١ في مثل هذا اليوم قبل ٣ أعوام وصلت أخيرا إلى بيتنا بعد رحلة قاسيت فيها وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب .. والحمد لله أولا وآخرا .. وقد كنت قبل سفري هذا مترددا حائرا وقريبا من الإفلاس إلا من دراهم قليلة ادخرتها من مكافآتي الأخيرة في مرحلة الامتياز ...
يزين لي قلبي والشيطان سوء عملي ويسخر مني عقلي وجيبي .. ولكني رجل متفائل بطبعي .. عزمت أمري و توكلت على الله وبدأت التخطيط لرحلة العمر .. ورحلة العمر هذه لم تكن إلى باريس مدينة العشاق أو إلى روما مدينة التاريخ والنساك ولكنها كانت إلى ..
كانت إلى كارديف التي لا أعرف عنها شيئا سوى أنها عاصمة ويلز التي يحمل جنسيتها راين غيغز وغاريث بيل .. وبالحديث عن لاعبي كرة القدم فقد كانت الكرة الهدف الرئيس من الزيارة .. إذ سيلعب يوفنتوس وريال مدريد نهائي دوري أبطال أوروبا .. وكنت حينها مشجعا متعصبا ليوفنتوس ...
كنت مشجعا متعصبا للحد الذي يجعلك تظن أن اسمي اليساندرو ومولود بجوار المتحف المصري في تورينو .. وعلى أي حال فالتشجيع مثل الزواج قسمة ونصيب .. وقد كانت قسمتي أن أشجع يوفنتوس قبل أعوام قليلة من ظهور ميسي ورونالدو و غوارديولا والحمد لله على قسمته ..
قبل أسبوعين من السفر كنت قد حجزت تذكرة الطيران على الخطوط التي لم يعد مرحبا بها هنا .. واخترت فندقا قريبا جدا من محطة القطار الرئيسية في لندن ومنها ينطلق قطاري صباح يوم المبارة إلى ملعب الألفية في كارديف !
والآن تبقت مهمتان فقط لإنجازهما .. وكلاهما في غاية الصعوبة ..
والآن تبقت مهمتان فقط لإنجازهما .. وكلاهما في غاية الصعوبة ..
أما المهمة الأولى فكانت شراء تذكرة المباراة وقد كنت أعرف سلفا أنها ستفعل بميزانيتي ما فعلته كورونا باقتصاد العالم ..
لكن صديقي الذي يعمل في مجال بيع التذاكر صعقني بأقل قيمة ممكنة وقال لي بنصيحة الصديق التاجر إذا طعنت فجر .. وهذا ما حدث ..
لكن صديقي الذي يعمل في مجال بيع التذاكر صعقني بأقل قيمة ممكنة وقال لي بنصيحة الصديق التاجر إذا طعنت فجر .. وهذا ما حدث ..
فقد اشتريت تذكرة في مكان مميز أغرتني به كلمة الـ view التي ظل صديقي يرددها وأنا على يقين من حاجتي لهذا الـ view لتصوير الكأس مع بوفون .. وهكذا حولت إلى حسابه ثلثي الراتب الأخير واعدا إياي أن تصلني التذكرة إلى باب فندقي في لندن .. ومؤكدا لي أني اتخذت قرارا تاريخيا وصائبا ..
والآن تبقت المهمة الأخيرة .. وهي إقناع أمي وشقيقي الأكبر بسفري .. ولأن حسن الحظ صديق لا يفارقني فقد صادف أن المباراة ستلعب في رمضان وهو سبب وجيه لرفض أي سفر قريبا كان أو بعيدا .. وعادتي حينما أنوي ارتكاب حماقة ما أني لا أعلن عنها مرة واحدة ...
بل أمهد الطريق مرة تلو الأخرى .. فأقول لأخي يالها من مباراة وياله من نهائي .. لو كان بمقدوري لذهبت .. وأقول لأمي أن بعض من أعرفهم قرروا الذهاب مدافعا عن قرارهم ومقللا من فداحة ما ينوون فعله .. وأذكر أن أمي قد وافقت مبكرا ولكن على مضض وبقيت لحظة الحسم مع أخي ..
وأذكر أيضا أني قررت مصارحته بالأمر حينما كنا نشاهد لقاء الهلال مع فريق قطري في مباراة تحصيل حاصل قبل سفري بيوم .. وقد لفته تشتتي وقلقي الظاهر فسألني عن إعلان الوظائف القادم ظنا منه أن هذا هو السبب .. لكنني عاجلته بفتح الموضوع فقال لي والدهشة تبدو على ملامحه ..
" الله يحفظك .. بس غالية .. معك فلوس ؟ " أخبرته أني تدبرت الأمر ولم يبق إلا مباركته .. فوافق ودعا لي بالتوفيق وسألني مرتين أو ثلاثا .. " متأكد ما تحتاج فلوس ؟ أحول لك ؟ عادي رجعها بعدين " ولكني شكرته مجددا وأكدت له أن ملاءتي المالية ممتازة وأن فيتش منحتني أ+ في تصنيفها الأخير ..
في اليوم التالي توجهت إلى أبها بسيارتي حيث تفصل ساعتان وعقبة تقطع الأنفاس بين الديرة وأبها مكان أقرب مطار لها .. أنهيت إجراءات السفر وصعدت الطائرة وصوت محمد عبده يرن في أذني .. يالله لا تقطع رجا كل مشتاق .. بأمرك يارب الحلم يصبح حقيقة !
حطت بنا الطائرة في مطار العاصمة الخليجية في السادسة صباحا وأقلعنا صوب عاصمة الضباب بعد ساعة أو ساعتين .. وبعد ساعات طويلة ومضنية وصلت إلى لندن .. وكان في استقبالي في المطار .. مسؤول الجوازات طبعا !
سلمته جواز سفري وبدأ يسألني عن كل شيء حتى ظننته أحد شيبان الجماعة حفظهم الله ..
سلمته جواز سفري وبدأ يسألني عن كل شيء حتى ظننته أحد شيبان الجماعة حفظهم الله ..
من أين أتيت وكيف أتيت وكيف عصفت بوجداني ؟! وبعد أن عرف كل شيء عني وعن سير رحلتي وتاريخ عودتي صنع لي ابتسامة مزيفة ووضع ختم الدخول على جواز سفري وأنا أتمتم بكلمات من الجنوب تعجز حتى الـ MI6 عن ترجمتها .. وانطلقت نحو متاجر الاتصالات أبحث عن شريحة اتصال كما هي عادتي ..
في المتجر الأول سألت عن تكلفة الانترنت المفتوح لأني وعدت الأصدقاء أن أبث لهم بشكل مباشر وقائع تجريدنا لريال مدريد من لقبه .. فبادرني شاب عربي ونصحني بالعربية أن أشتري شريحة من شركة " ثري " مفتوحة الانترنت فوافقت على مضض ..
وقد تبين لي لاحقا أنه لم يضبط الإعدادات جيدا جهلا منه أو عمدا الله وحده يعلم .. لكني اضطررت لشحنها مجددا يوم المباراة بعدما صدمتني فتاة مكتنزة تعمل في متجر قريب من الملعب بضرورة ذلك ..
وقد كان صديقي حسين يحذرني دائما من العرب في أي بلد نسافر إليه لكن قوميتي تغلبني ..
وقد كان صديقي حسين يحذرني دائما من العرب في أي بلد نسافر إليه لكن قوميتي تغلبني ..
وعلى كل حال أخبرت العائلة أني وصلت إلى لندن واستقللت سيارة أجرة إلى الفندق القريب أيضا من هايد بارك .. وحينما وصلت إلى الفندق كانت الساعة تقترب من السادسة مساء .. فقمت بإنهاء إجراءات الدخول ولم أبق طويلا حتى نمت ونام الشقاء كما يقول الدكتور غازي القصيبي ..
في صباح اليوم التالي استيقظت وبدأت رحلتي السياحية التي ستستغرق ثلاثة أيام في لندن .. قبل الذهاب إلى كارديف .. كانت أياما جميلة بين هايد بارك وعين لندن وشارع أوكسفورد وبيكاديلي وهارودز وماي فير وغيرها .. وبالطبع لا يمكن أن تذهب إلى لندن دون أن تعرج على مسكوفها ..
وأتذكر أني تناولت وجبة الإفطار عندهم في اليوم الثاني أو الثالث وقد كانوا كرماء حقا إذ قدموا لنا التمر والحلويات دون مقابل فيما كان علي أن أدفع فقط مقابل السمچة .. وهي من الأشياء القليلة التي تستحق قيمتها في هذا العالم ..
وهكذا أمضيت الأيام الثلاثة مستمتعا بعاصمة الضباب وأجوائها وأهلها .. بعيدا عن توتر المباراة وشبح كريستيانو رونالدو الذي يظهر بين الحين والآخر مهددا بعودتي إلى الديار مهزوما ومفلسا .. وفي اليوم الذي يسبق المباراة استلمت تذكرة المباراة في مغلف أبيض صغير لا يعكس قيمتها الثمينة
..
..
في صباح اليوم التالي صحوت مبكرا وأنهيت إجراءات تسجيل خروجي من الفندق وسألتني موظفة الاستقبال السمراء التي تفيض لطفا إن كنت سأحضر المباراة لأني كنت أرتدي قميص يوفنتوس فأجبتها نعم وسألتها عن توقعاتها فزادت توتري قائلة إنها لا تتابع كرة القدم وأنها تراها لعبة سخيفة مع الاعتذار لي !
حاملا حقيبتي توجهت إلى محطة القطار وحددت جادة قطاري مبكرا وانتظرت حتى وصل أخيرا .. صعدت وأنا أحدث شركاء العشق عن تلك اللحظات عبر واتس اب .. بعضهم يشجعني ويمتدح وفائي وآخرون متوجسون من نحسي .. على القطار كانوا جميعا مدريديين إلا أنا وعائلة إيطالية مكونة من أب وأم وطفل صغير ..
يحمل قميص يوفنتوس ويشاهد أهداف الفريق كلها ويحتفل بها مجددا على ما يبدو .. كانت الرحلة طويلة نوعا ما ولكن المناظر الطبيعية على جانبي القطار خففت من الملل .. وكنت قد عزمت غض البصر احتراما للشهر الفضيل وعسى أن يكافئني الله بفوز لم يتحقق منذ ٢٠ سنة ..
إلا أن فتاتين تتحدثان العربية وترتديان قميص ريال مدريد والرقم ٧ وفوقه كتبت كل واحدة منهما اسمها أضعفا إيماني للحظات .. أتذكر أن إحداهما كانت سارة ونسيت الأخرى وأحملهما مع السيد أليغري مسؤولية خسارتنا فربما لو غضضت البصر لما حدث ما حدث أو لما حدث بتلك الطريقة على الأقل !
المهم أننا وصلنا إلى كارديف .. وكنت قد نسيت إخباركم أني لم أجد فندقا في كارديف إما لغلائها أو لإشغالها فحجزت غرفة عبر تطبيق airbnb على أطراف المدينة للمبيت ساعات قليلة بعد الاحتفال بالفوز والكأس .. وعلى أي حال أوصلت حقائبي للمنزل واستقبلني مالك المنزل وزوجته بلطف ودعتني السيدة ..
٢ دعتني السيدة لتناول الطعام أو شرب شيء على الأقل .. لكنني اعتذرت وقلت لها أن يوما طويلا ينتظرني فابتسمت وتمنت لي التوفيق .. وهكذا استقللت سيارة أوبر نحو الملعب والساعات المحيطة به .. وقد تبقت على المباراة ساعات طويلة أمضيتها في التسوق وتلقي الاتصالات والتصوير بشتى أنواعه ..
وما إن فتحت البوابات وبدأت الجماهير بالدخول حتى سألت المنظمين عن بوابتي حتى أتفادى غضب المنظمين والشرطة وخيولهم التي ضاقت ذرعا بالثملين من الايطاليين والاسبانيين على ما يبدو .. فأخبروني أن علي أن أذهب للجهة المقابلة من الملعب لأصل لبوابتي وهذا ما حدث ..
عند البوابة تجاوزت التفتيش اللطيف بسرعة وحينما جاء موعد التأكد من التذكرة فحصها الموظف المسؤول بجهازه وحينما ظهر اللون الأخضر قال لي بابتسامة خففت من توتري : Good man شكرته بلغته وتقدمت فرحا إذ تجاوزت كل الظروف وحان وقت الانتصار أخيرا ..
صعدت بعض السلالم وتجاوزت بعض البوابات حتى وصلت أخيرا إلى مقعدي .. وقد كان الـ view رائعا وأفضل حتى مما توقعت .. وبدأ الحلم .. هتافات هنا وهناك وأسماء عريقة يقدمها المذيع من أرض الملعب و ساعة المباراة تعرض أهداف الفريقين وتلهب حماسة جماهيرهما ..
بدأت مراسم الحفل بتقديم الكأس وحفل راقص مبسط .. ثم نزل اللاعبون واصطفوا جنبا إلى جنب يفصلهم الحكام وخلفهم يشكل أطفال دائرة يرفعون في محيطها شعار البطولة العقدة .. وتبدأ الموسيقى التي يحبها كل عشاق كرة القدم ويرددونها حتى ولو لم يفهموا منها إلا كلمة Champions ..
وقد كنت مستمتعا جدا حتى أني أقنعت نفسي أنه حتى لو خسرنا اللقب فستكفي هذه اللحظات .. الآن تفرق اللاعبون وعادت الجماهير لانقسامها وتوترها .. وأطلق الحكم صافرته إيذانا بوصول الأدرينالين إلى أعلى مستوياته .. بدأ فريقي المباراة بشكل جيد وهدد مرمى نافاس الذي لعب موسمين وفاز باللقب ..
بينما أفنى بوفون حياته كلها ينتظر هذا اللقب .. وبينا نسيطر على كل شيء ونبدو أقوى من المنافس بكثير خرج كريستيانو رونالدو عن صمته وطبعه أنه إذا تحدث أسكت الجميع .. فسجل هدفا وانطلق فرحا وقد كنت والله أحب اللون البنفسجي أو أيا ما تدعوه الفتيات وكان يرتديه الريال يومها حتى تلك اللحظة
كان الهدف قاسيا في توقيته ولكني لم أفقد الأمل وتشجعت ومعي بعض الرفاق الطليان وهتفنا فورزا يوفنتوس .. وفورزا لمن لا يعرفها كلمة تشجيعية يستخدمها الطليان لرفع معنويات المنادى وأقرب ترجمة لها حسب ما أفهم أنها تعني هيّا ..
ويبدو أن هتافاتنا وصلت للاعبين فسجل ماندزوكيتش هدفا لا يبدو أنه سجل مثله من قبل ولا أنه سيسجل مثله حتى أمام الريان والوكرة .. فقفزت حتى ظننت أنني أرمسترونق الرجل الأول وعانقت كل من أراد العناق أو تقبله من الجالسين جواري ..
وأكملنا الشوط الأول واقفين وقوف البدر على باب الشعر .. بنا جوع وظما ! لهذه الكأس المستعصية ! بين الشوطين شعرت فجأة بالبرد رغم أن المباراة كانت في يونيو وكنت أرتدي معطفا ثقيلا ولكن التهامي تهامي كما يقول الأشقاء في النماص التي نسميها حجازا ..
خففت من وطأة البرد بكأس شاي وعدت لمقعدي سريعا في انتظار الشوط الثاني .. ويقيني أنه سيبدأ مثل نهاية سابقه وسننهي المباراة قبل نهايتها الفعلية ..
ثم جاءت اللحظة التي قلبت تاريخي وذبحتني من الشريان إلى الشريان .. إذ سدد كاسيميرو كرة يائسة من منتصف الملعب ..
ثم جاءت اللحظة التي قلبت تاريخي وذبحتني من الشريان إلى الشريان .. إذ سدد كاسيميرو كرة يائسة من منتصف الملعب ..
حولها نحس خضيرة الذي يجعله ملازما للعيادة وتوتر بوفون إلى هدف للفريق الذي نعرفه جميعا .. وانطلق البرازيلي محتفلا وكأنه سجل هدفا في نهائي دوري أبطال أوروبا !!!
والجدير بالذكر أن عقلي في الصدمات شبيه بجهاز الجوال الذي يعتمد على نظام أندرويد إذ يعلّق فجأة أو كما يقول الأشقاء يهنّق
والجدير بالذكر أن عقلي في الصدمات شبيه بجهاز الجوال الذي يعتمد على نظام أندرويد إذ يعلّق فجأة أو كما يقول الأشقاء يهنّق
فلم أستطع استيعاب الهدف الثاني حتى انسل كريستيانو بين دفاعنا الذي عجز ثلاثي برشلونة عن التسجيل فيه لمدة ١٨٠ دقيقة .. انسل مسجلا هدفا ثالثا أنهى فترة التعليق ووضعني أمام حقيقة الخسارة والإفلاس .. وعجزت حتى عن تخيل سيناريو العودة فقد انتهى كل شيء في ٢٠ دقيقة !!
وما بين مصدق ومكذب ودامع انقضت اللحظات التالية وقررت أن أخرج مبكرا فأخذت السلم المؤدي للخارج وفي منتصف السلم سمعت الهتافات تتعالى فالتفت على أمل وليتني لم أفعل .. إذ كان أسينسيو يأخذ نصيبه من الليلة لا أكثر .. خرجت هائما لا أدري إلى أين ومشيت مسرعا حتى وصلت ..
حتى وصلت إلى منطقة يبدو أنها مخصصة لكبار الشخصيات ويبدو أني دون علم تجاوزت بعض الحراسات أو ربما كانوا مشغولين بكريستيانو ورفاقه فلم يوقفني أحد حتى قال لي عسكري بدهشة بعد أن عرف أني لست من كبار الشخصيات ولا أحمل حتى بطاقة تقول ذلك .. how in the f**c did you get here ?
الحقيقة أني تجاهلته ولسان حالي " قد هي كل أبوها خاربة " لكنه هو وزميلته طلبوا مني بلطف أن أعود أدراجي ففعلت وفي منتصف الطريق قابلني يوفنتيني بلغ من الكبر عتيا فقال لي بلهجة تبدو ايطالية :
I'm sorry !
وربت على كتفي فقلت له بصوت غير مسموع خنقته العبرة كما يقول يوسف سيف :
thanks!
I'm sorry !
وربت على كتفي فقلت له بصوت غير مسموع خنقته العبرة كما يقول يوسف سيف :
thanks!
أكملت طريقي لخارج الملعب وانتظرت سيارة أوبر لمدة ساعة أو أكثر وأنا أقرأ في مجموعات الواتس اب كل أنواع السخرية مني ومن فريقي بينما بدأ مشجعو يوفنتوس يشتمون كل شيء يتعلق بالفريق من ألفه إلى يائه .. وصلت السيارة وتوجهت إلى المنزل البعيد وقد كان سائق أوبر من السيخ كما يبدو ...
من العمامة التي يضعها على رأسي بينما كان واضحا أن الطير على رأسي فلم ينبس لي ببنت شفة حتى وصلنا إلى وجهتنا كما يقول قوقل صديق سفري الوحيد حينها ..
فتحت المنزل بالمفتاح الذي أعطاني إياه الزوجان وحييتهما بـ hi فردا التحية ودعياني لعشاء أو شراب فشكرتهما وقلت لهما أن علي النوم ..
فتحت المنزل بالمفتاح الذي أعطاني إياه الزوجان وحييتهما بـ hi فردا التحية ودعياني لعشاء أو شراب فشكرتهما وقلت لهما أن علي النوم ..
في تلك الأثناء وقعت حادثة طعن في لندن وحادثة أخرى في محطة القطارات الرئيسية وتدافع في تورينو لم أعرف عنها إلا لاحقا .. وكنت وضعت جوالي جانبا وعلى الصامت منذ عدت للمنزل واستلقيت أتأمل السقف وأحاول استيعاب ما حدث وبعد أن مرت ساعة فتحت جوالي فإذا بالرسائل تتدفق من العائلة والأصدقاء
يسألون جميعا ما إذا كنت بخير ! فأجبت بكبريائي المعتاد أني بخير وأنها مجرد مباراة كرة قدم فنقلوا لي الأخبار الصادمة فزادتني غما على غمي .. وأنا من الذين يكرهون الأجواء المتوترة وظننت أني كعربي سألقى من التضييق ما الله به عليم .. فأمضيت ليلتي حزينا وجائعا وقلقا ..
وحين استيقظت صباح اليوم التالي استحكمت وبدلت ملابسي وأخذت سيارة أجرة نحو المحطة كان سائقها يسألني عن رأيي في السماح لأوبر بالعمل وكيف أن ذلك ضيق عليهم عيشتهم فقلت له أني أتمنى أن يرزق الله الجميع لكنه أصر على أن يعرف رأيي ولا أكتمكم أني كنت سعيدا إذ يندر أن يهتم أحد برأيي هنا ..
فأجبته بتفصيل غير ممل ويبدو أنه لم يقتنع كثيرا لكنه شكرني على رأيي وتمنى لي التوفيق وهو يخرج حقيبتي من سيارته ويصافحني عمد المحطة .. وكنت نظرا لتداعيات الليلة السابقة قلقا مما سيحدث في المحطة هنا وفي لندن وفي ذهني أن مئات من العسكر سيملؤون المحطتين وحتى القطار ..
لكن المفاجأة السارة أنني لم أشاهد إلا واحدا أو اثنين منهم ولم يوقفني أخد للتفتيش لا في كارديف المشؤومة ولا في لندن المنكوبة .. باستثناء تأكدهم من صلاحية تذكرتي على القطار .. إذ سألتني عنها موظفة تمنيت لو كان ما بيننا أكثر من لحظة عابرة !
وصلت إلى لندن وأمضيت يومي الأخير هناك في التنزه والتسوق .. والتسوق لا يعني بالضرورة الشراء بل قد يكون مجرد الذهاب الى السوق والتجول فيه خاصة حينما نكون أحمق بما يكفي لتضع " تحويشة العمر " في تذكرة مباراة يخسرها فريقك بـ " رباعية توجع وما تخليك تنام الليل " ولكنها الحياة ..
في اليوم التالي توجهت للمطار مبكرا وأنهيت إجراءات السفر وقد أدهشني أنهم لا يختمون جوازك عند الخروج من بريطانيا عكس كل الاماكن التي زرتها سابقا .. ولا أدري ما السبب لكن يبدو أن السبب نزعة البريطانيين الحمقاء للاختلاف عن جيرانهم في كل شيء مثل اتجاه السيارات ومكان المقود فيها ..
٣ أقول قولي هذا وأستغفر الله وأدعوه ألا يرى الأستاذ عثمان العمير ما قلت .. وبعد فقد مررت ببعض المتاجر في المطار خاصة " الماركات " منها وراعني اعتقادهم عن الخليجيين إذ يرون أني قادر على شراء ما أشاء مع أني في واقع الحال مثل محمد عبده ما أبي غير السلامة ..
بعد تأخير ليس بالقصير أقبلت موظفة الخطوط تلك في غلالة عنابية وبشرتنا بأنه بات في مقدورنا الصعود على متن الطائرة في طريق العودة نحن الوطن .. فتقدمت ومازال في نفسي شيء من عدم ختم الجواز ويخيل إلي أن عميلا ينتظرني بعد " الكاونتر " ليسوقني إلى سجن الهجرة إن كان ثمة شيء مماثل ..
لكن لحسن الحظ لم يحدث هذا .. فبمجرد التأكد من بطاقة صعود الطائرة كانت مجرد خطوات تفصلنا عن الطائرة نفسها .. دخلت الطائرة وتوجهت نحو مقعدي فكان وثيرا وباردا وتبين لي لاحقا أن لا أحد سيجلس بجواري لا يمينا ولا يسارا .. فزادت فرحتي ونزعت عن اللحاف غطاءه البلاستيكي ..
ومددته على جسدي النحيل مثل كاظم الساهر .. مع أن المستبدة هنا كأس قبيحة ذات أذنين طويلتين لا بارك الله فيها .. وقبل أن أغمض عيني لمحت في الشاشة فيلم la la land وقد كان يتصدر شباك التذاكر قبل ذلك بوقت قصير .. وبيني وبين ايما ستون حب قديم من أيام easy A .. فكافأت نفسي بمشاهدته ..
والفيلم لمن شاهده ممتع وظريف لكنه طويل قليلا .. ففي منتصفه وبينما قلبي يتقطع على رايان غوسلينق وايما ستون فاجأني سائل من يميني : " سير منسف أور ماكروني " ورغم علاقتي الطويلة مع الطليان إلا أن الوقت لم يكن مناسبا لتذكرهم فاخترت المنسف دون تردد وكان له من اسمه نصيب !
بعد نهاية الفيلم والوجبة أعدت مقعدي إلى أقصى وضع أفقي ممكن ونمت حتى الصباح أو حتى وصلنا المهم أني استيقظت على الهبوط وكنت قد وضعت الحزام فوق بطانيتي حتى لا يزعجني أحد ويبدو أنهم أكبروا هذا الشيء في فلم يوقظوني لأعدل وضع المقعد حين هبطنا أو أنني عدلته دون أن أشعر .. لا أتذكر ..
المهم أننا وصلنا للدوحة .. وكنت قد شحنت حقيبتي الى أبها من لندن مباشرة كي أتخفف مما يثقلني وإن كانت الحقيبة أخف من أعباء أخرى يومها .. حينما وصلنا فتحت شبكة واي فاي المطار فإذا بالرسائل تنهمر مجددا إلى حد أن بعض المجموعات تجاوزت رسائلها الألف رسالة ..
لكن لفتتني رسالة صديقي حسين الذي كتب : " لا إله إلا الله ، أنت وش مسوي في لندن ؟! " فتحت باقي الرسائل وعرفت أن المملكة والإمارات والبحرين قطعت علاقاتها وأغلقت أجواءها مع الدوحة في فجر ذلك اليوم تحديدا .. فقلت لعلهم يبدأون من الغد وتوجهت للائحة الرحلات ...
فوجدت رحلة الدمام قد غادرت ورحلة إلى الرياض كتب أمامها الصعود للطائرة فاستبشرت .. لكن ما لبثت لحظات حتى شاهدت مسافرين يعودون بحقائبهم إلى صالة المطار وهذا أمر يندر حدوثه فعلمت من هيأتهم أنهم ربعنا .. فأيقنت ألا مزيد من الرحلات بين البلدين وأن السعودية لن تصبر أكثر مما صبرت ..
وطبع السعوديين أنهم يصبرون كثيرا لكن عليك أن تتحمل عواقب نفاد صبرهم إن حدث ذلك .. المهم أني قرأت المشهد مبكرا مستعينا بالله ثم بالنحس الذي لازمني طيلة الايام السابقة وذهبت لأبحث عن رحلة أخرى .. وفي هذه الأثناء كان شقيقي الأكبر يرسل لي سائلا عن الأوضاع وهل سيسمحون باستكمال الرحلة
فأجبته أن هذا لن يحدث وأني قد بدأت بالبحث عن رحلة أخرى .. فهون علي الأمر مع أن لسان حاله يقول : " تستاهل أنت ويوفنتوس حقك " .. كان الوضع مربكا ومئات المسافرين الصائمين يبحثون عن حل ولم نجد جوابا شافيا من مسؤولي الخطوط التي كان مقررا أن تنقلنا إلى أبها .. إلا بعد ساعتين أو أكثر .
فاستبدلوا رحلتي إلى أبها برحلة إلى دبي وطلبوا مني مبلغها كاملا متذرعين بأن رحلتي إلى أبها ليست عن طريقهم وأنهم مجرد مشغلين لها .. دفعت ثمن التذكرة مضطرا وطلبت منهم أن يغيروا مسار حقيبتي إلى دبي فوافقوا وطلبوا توقيعي فوقعت على مضض .. وتوجهت نحو بوابة المغادرة ..
على الطائرة كان الوجوم والترقب مسيطرا على الجميع .. لكن الرحلة كانت قصيرة جدا .. وصلنا إلى دبي وكانت الصدمة أني لم أجد حقيبتي .. فتوجهت إلى المسؤولين في مطار دبي وقد كانوا غاية في اللطف وأخبروني أنهم سيجلبون حقيبتي إلى باب فندقي فشكرتهم ومضيت مثل سيد البعيد لا ألوي على أحد ..
حتى وصلت فندقي الذي كان في محيط إمارات مول فدخلت المول أولا واشتريت علبة تمر صغيرة وماء وعصيرا وتوجهت للفندق .. تجاوزت إجراءات الدخول بنجاح وأخبرتهم أني أنتظر حقيبتي فإن وصلت فأخبروني وإلا فالعوض على الله ..
صعدت لغرفتي وكانت في غاية الرحابة والترتيب والنظافة بعكس فندق لندن ..
صعدت لغرفتي وكانت في غاية الرحابة والترتيب والنظافة بعكس فندق لندن ..
بعد لحظات من وصولي أذن المؤذن لصلاة المغرب فأفطرت وشربت وصليت وفكرت في غفوة سريعة أصحو بعدها وأتنزه في مكان قريب إن وصلت حقيبتي واستحممت .. لكن الغفوة تغيرت إلى " نومة عميقة " فصحوت الساعة ٢ فجرا .. صليت العشاء ونزلت مسرعا لألحق سحورا قريبا فدلني موظف الاستقبال على مطعم بخاري
قريب من الفندق .. والبخاري أينما ذهبت هو طوق النجاة من غلاء المطاعم أحيانا ومن عدم إشباع أطباقها أحيانا أخرى ..
تسحرت وعدت للفندق سائلا عن حقيبتي فقالوا أنها لم تعد فدعوت على الخطوط البريطانية والقطرية وكريستيانو رونالدو وعدت لفراشي ونمت بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر ..
تسحرت وعدت للفندق سائلا عن حقيبتي فقالوا أنها لم تعد فدعوت على الخطوط البريطانية والقطرية وكريستيانو رونالدو وعدت لفراشي ونمت بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر ..
استيقظت ظهرا و سألتهم عن حقيبتي فأجابني الموظف أنه لا شيء يخصني قد وصلتهم .. فأعدت دعاء الليلة السابقة مستثنيا كريستيانو رونالدو هذه المرة وأنا بطبعي رياضي وأقدر المبدعين حتى أولئك الذين يتسببون في كآبتي مثل كريستيانو رونالدو وشيفشنكو وحمد الله ..
تركتهم وتوجهت للمطار لأجد حلا وحين وصلت قالوا لي أنهم أرسلوا الحقيبة لفندقي منذ الليلة الماضية ، فاتصلت بالفندق فأكدوا لي ذلك لكنهم قالوا أن الموظف الذي أجابني لم يكن على علم وأنهم مستعدون لإيصالها لي إلى المطار فاتفقنا على المبنى الذي توجد فيه شركة فلاي دبي ..
وهو مبنى يختلف عن المبنى الذي كنت أحدثهم منه .. ركبت سيارة أجرة من المبنى الخاص بطيران الامارات الى مبنى فلاي دبي وقابلت سائق الفندق الذي سلمني حقيبتي فشكرته وتوجهت لكاونتر فلاي دبي .. واشتريت تذكرة جديدة للرحلة المتجهة إلى أبها في السابعة من مساء اليوم ذاته ..
أفطرت في المطار على تمرات قليلة وزعها مسؤولو المطار على المسافرين وصعدت للطائرة وكانت شبه فارغة مثل جيبي .. بعد ساعتين ونصف من الملل وصلت إلى أبها وكنت قد نسقت مع شقيقي الأوسط لاستقبالي فاستقبلني مرحبا ومهونا لكنه لم يسطع إخفاء نظرة الشماتة في عينيه كأرسنالي عانى من تنمري الطويل
أخذني مباشرة لتناول عشاء دسم محاولا في كل مرة ألا يتطرق لحزني الذي مازال يرتسم على ملامحي ويخالط صوتي .. تعشينا ثم تمشينا بالسيارة في الحزام الذي قال عنه طلال مداح رحمه الله والحزام ذهبي جميل مع أنه حينها لم يكن ذهبيا ولا جميلا .. وعدنا لبيته فنمت حتى ظهر اليوم الثاني ..
في العصر توجهنا بالسيارة إلى الديرة مستعينين بالله يرافقنا صوت محمد عبده وتحليلات لا تسمن ولا تغني من جوع لما حدث في كارديف حتى وصلنا إلى البيت واستقبلتني العائلة بنظرة غضب لتجاوزاتي الكثيرة وشفقة على ما حل بي . وقد كان أمرا مقضيا .. فالحمد لله دائما وأبدا وعذرا للإطالة ..
جاري تحميل الاقتراحات...