سئلت عن الكلام في أن الحجاب شرع للتفريق بين الحرائر والإماء ، وأنه يترتب على ذلك عدم وجوب الحجاب في عصرنا الحاضر . فقلت : إن هذا الفهم لا يصح منهجيا ، ولا من حيث النظر في معنى الآية كما ورد في التفاسير
فمن حيث المنهجية ، فتغطية شعر الرأس بالخمار واجب ، ووجوبه لم تثبت له -فيما أعلم - علة يدار الحكم معها وجودا وعدما .والكلام إنما هو في حكمة ( الحجاب) ، والحكمة لا يترتب على انتفاء تحققها تغييرا للحكم .وهذا التفريق أساس مهم لفهم لماذا يجب الحجاب وإن تغيرت الثقافة المتصلة بالاحتشام
هذا من حيث المنهجية التأصيلية ، ونأتي الآن إلى مسألة الكلام في تفسير قوله تعالى : ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) الأحزاب :٥٩
ولا بد أن نقرر أولا أن احترام الإسلام لإنسانية البشر سواء كانوا أحرارا أو أرقاء أمر مقرر ، ولتراجع الآيات والأحاديث في ذلك ، فإذا فهمنا ذلك وتحققناه حينها سنقرأ الآية قراءة تتسق مع هذا الاحترام ويكون لدينا فهم متكامل لأحكام التشريع
وفي ضوء هذا التقرير لاحترام الإسلام للإنسان بل وحثه على الرفق بالضعفاء حثا عظيما نفهم كلام العلماء الذين قالوا إن المراد من الأمر بإدناء الجلابيب أن تتميز الحرائر عن الإماء فلا يؤذين . فهذا التأويل يذهب إلى أن الآية
نزلت بخصوص وضع اجتماعي خاص، كانت الإماء فيه يتواصلن مع الرجل بدون تحفظ ، وهذا التواصل لا ترتضيه الحرة لنفسها، نتيجة وضعها الاجتماعي ، فجاء الأمر بإدناء الجلابيب بمثابة مراعاة لما اختارته الحرائر لأنفسهن من وضع يرين أنه يحقق لهن الصيانة وكمال المروءة.كما أن في تخصيص الحرائر بهذا
الأمر مراعاة لطبيعة حياة الإماء التي تتسم بالانفتاح ، وعدم تكليفهن ما لا يتسق مع طبيعة وضعهن .
ثم إن من العلماء من فهم الآية على انها عامة في جميع النساء من الحرائر والإماء ، لتتميز العفيفات من الفاسقات ، فالصيانة مقصد شرعي لم يفرّق فيه بين الحرائر والإماء وينظر في ذلك تفسير البحر المحيط .
والذي يظهر لي - والله أعلم -أن التأويلين يصلحان أن يكونا مرادين من الآية ؛ فالحرائر مأمورات بمستوى أعلى من الصيانة لا تطالب به الأمة، كما أن الأمة مطالبة بقدر من الصيانة تتميز به العفيفة من الفاسقة بما يلائم وضعها ، فالصيانة مطلوبة من الأمة كما هي مطلوبة من الحرّة إلا أن
الصيانة درجات ، وما يلائم الحرائر منها لايلائم الإماء ، بل إن في تكليف الإماء مستوى أعلى من الصيانة إضرار بهن وبسير حياتهن .ينظر في ذلك تفسير روح المعاني للألوسي .
وهنا لا بد من التنويه على مسألة مهمة وهي أن الأمر بالصيانة ، خوطب به الرجال كما النساء ، مع اختلاف فيما يجب ستره . قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) : "من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه، ومن فهل ذلك منهن تبرجا وتعرضا
للرجال فهو حرام مذموم، وكذلك من ضرب بنعله من الرجال إن فعل ذلك تعجبا حرم ، فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجا لم يجز" .انتهى كلامه.
فلا يقال إن في فرض التستر دعوة للتحرّش بغير المتسترة ، فهذا فهم فاسد مخترع ، والعلماء الذين يؤخذ منهم فهم الدين ومقاصده فهموا آية إدناء الجلابيب التي ورد فيها قوله تعالى ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) أنها حث على الصيانة اللائقة في وضع اجتماعي معين ، وهذا أمر مستقل لا يفهم
منه لا تصريحا ولا تلويحا التبرير للمتحرّش أو أنه لايستحق الذم والعقوبة .وخلط هذين الأمرين لا يقول به من فهم الشرع ومقاصده .والله أعلم.
ثم إن في كتابي ( الثبات والتغير في الحكم الفقهي ) مزيد بيان من حيث النقولات .والله الموفق.
جاري تحميل الاقتراحات...