Saleh Alfalahi
Saleh Alfalahi

@Salehfala

22 تغريدة 30 قراءة Jun 05, 2020
أتسير الحياة وفق إرادة حرة؟ أم يكتبها الدماغ قدرا جينيا وبيئيا لا يُرد؟ أتناول هنا كتاب"علم القدر"الذي يتحدى مضمونه مسلمات راسخة عن حرية إرادة الفرد، ويقدم في ذات الوقت أملا مستقبليا لانفكاك من جبرية بيولوجية تؤثر على حياةالبشر كالأمراض، شاقّا مجالات علوم الأعصاب والجينات وغيرها
تمكننا الذاكرة واللغة والقصةمن عقلنة حياتنا وتشكيلها لفهمها فنشعر أننا مسيطرون عليها، وبذا تكون ذاتنا هي مركز الكون ونفترض أننا ندير حياتنا بعقلانية قراراتنا، إلا أن العقدين الأخيرين شهدا انفجارا معرفيا تقنيا في هذا المجال،ماأعاد إلى الأذهان فكرةالقدر والانفكاك منه لكن بشكل جديدة
تعرض حنه كريتشلو أهم ما يتعلق بمعضلة الإرادة الحرة مقابل القدر.وفي سبرها للحدود المعقدة بين الدماغ والعقل تتناول في كل فصل من الكتاب سمة من سمات الدماغ، مستندة إلى حوارات مع مختصين حول نتائج بحوثهم في تلك السمة التي يتناولها الفصل، متحذرة من الوقوع في تهويل دور علم الأعصاب الواعد
وحول الدماغ النامي،توضح كيف تغير البيئة دماغ الطفل، خذ مثلا ما يعرف بالضبط الإدراكي (في منطقة القشرة السمعية) الذي يتشكل بحسب نوعية الأصوات التي يسمعها الطفل، وكيف أن الحديث كمّا ونوعا أهم ما يمكن للوالدين فعله - للطفل حديث الولادة وحتى يكبر- لزيادة التشابكات العصبية.
وتثبت دراسة حديثة أن نتائج تجربة المارشميلو الشهيرة في ستانفورد تمثل انحيازا، مهملة عوامل مؤثرة، واتضح أن كثيرا من التغيير يحدث عند بلوغ 15سنة بغض النظر عن الاندفاع أو القدرةعلى ضبط النفس أثناء تلك التجربة في عمر مبكر، هناك عوامل تتعلق بالبيئة (الوعود والندرة والتنافس الشرس مثلا.
تمر القشرة الأمامية أثناء المراهقة بتغير ونشاط كبيرين ما يضخّم التوق لمكافأة فورية من الدماغ كالدوبامين، وينكمش حجم المادة الرمادية لتحل محلها الأعصاب (المادة البيضاء)، تشهد أدمغة المراهقين تحولات مؤلمة إنما ليست أعطالاً، بل تختلف عن أدمغة البالغين ويتسم المراهق بالشغف والإبداع
تساعد تلك التحولات على بناء هوية مستقلة قادرة على الاعتماد على ذاتها، فبناء صداقات والمخاطرة أمران إيجابيان،أما فيما يتعلق بتقدم العمر فمن المهم لمرونة الدماغ حينها:النشاط الجسدي،النوم الجيد،النشاط الاجتماعي،الاهتمام بالنظام الغذائي،استمرار التعلم،إبقاء الإيجابية في التفكير.
وحول الحب والقدر، تتمحور دوافع بيولوجيا الحب والجنس حول الثمرة المرتقبة=الطفل، تبين الأبحاث مثلا ميل المرأة إلى الرجل ذي الرائحة الأكثر تباينا عن رائحة جسدها، لعلاقة ذلك بقوة مناعة الطفل المتوقع، إذ أن جينات رائحةالجسد هي ذاتها جينات المناعة، والاختلاف يعني قوة وتنوع مناعة الطفل.
يتأثر بناء علاقات اجتماعية كثيرة بحجم القشرة الأمام جبهية في الدماغ، وهذا هو أساس التباين بين الانفتاح والانطواء اجتماعيا، يفرز الدوبامين خلال الأنشطة الاجتماعية، وعدد مستقبلات الدوبامين لدى الناس الأكثر اجتماعية أكثر من أولئك الأقل نشاطا اجتماعيا.
البشر كالنحل، تحثهم إعدادات أدمغتهم على البحث عن الاهتمام وإعطائه، وكالبشر، هناك أفراد غير اجتماعيين في مجتمع النحل، لا يتفاعلون بحدوث ما يثير التفاعل عند بقية النحل، بل ينهمكون في عملهم وهذه إيجابية لبقاء النوع، إذ يساهم هؤلاء الأفراد في إبقاء الأجيال القادمة من الخلية وحفظهم.
تتطرق الكاتبة بعدها للدماغ باعتباره مدركا، فاللوبة بين الدماغ والبيئة هي لوبة مستمرة ومميزة لدى كل فرد، تنتج ما يعرف بالوعي أو الإدراك، لتعطي إحساسا بما يعتبره واقعا سواء أكان له أصل موضوعي أومجرد خيال، لكن للإدراك أعطابه، منها جينية المنشأ كالشيزوفرينيا ومنها نتيجة الانحيازات.
يمكن تجاوز الخلل الإدراكي الناتج عن الانحياز بتعريض افتراضاتنا للتحدي بدل الاكتفاء بتأكيدها،وهذا ليس سهلا،إذللدماغ قدرةعالية على ترشيح كل مايتحدى افتراضاتنا،ولا يرحب بأية إعادة تقييم للقائم من افتراضاتنا، لكن هناك آلية منافسة توازن الأمر وهي الدافع للحركة والاكتشاف والسعي للجديد.
يسعى الدماغ بشكل حثيث لوضع أنماط لإدراكنا،ونتيجة ذلك تظهر المعتقدات كمنتج ثانوي لذلك السعي، وحالما يشكل الدماغ معتقدات معينة حول العالم والواقع، فإنه لا يفضِّل أن تتوجب عليه مراجعتها، بل تؤثر تلك الاعتقادات عند تحولها لأنماط على مسارات الدوبامين ويحس الإنسان بالمتعة عندما يؤكدها.
كشفت دراسات أن ممارسات كالتأمل يمكنها تنشيط مناطق محددة من الدماغ كالنواة الذنبية وقرن آمون، وهناك آليات واعدة لاشتقاق علاجات للاكتئاب تعتمد على تطوير ممارسات التأمل التقليدية تلك.
يتناول الفصل قبل الأخير المعضلات النفسية والأخلاقية لقابلية الكشف عن الأمراض المحتومة التي ستصيب الشخص أو أطفاله مستقبلا، في ظل انتشار سلسلة الجينوم وتوفرها في متناول اليد، والأثر الذي تتركه.
أما الفصل الأخير فهو سعي وراء الأمل، بحثا عن دماغ التعاون، يسبر أغوار معضلات من قبيل فهم ما يمكننا تغييره مقابل ما جبلنا عليه، ومدى تأثير حذاقتنا على محدودياتنا الطبيعية،
ترى الكاتبة أنه من التبسيط المخل تعميم سمة ما باعتبارها طبيعة لكل البشر.
وإذ نتشارك خصائص معينة كنوع إلا أن المرونة الكبيرة بين أدمغة الأفراد والتعقيد الهائل يجعل التنوع سائدا على التعميم،مؤكدة على أن المحدوديات البيولوجية التي تناولتها في فصول سابقة لا تعني استحالة التغيير.
وأن التغيير الجمعي يمكن التعويل عليه إلا أن هناك كسل غريزي في الدماغ يمنعه من فعل ما يجب حتى تكون بداية الفعل غاية واضحة لإدراكه، ولأجل ذلك ظهرت مشاريع تقترح سياسات عامة غايتها حث الناس للقيام بأفعال معينة .
كمشروع فريق الأفكار السلوكية BIT في المملكة المتحدة, والذي يعمل على مبادرات لتشجيع السلوك الإيجابي تجاه السياسة والاستهلاك، حيث يمكن تحفيز الناس للانتخاب أو إقناع المتاجر بمنع عرض الحلويات على أرفف المحاسبة لغاية تخفيف معدلات السمنة.
ثم تتطرق الكاتبة في ذات الفصل إلى أثر فهم الحتمية الجينية على الأنظمة التعليمية والقضائية، كأثر الانزيم MAO_A الذي يسبب سلوكا عدوانيا عند من يحمل الجين المسؤول عن وجود ذلك الإنزيم، ومآلات ذلك مستقبلا.
ينتهي الكتاب بتفاؤل تحاول المؤلفة من خلاله التأكيد على أهمية الانتشار الجمعي لقيم التعاطف والتعاون والفضول المعرفي والانفتاح الذهني لإحداث التغيير، معولة على مساحة الإيثار التي يمكنها أن تغير شيئا أمام الأنانية.

جاري تحميل الاقتراحات...