مشكلة التعامل مع كتب المذكرات إنها غير موضوعية. يعني بالتأكيد مفيش حد حيكتب مذكراته ويذكر فيها الأخطاء اللي وقع فيها إلا لو كانت أخطاء تثبت إن دوره التاريخي كان سليم. وفي العادة حيركز في المذكرات على أخطاء الآخرين اللي هو كان شاهد عليها، وساعات حاجات سمع عنها ولم يشاهدها.
المشكلة إن القارئ يقرأ هذه المذكرات باعتبارها كتاب مطبوع على ورق، ويتعامل معاها كأنها حقيقة دامغة وتثبت وجهة نظره في حدث تاريخي ما. المذكرات المتعلقة بفترة ما من التاريخ أو حدث ما، هي في النهاية روايات مختلفة تحتمل الصدق وتحتمل الكذب وعلى الأرجح هي حاجة بين الاتنين.
مؤخراً قرأت مذكرات المشير أحمد اسماعيل، القائد العام للقوات المسلحة خلال حرب ١٩٧٣. اللواء أحمد اسماعيل دخل الكلية الحربية سنة ١٩٣٦ وكان دفعة عبد الناصر ويوسف السباعي وأحمد مظهر. على عكس الأسماء التي تم ذكرها، لم يدخل أحمد اسماعيل تنظيم الضباط الأحرار،
رغم إن في المذكرات بيقول إنه كان عارف مخطط الإطاحة بالملك ومقتنع به. بعد ١٩٥٢ كان أحمد اسماعيل من الضباط اللي بيثق فيهم عبد الناصر لأنه لم يكن من رجال عبد الحكيم عامر، وفي سنة ١٩٦٤ أرسله عبد الناصر إلى الكونغو لحماية رئيس الوزراء لومومبا اللي كان تعرض لانقلاب عسكري من وزير دفاعه.
القوات المصرية اللي أرسلها عبد الناصر تحت قيادة أحمد اسماعيل، كان سبقها قوات مصرية تابعة للأمم المتحدة بقيادة سعد الدين الشاذلي. وفق المذكرات فإن أحمد اسماعيل طلب من سعد التعاون معاه، وسعد رفض لأن قواته تابعة للأمم المتحدة وليست تابعة للجيش المصري.
الخلاف دة كان شهير وساب أثر في نفس الاتنين وبالتالي كان في ذهن السادات لما اختار الأول قائداً عاماً إنه يختار الثاني رئيساً للأركان، وبالتالي ميكونش فيه توافق بين الاتنين، وهو ما حصل خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣.
لذكر ازاي المذكرات لا يمكن الوثوق فيها بالكامل، أحمد اسماعيل في ٩ مارس ١٩٦٩ تم تكليفه برئاسة الأركان بعد استشهاد رئيس الأركان الفريق عبد المنعم رياض. في ١٢ سبتمبر ١٩٦٩ تم إعفائه من رئاسة الأركان بعد ما إسرائيل عملت إنزال في منطقة الزعفرانة واستولت على رادار خلال حرب الاستنزاف،
وكان فيه تأخر في الرد المصري. عبدالناصر في اللحظة دي كان بيحضر مناورة ولما عرف قال لأحمد اسماعيل يستطلع الأمر بنفسه في الموقع، أحمد اسماعيل عاد إلى مكتبه وبالتالي شاله عبد الناصر وعين اللواء محمد صادق رئيساً للأركان. في المذكرات أحمد اسماعيل بيكتب الواقعة وهو يشعر بالإحراج الشديد
فيقول إن السبب الحقيقي لإزاحته من منصبه إن القائد العام للجيش الفريق محمد فوزي لم يكن يطيقه وكان بيجهز لعزله من منصبه، وإن فوزي بلغ عبد الناصر إن أحمد اسماعيل حرك قوات بدون علمه وبالتالي كان هذا هو السبب.
ثم يحكي إنه بعد التقاعد جلس في بيته وكتب مجموعة من الأفكار لمعركة تحرير سيناء وصاغها في شكل خطاب لعبد الناصر ولكن لم يرسله حتى لا يفهم أنه يريد العودة إلى الخدمة. أما في الفصول المخصصة لحرب أكتوبر، فلا يذكر المشير أحمد اسماعيل اسم رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي مطلقاً!
رغم إن المصادر الغربية التي تناولت الحرب اعتبرت إن القائد والمهندس الحقيقي للعمليات كان الشاذلي، ورغم إن الخلاف الشهير حول ثغرة الدفرسوار كان بين السادات والشاذلي. لكن المشير اسماعيل في مذكراته يتناول الثغرة في فصل قصير، لا يفهم منه حقيقة ما حدث بعكس ما تم ذكره في مذكرات الشاذلي.
مهمة المهتم بالتاريخ إنه يحاول معرفة الرواية الأقرب لما حدث وفق المعلومات المتوفرة لديه. مثلاً فيه وثائق بتطلع كل شوية عن موقف بريطانيا من أحداث حصلت في الشرق الأوسط. كل مرة طريقة معرفتنا للحدث بتتغير وفق الوثيقة واللي لم تكن منشورة من قبل وبالتالي جمهور المؤرخين لم يطلعوا عليها.
أحداث تاريخية كبيرة زي حرب ١٩٦٧ أو حرب ١٩٧٣، فيه عشرات المذكرات التي كتبها أشخاص لعبوا أدواراً خلال تلك الحروب. كل مرة فيه رواية تحمل منظور صاحبها ووجهة نظره.
ثم فيه كتب عن الحرب كتبها باحثين بالرجوع إلى الوثائق والمذكرات ومحاولة تفنيدها والوصول إلى الرواية الأقرب. مشكلة بعض هذه الكتب إن من كتبها بيدور على الوثائق والمذكرات اللي ممكن تدعم وجهة نظره في الحرب، وبالتالي فيه تساؤلات حول مقدار الموضوعية اللي بيكتب بيها عن الحدث التاريخي
فيه نوع ثالث من الكتب ودة المفضل عندي لأنه بيحط الحدث ضمن سياق أوسع وفكرة أشمل. النوع دة بيرجع فيه الباحث للمذكرات والكتب والوثائق علشان يحط الحدث التاريخي ضمن سياق أوسع وبالتالي نقدر نفهم الحدث دة بشكل أعمق، ونقدر نعرف ليه حصل، وأيه كانت نتائجه، والأهم نعرف الدروس المستفادة منه.
وكل دة علشان ينجح لازم يتم بأعلى معايير الموضوعية والتجرد الأكاديمي وإلا يبقى الكتاب مجرد وجهة نظر ذاتية عن الحدث.
مشكلتنا حالياً في مصر والعالم العربي إن حجم الجهل بالمعلومات والتضليل فيما يتعلق بالأحداث التاريخية هو حجم مهول رغم إن نسبة وصول الناس لوسائل الحصول على المعلومات زي الانترنت هي نسبة عالية.
في تقديري إن دة سببه إن قطاع واسع جداً من الناس وخصوصاً الشباب ليس عندهم قدرة على الحكم على روايات التاريخ التي تقدم لهم من خلال المواقع أو حسابات السوشيال ميديا اللي بيتابعوها، وبالتالي يتحول الجدل حول التاريخ إلى خناقات مشجعين نوادي كرة قدم،
ويتم ترديد أكثر العبارات ابتعاداً عن أبسط الحقائق التاريخية. وهنا يتحول الحدث التاريخي إلى مجرد "ترند" بيتجدد كل سنة وبيتم فيه ترديد نفس العبارات بتاعة السنة اللي قبلها بدون ما يكون فيها رؤية أو إضافة جديدة مبنية على قراءة موضوعية لمصادر الروايات التاريخية.
عبارات زي "السادات خائن وعميل" أو "عبد الناصر الفاشل" هي عبارات مش بس غوغائية، لكنها كمان بعيدة بالكامل عن الحقيقة بشكلها المجرد. هي عبارات ممكن تستخدم في خناقات المقاهي بين مجموعة من الناس اللي عندها توجهات سياسية شايفاها مقدسة
ومش قادرة تتصور إن الشخصيات التاريخية هي مثل الأحداث التاريخية، لا يمكن الحكم عليها بدون العودة إلى السياق التاريخي وإلى زمنها والأهم إلى مصادر يمكن الاعتماد عليها، علشان نقدر نحط أي شخصية تاريخية أو حدث تاريخي في سياقه، وبالتالي نقدر نفهمه، وبالتالي نقدر نطلع منه بدروس مستفادة.
من المدهش مثلاً إن البعض بيتعامل مع حرب ١٩٦٧ أو حرب ١٩٧٣ وكأنهم أعادوا اكتشافها في ٢٠٢٠، رغم إن الكتب والمذكرات التي نشرت عن تلك الحروب موجودة من عقود ويمكن العودة إليها والاشتباك معها ومعرفة ما الذي يمكن الاعتماد عليه كمصدر أو عدم الاعتماد عليه.
والأهم أن يكون هناك باحث جاد يستطيع أن يضع الحدث التاريخي ضمن سياقه التاريخي الأوسع.
للتعامل مع حدث بضخامة حرب ١٩٦٧، يمكن العودة لعدد هائل من المذكرات والمصادر والكتب التي تناولت الحرب. لكن هناك كتاب لباحث اسمه حازم قنديل تعامل مع الحرب بشكل يستحق التوقف عنده. في كتابه Soldiers, Spies, and Statesmen
"جنود، جواسيس، ورجال دولة" اللي طلعت طبعته الأولى في ٢٠١٢، فيه فصل اسمه Two States Within a State: The Road to June 1967
"دولتان داخل دولة: الطريق إلى يونيو ١٩٦٧".
"دولتان داخل دولة: الطريق إلى يونيو ١٩٦٧".
على حد علمي الكتاب غير مترجم إلى اللغة العربية، وكنت أتمنى يكون فيه شخص قادر على ترجمة هذا الكتاب أو على الأقل هذا الفصل اللي في رأيي تم فيه بذل جهد جاد لفهم الطريق إلى حرب ١٩٦٧ داخلياً وخارجياً بالنسبة لمصر
من خلال وضع الأحداث التاريخية في سياق أوسع وهو العلاقة بين الأضلاع الثلاثة لمؤسسة الحكم: الضلع السياسي، والضلع العسكري والضلع الأمني، والتركيز على العلاقة المركبة والشائكة بين الدولة التي كان يقودها عبد الناصر ورجاله، والدولة التي كان يقودها عبد الحكم عامر ورجاله.
في الفصل الأول من الكتاب يتناول حازم قنديل أزمة مارس ١٩٥٤. الفصل دة مكتوب بشكل جيد جداً وإن كان فيه بعض الملاحظات عليه مثل الاعتماد على بعض المصادر التاريخية الضعيفة. لكن دة مكانش مؤثر في تماسك المنهج اللي قايم عليه الكتاب.
لكن في الفصل الثاني فيه جهد أعلى واعتماد على عدد كبير من المصادر، ووضع تسلسل الأحداث التاريخية ضمن سياق محكم ووفق منهج واضح جداً. بالنسبة لمن لا يعرف الكثير من التفاصيل حول حرب ١٩٦٧، فالفصل دة حيقدم له رواية متماسكة ومهمة للأحداث وسيضع كل ذلك ضمن سياق أوسع.
وبالتالي القارئ ممكن يفهم ما الذي حدث ولماذا حدث وأيه الدروس المستفادة، بعيداً عن عبارات مستهلكة زي "انهزمنا عندما ابتعدنا عن الايمان"، وكأن إسرائيل قاعدة على سجادة الصلاة، أو "استفززنا إسرائيل، فقامت بالحرب"، وكأن إسرائيل مش كيان قائم على التوسع والاحتلال والحروب الاستباقية.
أهمية الفصل دة في رأيي إنه مش بس بيتناول الطريق إلى حرب ١٩٦٧، ولكن أيضاً يجعل القارئ يفهم الجذور التاريخية لشكل وتركيبة معادلة الحكم في مصر، والتي تم تغييرها أكثر من مرة لاحقاً.
فيه كتاب آخر لباحث اسمه طارق عثمان، اسمه Egypt on the Brink: From Nasser to Mubarak "مصر على الحافة: من ناصر إلى مبارك" وتم نشره في ٢٠١٠ ولم أر ترجمة عربية له.
الفصل الثاني اسمه Nasser and Arab Nationalism "ناصر والقومية العربية" وهو فصل يشتبك مع السياسات الخارجية لمصر خلال حكم عبد الناصر، ويضع كل ذلك ضمن سياق أوسع حول مشروع عبد الناصر، وفيه رؤية موضوعية إلى حد كبير، وبالتالي فيه نقد حقيقي بعيد عن شغل الاستسهال المنتشر حالياً.
الفصل فيه جهد مميز وممكن الاشتباك معاه بشكل جاد والخروج بملاحظات كتير، لكن الأهم إن فيه جهد يحترم وقت وعقل القارئ.
كنت أتمنى أترجم مقتطفات من الفصول التي ذكرتها وذلك لأهميتها ولأنها تستحق التأمل ولكن هدفي من الأسطر اللي فاتت هو التفكير بصوت عالي في طريقة التعامل الشعبي مع التاريخ حالياً وليس التعرض لأحداث تاريخية قد يأخذنا النقاش حولها إلى مناطق أخرى.
facebook.com
facebook.com
جاري تحميل الاقتراحات...