عَقْلَانِيْ.
عَقْلَانِيْ.

@spideraustr

14 تغريدة 1,087 قراءة Jun 06, 2020
لماذا نرتدي الملابس؟
لا يوجد كائن غير الإنسان يرتدي الملابس أو يغطي أعضاءه الخاصة، بل ويشعر بالعار من إظهارها. يقدّر الباحثون بأن الملابس ظهرت قبل حوالي 100 ألف سنة، وهي الفترة التي ظهر فيها الإنسان العاقل تقريباً، وقامت كل الحضارات المعروفة باستخدام نوع ما من اللبس أو الغطاء.
طُرِحَت العديد من الإفتراضات حول سبب تغطية الإنسان لجسده بقطع قماشية منها الحماية من الطقس أو الجراثيم والميكروبات أو من أجل النظافة، لكن هذه التفسيرات لا تساعد في فهم تميز الإنسان عن غيره في هذا السياق، وهذه التفسيرات قد تؤشر على أن الملابس ظهرت لأسباب ثقافية وليست تطورية.
لدي فرضية لا أعلم إن سبقني بها أحد ولا أدّعي صحتها مطلقاً لكنني أراها نظرة متسقة مع طريقة نشأة المجتمعات وتعامل أفرادها فيما بينهم، ومتوافقة أيضاً مع ارتباط الملابس بالحشمة والمكانة الاجتماعية.
في البدء، كان الإنسان الأول في أفريقيا يعيش في مجتمعات صغيرة تتألف من 100 إلى 150 شخصاً، وكان كل فرد فيها يعرف جميع الأفراد الآخرين. وكانت الحياة تكافلية فيما بينهم، فحتى الأولاد كانوا أبناء الكل والكل يقوم برعايتهم ولم يكن مفهوم الأسرة قد استُحدِثَ بعد.
ومع تطور اللغة وشح الموارد في أفريقيا اللذان شجعّا الإنسان الأول على الهجرة إلى الجزيرة العربية أولا ثم باقي أرجاء العالم، توسعت القبائل لتضم أعداداً وصلت إلى المئات. وساهم اعتناق خرافات مشتركة ببناء ثقة متبادلة بين ابناء هذه القبائل دون معرفتهم الشخصية ببعضهم البعض.
فكان يكفي على أحدهم الثقة بأحد آخر بمجرد معرفته أنهما يؤمنان بنفس الخرافة أو الأسطورة. هذه العوامل كلها (وهي مذكورة في عدة كتب) ساهمت بوضع حجر الأساس لفكرة ارتداء الملابس.
افتراضي هنا يقوم على فكرة أن ابناء القبيلة الواحدة الذين يؤمنون بخرافة معينة كان عليهم وضع علامات تميزهم عن غيرهم خصوصاً مع ازدياد أفراد القبيلة وصعوبة تمييز الدخلاء فيها. هؤلاء الدخلاء الذين يستفيدون من موارد القبيلة مع أنهم يمررون جينات غريبة عليهم.
ولربما كانت أول علامات القبائل هي أنواع من أغطية الرأس التي تميز ابناء القبيلة عن غيرهم، وهذا قد يفسر سبب ارتباط العمائم والقبعات بالأديان اليوم. فكل دين تقريباً له شكل مميز من غطاء الرأس، يُعرَف دين صاحبه بمجرد رؤيته.
لاحقاً بدأت النساء بتغطية الأعضاء الخاصة بأغطية تمثل القبيلة كإشارة أنهنّ متاحات للزواج ممن يشاركهنّ نفس الدم (الحوض الجيني في القبيلة). ولربما كانت هذه هي بداية ارتباط تغطية المرأة كعلامة على عفافها وإخلاصها للقبيلة.
مع مرور الوقت، واستحواذ بعض القبائل على موارد طبيعية أكثر من غيرهم، وتفاوت القبائل في القيمة الاجتماعية بحسب عددهم وتوافر الأكل والشرب لديهم، بدأ ارتباط القيمة الاجتماعية بالأغطية أو الملابس التي يرتديها الناس. الناس الذين يرتدون غطاءً معيناً يدل على انتمائهم لتلك القبيلة الغنية.
والانتماء للجماعة شيء مهم للإنسان ودائماً ما يحاول إظهار جدارته للإنتماء إلى جماعة معينة، خصوصاً في ذلك الزمن العدائي الذي لا يستطيع فيه الشخص العيش إن لم يكن ينتمي إلى جماعة ما، فهو قد يموت خلال بضعة أيام بشكل حرفي.
ولأن الانتماء للقبيلة كان بهذه الأهمية، كان عليه أن يعلن انتماءه إليها طول الوقت بارتدائه للملابس المميزة للقبيلة. ومن كان يخالف تعاليم القبيلة كان يُطرَد منها ويتم نزع ملابس القبيلة منه بشكل يجعله يحس بالعار. ومن هنا بدأ ارتباط العار بخلع الملابس.
ومع تطور المجتمعات وتعقيدها تطورت أنواع الألبسة وأشكالها والمواد المستخدمة فيها إلا أنها ما زالت إلى اليوم مرتبطة بالحشمة والمكانة الإجتماعية، والتي أعتقد أنها حُفِرَت داخل الجينات (إن صح التعبير) بمعنى أنها أصبحت جزء لا يتجزأ من هوياتنا.
كل هذه العوامل جعلت الملابس جزء لا يتجزأ من الهوية الفردية والجمعية للإنسان، بل أصبح تغيير الملابس أو خلعها يعبر عن الثورة أو الرفض لبعض القيم المجتمعية.

جاري تحميل الاقتراحات...