1- هل صحيح أن الهيئة العامة في المحكمة العليا تنحصر وظيفتها فقط في استخلاص المبادئ القضائية من أحكام المحاكم العليا ؟ وأنها أعمال مادية لا أثر قانوني لها؟
2- هل صحيح أن الهيئة العامة أساءت فهم نظام القضاء، وأن المشرع السعودي حينما عبر ب"مبادئ عامة في المسائل المتعلقة بالقضاء" أراد تقليد الأنظمة الأخرى حيث أن المبدأ لا يكون إلا وليد أحكام القضاء؟
3- أحد الفضلاء قبل فترة قريبة أشار لهذا الأمر وقرره اعتمادا على مفهوم "المبدأ" في الأنظمة الأخرى التي نستلهم وأحيانا تنسخ منها أنظمتنا.
4- لكن للإجابة على أسئلتنا لا يمكن حصر أسلوب تفسير النص بطريقة واحدة، لذلك سيتم تناول التفسير من ثلاث زوايا: قبلية، وحالية، وبعدية. مع محاولة الاختصار والتركيز قدر المستطاع واستخدام عبارة واضحة توصل للمقصود.
5- الزاوية الأولى: معرفة ثقافة المشرع نفسه وتعامله مع فكرة "المبادئ"، وأسهل وأقرب طريقة لهذه هو النظر لنظام القضاء القديم (1395)، وسنجد فيه أن المشرع جعل إصدار المبادئ ليست حصرا على ما يستخلص من أحكام المحكمة العليا.
7- الزاوية الثانية: هي النظر لنص نظام القضاء الحالي، وأسلوب الصياغة، وتطبيق قواعد التفسير. وهنا قاعدتان قبل الدخول في التفصيل: الأولى أن تفسير كلام المتكلم لابد أن يكون من خلال فهم أسلوبه وطريقة كلامه. والقاعدة الثانية: أن إعمال الكلام أولى من إهماله، وأن الأصل في الكلام التأسيس.
10- قد يقول البعض بأن المشرع حينما قال "تقرير" يقصد "استخلاص" مبادئ من الأحكام الموجودة، ولكن هدا غير صحيح لأن [2] من أساليب الصياغة القانونية تقديم الأهم والأولى، فكيف يجعل الفقرة التي تنص على أن الهيئة تنظر للمسائل التي ينص عليها النظام والأنظمة الأخرى فقرة متأخرة عنها؟
11- أضف لذلك، [3] أن مثل هذا العمل لا يناط بقضاة المحكمة العليا عادة، بل يناط بمكتب فني أو إدارة بحثية تتبع الجهاز العدلي.
12- يبقى أن البعض يقول بأن المادة (14) من نظام القضاء ذكرت بأن الهيئة العامة تنظر في المبادئ التي ترى محاكم الاستئناف أو العليا العدول عنها، بالتالي فإن كلمة "مبادئ" في المادة (13 - 2 - أ) يجب أن تفسر على ضوئه. لكن هذا غير صحيح.
13- لا يصح للأسباب التالية، [4] لا يوجد لازم لتفسير المادة (13 - 2 - أ) بالمادة (14)، فاللازم يكون عند التعارض بين النصين ولا تعارض، أو إن أحال لها المشرع في نفس المادة ولم يفعل! أيضا [5] أن الأصل في الكلام التأسيس، ولو فعلنا وفسرنا هذه بهذه لجعلنا المشرع يكرر النص بلا فائدة.
14- أيضا [6] الصواب أن المادة (14) هي تطبيق للفقرة (ب) وليس (أ) من المادة (13-2)؛ فقد أشار المشرع في المادة 13 فقرة (2-ب) أن من اختصاصات الهيئة النظر في المسائل التي ينص عليها هذا النظام والأنظمة الأخرى.
15- فلو بحثت في النظام لن تجد مهمة نص عليها النظام غير المادة (14)، فلو وافقنا من يقول بأن (14) هي توضيح المعنى في (13-2-أ) لوقعنا إما بجعل جزء من مادة (13-2-ب) مهملا! أو قلنا أن المشرع يكثر التكرار فهو يذكر المبادئ ويشير لها 3 مرات في مادتين بلا هدف، وهذا يخالف أساليب الصياغة!
16- الزاوية الثالثة والأخيرة نستفيدها من حكم من أهم أحكام المحكمة العليا في أمريكا، والذي يتطرق للاخصاص في الدعاوى المدنية المتعلقة بانتهاك براءات الاختراع.
17- وللتوضيح، يوجد في النظام الأمريكي قسم (1391) يتكلم عن الاختصاص عموما في الدعاوى المدنية، وقسم آخر (1400) يتكلم عن الاختصاص في الدعاوى المدنية المتعلقة ببراءات الاختراع.
18- هذا العموم والخصوص يخلق جدل في التفسير وجدل قديم في صلاحية القسم (1400). في عام 1957 أصدرت المحكمة العليا حكما فيه تفسيرا للقسم (1400) وأنه ساريا ولم يحل محله القسم (1391).
20- في مسألتنا، أصدرت الهيئة العامة العديد من المبادئ، اعتمادا على فهمها للمادة (13-2-أ)، وتم تعديل نظام القضاء في عام (1440)، ومع ذلك لم يقم المشرع السعودي بتعديل أو تصحيح يدفع اللبس الذي وقعت في الهيئة إن كانت أخطأت!
21- مما يدل أن الهيئة إما أصابت، أو - في أسوأ الأحوال - أخطأت ولكن المشرع أقر ورضي تفسيرها بسكوته عن أمر لا يسع السكوت فيه.
22- أخيرا، نستفيد أن الفقه القانوني الذي نستلهمه وأحيانا نستنسخ نصوصه من الدول العربية الأخرى ليس مرجع تفسيري وحيد، ولا ينبغي أن نطبقه تماما كما هو إذا دلت أدوات التفسير أن المشرّع لم يرده. والله أعلم.
يسرني أي ملاحظات أو تصويبات..
جاري تحميل الاقتراحات...