حكم خدمة الزوجة زوجها.
مقدمة: 1- من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أنّ التسليم لشريعة لله تعالى وأحكامه واجب على كل مسلم ومسلمة, قال الله تعالى:(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا),
وقال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك من المفلحين).
2- الواجب الذي لا محيد عنه عند استنباط الأحكام الشريعة أن تكون غاية الناظر في الكتاب والسنة الوصول إلى حكم الله تعالى بناء على الكتاب والسنة وقواعد فهمهما(أصول الفقه), وأن يفرغّ قلبه من اتباع الهوى كنصرة مذهب فقهي أو إرضاء أشخاص أو جماعات لتحقيق شهواتهم أو اثبات شرعية أفعالهم,
وأن يخلو قلبه وفكره من كل شي إلا من رضى الله سبحانه, فلا مداهنة في دين الله أبدا, قال الله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما), (قل أرأيتم إلى ما أنزل الله من شيء فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون)
(واتل عليهم نبأ الذين آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه)(وإن كادوا ليفتنونك عن الذين أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاً)(ودّوا لو تدهن فيدهنون)
- الحجة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله وما دلا عليه فقط, ولا عبرة بقول أحد إذا خالفهما, ويُعذر المجتهد المخطئ.
4- لا يجوز ترك ظاهر النص إلى التأويل, ولا ترك العموم إلى التخصيص, ولا ترك الإطلاق إلى التقييد إلا بدليل يقوى على ذلك.
حكم خدمة الزوجة زوجها.
القول الأول: لا يجب على الزوجة خدمة زوجها. وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة. ثم انقسموا إلى قولين, الأول: استحباب خدمة الزوجة زوجها. والثاني: وجوب خدمة الزوجة زوجها بالعرف لا بأصل الشرع, لأن (المعروف المشتهر بين الناس كالمشروط في العقد).
القول الأول: لا يجب على الزوجة خدمة زوجها. وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة. ثم انقسموا إلى قولين, الأول: استحباب خدمة الزوجة زوجها. والثاني: وجوب خدمة الزوجة زوجها بالعرف لا بأصل الشرع, لأن (المعروف المشتهر بين الناس كالمشروط في العقد).
القول الثاني: يجب على الزوجة خدمة زوجها. وهو قول المالكية, ونقل ابن الماجشون أنه قول الإمام مالك نفسه, وهو قول أبي الثور, وأبو بكر ابن أبي شيبة, وأبو إسحاق الجوزاني, وشيخ الإسلام ابن تيمية, وتلميذه ابن القيم. وفرّق المالكية بين الشريفة ذات المنصب والجاه فلا يجب عليها وبين غيرها..
وفرّق المالكية بين الشريفة ذات المنصب والجاه فلا يجب عليها, وبين غيرها فيجب عليها. ثم أوجبوا على الشريفة خدمة زوجها إذا كان فقيراً.
الأدلة والبراهين. مقتصرا على أقوى أدلة القولين:
أدلة القول الأول: اعتمد القائلون بعدم وجوب خدمة الزوجة زوجها على التعليل. فقالوا: المقصود من عقد النكاح حل الاستمتاع والجماع, والخدمة لا تعتبر من مقتضيات العقد ولا من لوازمة إلا إذا اشترط أحد الزوجين شرطاً من مصلحة العقد.
أدلة القول الثاني: اعتمد القائلون بوجوب خدمة الزوجة زوجها على الأدلة النقلية من السنة.
/ حديث علي رضي الله عنه قال: ( أن فاطمة عليها السلام اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن، فبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسبي، فأتته تسأله خادما، فلم توافقه، فذكرت لعائشة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك عائشة له، فأتانا، وقد دخلنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم...
فقال: «على مكانكما».حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتماه، إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتماه») رواه البخاري.
وجه الدلالة: أقر النبي صلى الله عليه وسلم ما تفعله ابنته فاطمة رضي الله عنها من الخدمة في بيت زوجها علي رضي الله عنه, ولو لم يكن واجباً لبيّن النبي ذلك خاصة مع المشقة التي أصابت فاطمة.
- حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (هلك أبي وترك سبع أو تسع بنات، فتزوجت امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجت يا جابر» قلت: نعم، قال: «بكرا أم ثيبا» قلت: ثيبا، قال: «هلا جارية تلاعبها وتلاعبك، أو تضاحكها وتضاحكك»
قلت: هلك أبي فترك سبع أو تسع بنات، فكرهت أن أجيئهن بمثلهن، فتزوجت امرأة تقوم عليهن، قال: «فبارك الله عليك») رواه البخاري. وفي رواية أخرى: (فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن، قال: «أصبت»)
وجه الاستدلال: صوّب النبي صلى الله عليه وسلم قصد جابر رضي الله عنه وهدفه من الزواج وأقره على فعله.
- حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: قالت(تزوجني الزبير، وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق،
وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي،
فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال...
فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال...
فدعاني ثم قال: «إخ إخ» ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت [ص:36] الزبير وغيرته وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى) رواه البخاري
وفي رواية مسلم: (فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ وَأَسُوسُهُ وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ)
وفي رواية أخرى للبخاري: («كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ»)
وجه الدلالة: أقر النبي صلى الله عليه وسلم ما تفعله أسماء من خدمة زوجها وبيته وفرسه ونخله, وكذلك أبو بكر رضي الله عنه لم ينكر على ابنته أو على الزبير رضي الله عنهما, ولم لم يكن واجبا لبيّن النبي ذلك خاصة مع وجود المشقة على أسماء.
4- حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على [ص:165] طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده»)
وجه الدلالة: بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن تفضيل نساء قريش على بقية نساء العرب بسببين, الأول: رعاية الطفل والقيام بشؤونه, والثاني: رعاية الزوج والقيام بحقوقه والحفاظ على ماله, وخدمت الزوج صورة من صور رعايته, والقاعدة الأصولية تنص على (أن مدح الفعل يدل على مشروعية الفعل)
فإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة ولأسماء بنت أبي بكر, مع استحضار مشقة الخدمة التي وصفتها فاطمة وأسماء, ومع استحضار القاعدة الأصولية (عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة), ومع الاستناد على ظواهر تلك الأدلة وإطلاقاتها يدل دلالة صريحة على وجوب خدمة الزوجة زوجها.
ومعلوم أن الدليل الواحد يكفي في الحجة, ولكن الحجة تكون أقوى إذا اجتمع أكثر من دليل بطرق مختلفة لأشخاص مختلفين, فحجة الأدلة المجتمعة أقوى من الدليل الواحد.
ولا تقوى العلة المستنبطة الاجتهادية على تخصيص الظاهر القوي للدليل الواحد, فكيف تقوى على تأويل مجموعة أدلة لها دلالة واحدة؟! والله المستعان.
وعلى الناقد الذي يرى القول الآخر أن يكون بناءً لا هداماً, فيجب عليه بعد نقد أدلة الموجبين أن يأتي بأدلة يثبت بها قوله بعدم الوجوب ولا يكتفي بالنقد فقط.
وأضيف دليلا وقاعدة أصولية للقول بوجوب خدمة الزوجة زوجها وهو: قول الله تعالى( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة), (وعاشروهن بالمعروف). ومن المعروف في زمن نزول الوحي خدمة الزوجة زوجها ودل عليه حديث فاطمة وحديث أسماء, والعرف المصاحب للشرع حجة وبرهان لمن بعدهم...
وهو داخل دخولا قطعياً في الآية.
والقاعدة قول الشاطبي في الموافقات:( العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها... فثابتة أبداً كسائر الأمور الشرعية... فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين فيها... فرفع العوائد الشرعية باطل) الموافقات للشاطبي: 2/488.
تصحيح
{وأولئك هم المفلحون}
{وأولئك هم المفلحون}
جاري تحميل الاقتراحات...