين نفسها,بالرغم من أنها كانت دائما تستعين بالورد والمعوذتين و تحفظ كل الأدعية قبل الأكل وبعده والنوم والخروج...
وفي عطلة الصيف,استعانت سلمى ببعض معارفها القديمة لتستقبل راقيا في المنزل.وبالفعل قرأ عليها بعض القرآن بعد أن حكت له عن بعض الأعراض مثل الأحلام التي لا تعرف ما إن كانت تصنفها رؤى أم هواجس,حيث أن غالبيتها تتحقق.وخاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص لم تسمع بهم من قبل فيأتيها الخبر كما
رأته في أحلامها,وعن إحساسها العالي بالناس من حولها..ثم بالكوابيس من مخلوقات تزورها تماما كما أخبرها العراف.وأرادت تشخيصا منه دون أن تخبره بالشكوك التي تنتابها حول الموضوع.فقال لها أن الجن قد يمس الإنسان بالأذى,وعندما بدأ يقرإ عليها لم تحس بأي شيء ولا اختلاف ولم تغب عن الوعي
كما يحدث للبعض ممن نسمع عنهم.حتى أنه بدأ ينهال عليها بالضرب في ظهرها وأكتافها قائلا أنها لن تحس بذلك,إلا أنها أوقفته و شكرته على مجهوده,وأخذت الماء الذي قرأ عليه لتغتسل به.لم تحس سلمى بأي تحسن والموضوع برمته كان من أجل تجريب كل شيء متاح,في رحلة طويلة لاستكشاف ذاتها والبحث عن ذاك
الذي يسمونه سلاما داخليا.فرغم محاولات اليوغا والكونغفو والرقية والطب النفسي,لاشيء تغير عندما تريد الخلود إلى النوم.وسادتها ثقيلة بالأفكار والأسئلة دون إجابات والهواجس التي لا تريد أن تفارقها منذ زمن طويل.حتى الدراسة لم تعد تهتم لها كثيرا,وتكتفي بالجزء الأدنى الذي يمكنها من
اجتياز الاختبارات.لم يعد لها هدف محدد,حتى الحب والعلاقات كأي فتاة في سنها كان آخر همها ولم يثر انتباهها أي من الطلبة الذين كانوا يبدون إعجابهم بها ويرغبون في التعرف عليها.قررت سلمى أن تقدم على آخر خطوة كانت تتجنب التفكير فيها,وهي أن تزور الضريح الذي أخبرها عنه العراف ليس تبركا
وإنما لاختبار ما أخبرها به وإن كان سيزورها أي مناد كما قال,ومن ثم تشخص حالتها وتعرف ما الذي يحصل.وعندما عادت للداخلية أخذت حقيبة الظهر ومصروفها واستقلت القطار.كانت تلك أول مرة تسافر فيها لمراكش لوحدها لعالم مجهول لا تعرف عنه شيئا..وصلنا للحدث الذي سيقلب حياتها مجددا رأسا على عقب
كانت شاردة الذهن تفكر,بدأت تفكر في الحجاب الذي لم يعد يعني لها شيئا,كأنه فقط وشاح ترتديه ولم يكن كافيا ليحميها, يتناقض حتى مع ماهي مقدمة عليه.وبينما كانت تحاول أن تقنع نفسها أن رمزيته له حرمة,إذ بها تنزع الوشاح غير مكترثة بالمسافرين الذين كانوا ينظرون إليها باستغراب.ذهبت إلى
المساحة التي تفصل بين المقطورتين,فتحت الباب وأمسكت بالوشاح وأطلقته في الهواء تنظر إليه..وعادت إلى مكانها في هدوء تام.يبدو أنها لم تعد تكترث لشيء,ولا حتى لما سيقوله الناس..لم يعد هناك ما يستحق أن تتمسك به..شيء ما بداخلها تغير للأبد.
وصلت إلى المكان الذي ستمضي فيه الليلة قرب جامع الفنا,رياض صغير حجزت به غرفة,ثم خرجت لتتمشى قليلا وتتناول العشاء.يجب عليها أن تستيقظ باكرا لتستقل المواصلة التي تؤدي إلى وجهتها.في الصباح الباكر,غادرت الرياض وذهبت لمحل لتشتري فطورا تتناوله في طريقها, إذ بها تتفاجأ أن محفظتها قد
اختفت.عادت مهرولة إلى الرياض تبحث عنه وسألت المسؤول الذي أخبرها أنه لم يدخل أحد إلى الغرفة بعد,ولفت انتباهها أنه ربما سرق منها ما إذا كانت في أحد الحلقات بجامع الفنا ولم تنتبه.تفقدت هاتفها وتنفست الصعداء حين وجدته بقاع الحقيبة وما تبقى من الفكة(الصرف)حين طلبت العشاء ولم تضعه
في محفظة النقود.خرجت تتمشى مصدومة وتفكر كيف ستعود إلى الدار البيضاء وهي لا تعرف أحدا هناك ولا أحد يعلم حتى بوجودها هناك.جلست على الأرض في حاشية الطريق تنظر إلى صومعة الكتبية ,تلتقط أنفاسها متسائلة:هل هذه إشارة من الله أن الطريق إلى الشرك طريق مسدود؟
مرحبا بك في واقع جديد..
حالما استوعبت شيئا ما ما يحصل,بدأت بترتيب أفكارها.عادت إلى الرياض وطلبت من المسؤول يعطيها ورقة فيها رقم بطاقة الهوية بختم.وسألته عن أقرب مركز للشرطة حتى تعلن عن سرقة بطاقتها وتأخذ بموجبها ورقة لتستخرج أخرى.ثم استعملت النقود المتبقية لتتصل بخالها في فرنسا,وطلبت منه مساعدة مالية
عبر الحوالة,واعطته اسم المشرف لتتمكن من الحصول على الحوالة ببطاقة هويته.وقالت له أن بطاقتها سرقت وأنه حارس الوكالة,حيث شرحت الوضع للمكلفين ووافقوا على مساعدتها.وأكدت عليه ألا يخبر والدتها حتى لا تقلق,وستشرح لها الأمر فيما بعد.توصلت سلمى بالنقود وأعطت كل واحد مبلغا بسيطا مقابل
مساعدتهم لها ثم عادت أدراجها للدار البيضاء.وكان الوقت متأخرا عند وصولها و قد أغلقت أبواب المدرسة,فأمضت الليلة في قهوة المسافرين حتى الصباح,ثم عادت للمدرسة وأخذت دوشا ودخلت للحصة.الكل ينظر إليها باستغراب وعندما يسألونها ما الذي حصل حيث أنها لا ترتدي حجابها كانت تجيب:لا أحد يسألني.
استعدت سلمى لما ينتظرها هذه المرة من كلام الناس والعائلة والمحيطين بها في المدرسة.كأن لسانها تحرر من عقدته وأصبح أكثر قدرة على مواجهة الجميع.اتصلت بوالدتها وأخبرتها بما كانت ستقدم عليه في مراكش وأنها نزعت الحجاب,رغم أن الكثيرين ظنوا أنها تخفي ذلك عن أسرتها.جاءت والدتها لمساندتها
وتناولت معها وجبة الغذاء في مطعم المدرسة أمام الجميع.وقالت لها اللهم نزع الحجاب ولا طريق الشرك.وكلما أخطأت بنت من العائلة في شيء كبنات عمها أو خالاتها وأخوالها يضربون بها المثل:ومال سلمى هاهي لي كنتو تضربو لينا بها المثل.بعدما كانت وسيلة لأعذارهم(باسبور)أصبحت اليوم شماعة لأخطائهم
ومن جملة هذه الشماعات,عندما وقعت ابنة عمها في ورطة وقارنوا تصرفاتها بسلمى "المطيعة",انفجرت في وجههم :شفتي هاديك لي تسحابوها ملاك,راها كتمشي للفنادق وتخلص الفلوس صحاح.مشيرة في ذلك إلى ما وقع عندما اصطحبتها سلمى لتساعد صديقتها ياسمين في قضية أخيها.وكان قد تردد إلى أسماع والدتها
في السابق حادثة الفندق,حيث أن ابن خالتها سائق الطاكسي في محطة أكدال,رآها وهي تخرج رفقة ابنة عمها وأخبر والدته التي بدورها أخبرت والدة سلمى.فاختمرت الوساوس في ذهن والديها خصوصا مع قضية نزع الحجاب وانفجر الوضع من جديد. كتب عليها أن تكون ضحية الافتراءات طوال الوقت,لكنها قررت بمجرد
أن واجهها والداها بالأمر,أن تقول كل شيء..كل شيء.أخبرتهم أنها كانت تحاول كتمان السر عنهم حينما كبرت لكي لا يتألموا فلم يكن من جدوى لذلك,لكنها سئمت من كل شيء ومن الجميع..ولن تلعب دور الضحية مجددا.ستعيش حياتها كما يحلو لها وستتمرد على الجميع..مجتمع الحشومة والافتراءات لن يتورع مهما
فعلت.في خلاصة,سلمى لم تعد تكترث لأحد ولا لشيء إلا نفسها.عادت إلى الداخلية واشترت في طريقها قنينة كحول وعلبة سجائر, وذهبت عند البنات اللواتي كن معروفات بتناول المخدرات, وطلبت منهن أن يعلمنها كيف تلف سيجارة حشيش..
حتى الحفلة التي كان يقيمها الطلبة في المدرسة la fête d'intégration والتي لم تكن تحضرها من قبل,ذهبت إليها لتتحدى الجميع,بل إنها شاركت في مسابقة الكاراووكي وربحت بتصويت الجمهور الذي كان يهتف باسمها,لكنها كانت تعرف جيدا كيف كانوا يتحدثون من وراء ظهرها.والبعض الآخر يطمع في تكوين
علاقة مع فتاة بالنسبة لبعضهم "باقا فميكتها"كما سمعت.والبعض الآخر الذي يظن أنها نزعت الحجاب لأنها ترغب بالتسكع معهم.كانت تخرج أحيانا للنوادي الليلية وتشرب وترقص ثم تعود للنوم في مقهى المحطة المقابل للمدرسة.لا تهتم للمعاكسات وإن كانت تتلذذ بإغراء أحدهم ثم تخبره أنها ذاهبة للحمام
وتخرج.بالنسبة لها لا يوجد حب,كل الرجال يفكرون فقط كيف ستمضي آخر الليلة في فراشه.حتى أنها علمت بنادي ليلي لفرنسي مثلي,وكانت تذهب إليه حيث ترقص دون أن يزعجها أحدهم.كانت تنام,وأخيرا ذاقت طعم النوم ..لم تعد تفكر في الماضي.لم تعد تلعب الرياضة وصلاتها أصبحت متقطعة بسبب الكحول.
وفي يوم كانت زميلتان لها تودان الخروج لنادي ليلي رفقة شابين تعرفا عليهما,وكانتا لديهما رخصة للخروج بعد غلق الأبواب بدعوى تسجيلهما بمركز للغة.ودعتها إحداهما إن كانت تود الخروج فوافقت رغم أن الأمر بالنسبة لها غير ممكن,إلا أنها أخبرتهم أنها ستتدبر الأمر,وما عليهم إلا أن يلتقيا في
مكان بجانب الشارع الرئيسي خلف المبنى.لبست سلمى الجينز وسترة الجلد السوداء ,ووضعت الجل على شعرها الذي كانت قد قصته كالذكور بعد أن كان طويلا وغطته بقبعة الحمام,ووضعت الكحل وأخذت حقيبتها وحذاءها الرجالي وضعتهما في كيس بلاستيكي,ثم لبست حذاء النوم .بعد أن تجاوزت غرفة بوشعيب وتأكدت
أنه بالكافيتيريا,اتجهت نحو السور الخلفي حيث كانت الأضواء قد أطفئت,وذهبت صوب المكان الذي كان يستعمله الشباب لجلب الكرة من الخارج دون الحاجة للخروج من الباب كاختصار للمسافة.كانت الأسلاك متهالكة في ذلك الركن,بالرغم من وجود ورود شائكة,إلا أنها جلبت قفازاتها.الحراس عموما وكلابهم
يعملون دوريات كل 15دقيقة,رمت الكيس البلاستيكي من السور,وأمامها الآن عشر دقائق قبل أن يمر الحراس رفقة كلابهم.لم تكن خائفة إبدا ولم تتردد أو تفكر في العواقب,سلمى لم تعد تخاف وليست خجولة بالمطلق حد التهور.جسمها الرياضي ساعدها في تسلق السور بكل سهولة,ثم نزلت إلى الجهة المقابلة حيث
كان من المفروض أن يلتقي بها أصدقاؤها بالسيارة.المكان مقفر ومظلم ,لبست حذاءها بكل هدوء ووضعت أحمر الشفاه القاتم,ثم بدأت تتمشى إلى الشارع الرئيسي علها تلمحهم.اتصلوا بها في الهاتف إذ بهم يلحقون بها من الخلف,لكن السيارة ليست كالتي أعطتها صديقتها المواصفات,وظنت أن أحدهم يعاكسها وأكملت
طريقها حتى نزلوا كلهم من السيارة وبدؤوا بالتصفيق,كأنها قامت بإنجاز معجز.كانت السيارة لشاب صديق لهم,وقد أعجب بها وكان صاحب الحفلة أو لنقل,الذي سيدفع ثمن المشاريب.تبدأ قصة سلمى مع الشاب الذي جف حلقه كي يثبت لها أنه ليس كالآخرين, وأنه مختلف😒
كانوا شلة من الشباب المتعلمين,وكان سليم الشاب المعجب بسلمى حديث الوصول من فرنسا,حيث كان الحديث بينهما عن مشروعه الذي بدأه بعد عودته.كان قد أكمل دراسته في مدرسة مرموقة بباريس في الهندسة,بعد أن كان الأول على دفعته في الباكالوريا وعلى صعيد المغرب في ثانوية فرنسية.وجد أن هذا الموضوع
هو ماشد انتباهها أكثر وقد أخبرها بذلك حيث أن البنات اللواتي تعرف عليهن من قبل,كانت تهتم لسيارته الفاخرة وبرندات الملابس وبالهدايا التي ستحظين بها بمناسبة وغير مناسبة.سلمى لا تقع في فخ الاستمالة حتى بهذا النوع من الإطراء,فهو لا يعرفها جيدا حتى يخبرها أنها مختلفة.كانت الشلة تحاول
إرضاءه بكل الأشكال.عندما انتهت الحفلة ذهب الجميع إلى حال سبيله,وذهبت سلمى رفقة صديقتها حيث سيبيتان في منزل رفيقها,والذي كان يملك شقة صغيرة بغرفتين في حي كوتييه.وبينما كانت سلمى تستعد للنوم في الغرفة,سمعت طرقا في الباب وإذ به سليم يطلب المبيت عند صديقه حيث أنه لا يريد أن تراه
والدته مخمورا,حيث أنها تنتظره كل مساء لتطمئن عليه قبل أن تخلد إلى النوم.طبعا سلمى لن تنطلي عليها هاته الحيلة العبيطة كأنها أول مرة سيدخل فيها لفيلتهم الكبيرة مخمورا.سألته سلمى ما إن اتصل بها في الهاتف ليطمأنها أنه بخير,كأنها تذكره أن ذكاءه لا يفوق ذكاءها بسخرية.استلقى في لحاف
قرب لحافها,وبدأ صداع الراس.أخبرها أنه لا يستطيع مقاومة شعوره بالرغبة في أن يقبلها ويحتضنها فقط..وأنه لم يمر بموقف شبيه كهذا ,فقد تعرف على بنات بعدد شعر رأسه.اعتذرت له سلمى كونها ليست الفتاة المناسبة التي ستلبي حاجته لإشباع رغباته,وما عليه سوى أن يبحث عن معارفه النسوية.لم يتورع
أبدا حتى أنها أنارت ضوء الغرفة وجلست قائلة:حسنا لا نوم على أية حال,فهي متعودة على الليالي البيضاء.وأخبرته بلطف ممتزج بلهجة تهديد,أنها ستخرج من المنزل إن لم يتوقف عن مضايقتها,ولا تريد مشاكل مع صديقتها ولن يراها بعد اليوم,وهي لن تخبر أحدا بما حصل.فهم على أية حال متعودون على
تصرفاتها المجنونة والتي لاتقل جنونا عن القفز من سور المدرسة.وبإمكانه أن يعتبرها شاذة لا تهتم بصنف الرجال إن كان ذلك سيساعده على التوقف عن الإلحاح المستفز,بما أن ثقافته فرنسية فقد يتفهم ويتركها وشأنها.وهي لاتلعب دور المتمنعة وهي راغبة لتشده إليها وليس لرفضها علاقة به أو شكله.
توقف سليم عن مضايقتها بعدما أحس بإحراج شديد أمام رفض سلمى,وبدأ بالاعتذار لها وقال أن الخمر لعبت بعقله.وأنه لم يكن ينوي إيذاءها,وطلب منها أن تعود للنوم ووعدها أنه لن يزعجها مجددا.كان النهار قد طلع ولم يعد هناك وقت للنوم على أية حال.كتبت ورقة لصديقتها تخبرها أنها تذكرت أمرا مستعجلا
وودعت سليم الذي كان ملحا في رغبته أن يوصلها حيث تريد,كوسيلة ليعبر لها عن أسفه الشديد مما بدر منه من تصرف لا يليق بها ولا به.ثم إنها لن تجد تاكسي في الصباح الباكر,ولم لا يأخذها لتتناول وجبة الفطور في مكان على البحر.شكرته سلمى وقالت أنها متعبة وتريد العودة إلى المدرسة بمفردها.
طلب منها رقم الهاتف حتى يطمئن أنها وصلت بخير,فاعتذرت له قائلة أن كل شيء سيكون على مايرام.وهي تعرف طبعا أنه لازال لديه أمل في التواصل معها وربما كسب ثقتها من جديد.لكن الوقت قد فات لذلك إذ أنه فعل كل ما لا يجب فعله في أول تعارف بينهما,ولم يعي جيدا ما قاله لها عندما أخبرها أنها
مختلفة.مجرد كلام ببغائي لا ينعكس على تصرفاته.
بينما كانت سلمى في المكتبة,اقتربت منها فتاة من المستوى الأول تستفسر عن مطبوع.كانت قلما تصادفها لأنها لا تقطن بالداخلية لأنها تسكن بفيلا تقرب من المدرسة مسافة 10 دقائق.تلمحها أحيانا مع شلة الحشاشين بالمدرسة.فتاة جميلة لا تضع مساحيق وبسيطة في طريقة لبسها الذي يشبه الستايل البوهيمي
أخبرتها سلمى أنها لا تتذكر ما إذا كانت تحتفظ بالمطبوع وطلبت منها أن ترافقها إلى الغرفة لتتأكد.لم تجد سلمى المطبوع وذهبت عند صديقاتها وزميلاتها تطرق الغرف لتبحث لها عنه,حتى وجدته عند زميلة لها واستأذنتها أن تعيره للفتاة حتى تطبعه وتعيده.شكرتها الفتاة وقالت أنها سألت الكثيرين حتى
من الشلة,وجزء كبير منهم يدرسون مع سلمى في الصف,ولم يتكبد أحد عناء البحث أ حتى السؤال.قالت لها سمعت عنك الكثير من الأمور غير اللطيفة, لدرجة أني لم أتجرأ أن أسألك,لكني حقيقة تفاجأت من إصرارك لمساعدتي وأنت حتى لا تعرفينني.أخبرتها سلمى أنها تبالغ وأنه مجرد مطبوع,وكانت تلك بداية
صداقة جديدة تجمع سلمى بصوفيا.والدها محاسب كبير ويملك عقارات,وصارم جدا معها في المصروف واللبس ورباها ألا تثق بأحد وتتعامل بشكل عملي بعيدا عن العواطف لدرجة الماكيافيلية أحيانا,لذلك استغربت من تصرف سلمى معها.وأخبرتها أنها قد تسمع عنها من البنات في المدرسة أنها صاحبة حاجتها,لكنها
تعتبر سلمى استثناء وصديقتها المقربة ,فهي لا تملك صداقات ولا تريد ذلك,الجميع مجرد معارف.وفعلا فقد حذرها بعض البنات من صوفيا وقالوا عنها أنها استغلالية بالرغم من أنهم يتعاملون معها بنفاق شديد,لكن الوضوح الذي كان في كلام صوفيا أعجبها.استنتجت سلمى أن علاقتهم ليست مبنية إلا على
الحفلات والحشيش,ممتزجة ببعض من غيرة البنات حيث أن صوفيا كانت جميلة وليست بالسطحية التي يعتقدون,فتاة مثقفة وتقرأ كثيرا.كانت سلمى أول فتاة تستقبلها صوفيا في منزلها وتبيت عندها وتشاركها أسرارها وخصوصياتها.وتمكنت صوفيا بفضل علاقاتها أن تحصل على سطاج تدريبي لها ولسلمى في نفس المكان
مع أنهما من مستوين مختلفين,وتعلمها كيف تتم الأمور في المدرسة.فالجدية كثيرا لا تنفع,لابد من التحايل وكما تقول دائما صوفيا !C'est ce qui fonctionne

جاري تحميل الاقتراحات...