39 تغريدة 21 قراءة Jun 05, 2020
رحلة السقوط السينمائي:
من السوبرمان إلى الـ Superhero Junkies
هذه قراءةنقدية، ورحلة مختزلة عبر أجيال سينما هوليوود، لنرى بأعيننا التحولات التي اعترت البطل الخارق من عمقه الفلسفي إلى سطحية تأثيره ورواجه السلعي المثير للجدل علينا كجمهور ومتلقّي
(ثريد)
بادئ ذي بدء، لا أحب الحديث عن مفاضلات الأجيال X,Y,Z وما قبلها.. لسبب بسيط:
خصائص كل جيل التي يتفاخر بها أو تميزها عن غيره لم تأت باختيارات واعية، بل فُرضت عليه بشكل أو آخر تبعاً لطبيعةالحقبة التي عاشها وتحدياتها التي وسمت أبناءها بخصائصها المميزة..
وهذا شيء لا يدعو للفخر.
لكن جوهر موضوع الثريد -كما سترون- ستتقاطع فيه الفلسفة والسينما وعلم النفس والمجتمع، وخصائص الأجيال والآلةالترويجية السينمائية وثقافة القطيع والتغريد خارج السرب والخارجون عن قانون النوع السينمائي.. كل ذلك بسياق واحد
فلتكن عينيك على الموضوع الرئيسي "تحول شخصية البطل الخارق" اتفقنا؟
( من أين بدأ السوبرمان ؟)
من الملاحم التراثيةالقديمة بلاشك، خاصةالميثولوجيا الإغريقية، حيث أبطالها أنصاف بشر أو Demigods لديهم علاقةدم مع آلهة الأوليمب(هذه كأس البطولة المقدسة)،وحيث كل بطل يصارع لإحقاق حق أو رفع كربة..
لكن كل هبة لديها لعنة مساوية في المقدار ومعاكسة في الاتجاه
وبالرغم من أسطرة تلك القصص المنافية للمنطق، إلا أنها أرست أعمدة الأمثولة كأبدع ما يكون منذ آلاف السنين. الملاحم والميثولوجيا الإغريقيةخاصة، تدفع بأبطالها إلى قمةالمجد في نفس الوقت الذي ترفعها لصليب المعاناة.
لا يوجد بطل لم يمر ببرزخ العذاب نتيجة لبطولته وتضحيته، بعد تحقيقه لهدفه
وهذا بالتحديد (جوهر المعاناة) هوالذي ظل خالصاً أبدياً في شخصيةالبطل الخارق، ليست هبته أو قوته الخاصةالتي تجعله فوق الواقع، إنما استعداده للتضحية والمعاناةالوجودية في سبيل اختيار طريق البطولة الذي وظف نفسه في سبيل خلاصها.
إنه أكبر من الواقع لأن جوهر معاناته أكبر من استيعاب العادي
(من أنصاف البشر إلى الأوبامنش)
نترك التاريخ القديم، لنقفز أطول قفزة زمنية في الثريد، حيث الاستهلال الحقيقي والفلسفي -من وجهة نظري- لفلسفة السوبرمان في العصر الحديث..
بطبيعة الحال نتحدث عن نيتشه، والتي كانت فلسفته منصبة بشكل جوهري على جوهر المعاناة ومعنى الإنسانية داخل معاناتها
إرهاص نيتشه في الفلسفةكان سابقاً لعصره، كان يبشّر أو يحذّر من مغبةالانسياق الإنساني للسطحيةالتي تفرّغ من المعنى..
لذلك كان يبحث عن إبرةالحل داخل كومةقش المعاناة هذه:
"أن نحيا يعني أن نعاني، أن نبقى على قيد الحياة هو أن نجد معنىً لهذه المعاناة"
صمّم سوبرمانه في درته العجيبة هذه
في كتابه بشر نيتشه بالأوبامنش كحل حتمي للغباءالبشري وإنقاذ مايمكن إنقاذه من الإنسانية:
"إن الذي يثيراشمئزازنا هو هذه الدودةالحقيرة، الإنسان الذي مابرح يتناسل..يمكننا التساؤل عما إذا كان هؤلاء المسافرون الجوابون قد شهدوا بطوافهم شيئًا يبعث على الكراهيةوالتقزز أكثر من وجه الإنسان".
ومن 1883م حيث نشر "هكذا تكلم زرادشت" يمكننا أن نقول أن عاصفةسقوط أحجار الدومينو باتجاه مفهوم البطل الخارق الحديث قد بدأ..
الحجر الثاني كان هو المخلخل للعالم الحديث، فهتلر كان من أهم المفسرين لنظرية السوبرمان على هواه، بل أنه سمى نفسه واحداً منهم، وكانت النتيجة كارثية كما نعرفون
"ونريد الآن أن يعيش السوبرمان أو الإنسان الأعلى. إنني أبشركم بالإنسان الأعلى. يجب أن يأتي من الإنسان من يفوق الإنسان".
بهذه الداروينية الفلسفية أراد نيتشه عبر تمجيده للقوة أن يمهد لظهور سوبرمانه من خلال تسلح البشر بالقوة والصلابة والقسوة، وأن يبغضوا الضعف والدعة والراحة والقناعة.
لم يعلم نيتشه أن العالم سيوغل في المعاناة وينتظر 55سنة حتى يظهر السوبرمان كأيقونة (ليست للواقع بل للخيال الملحمي) وفي نفس مسار سقوط احجار الدومينو الذي بدأ..المعاناة القصوى التي مرت بها البشرية تحققت أشراطها فعلاً ليتطور السوبرمان النيتشيّ، إلى السوبرمان الوحيد الذي نعرفه جيداً.
بسبب أزمةالكسادالأعظم أعقاب الحرب العالمية الأولى، وبينما العالم يتهيأ للثانية، برز السوبرمان كمخلص جديد لاواقعي من فداحةالمعاناة ورحم الواقع البور في مفارقةعجيبة، على يدي رساميْن من أصول مهاجري شرق أوروبا-وياللمفارقة- كنتيجة للعصاب النازي الذي اكتسح أوروبا:
جيري سيغل وجو شوستر
المفارقة أن السوبرمان لم يكن تياراً واقعياً منقذاً، إنما شخصية خيالية ولدت بسبب معاناة الهويةوالاستلاب الذي تسبب به تبشير نيتشه!
كانت نيويورك الثلاثينات،غارقة باللاجئين اليهود الفارين من مذابح أوروبا في القرن التاسع عشر. ومن هؤلاء جاي سيغل وشوستر من كليفلاند ليحافظا على هويتهما.
السرديةالاستهلاليةلسوبرمان ومدى تشابهها مع قصةموسى لايمكن أن يتجاهلها العقل،الشبه مروّع:
تضحيةأم كل من البطلين، المهد، الوصول للضفةالأخرى،التربية على يد العدو المحتمل..
حتى اسمه الأصلي كال-إل العبرية الجرس والمعنى والتي تعني صوت الإله، يقابلها كلام الله عز وجل لموسى عليه السلام
ولينتظر العالم 40 عاماً أخرى من نشوء"صورةسوبرمان الكوميك" لتصل إلى السينما من أوسع أبوابها بنهاية السبعينات. هنا التقى الرافدان في مصب واحد: الفلسفة والصورة، وكل واحد دفع بدمه للآخر، وهنا أيضاً يمكن أن نقول أن نوع البطل الخارق السينمائي قد استحوذ عليه العقل الإنتاجي الهوليوودي.
الآن اربطوا الأحزمة..
ماعلينا من الأجيال.. ماعلينا من سرديةالبطل الملحمي.. ماعلينا من المدارس الفلسفية..خلوا أعينكم على الشاشة الكبيرة، سنقفز اختزالاً عقداً بعدعقد لنرى كيف تحولت شخصيةالبطل الخارق بتحول ذهنيةعالمها وتمايز مجتمعاتها ومحرك البحث عن التأثير الفلسفي على جمهورالسينما
(السبعينيات): بذرة الزمن/ المستقبل
السبعينيات كانت عز هوليوود من ناحيةاجتراحها لطرق خطاب عصرية ومؤثرة وناجحةنقدياً وجماهيرياً. على مستوى الأبطال الخارقين كانت البطولةلأفلام الويسترن وجيمس بوند وستاروورز وغيرهم(أبناء عصورهم)والقدرةالخارقة في البقاء على قيدالحياةبحلول سحرية/هبلة
جاء سوبرمان السبعينيات بنقطة تفوق على زمنه، إنه الزمن نفسه. من أوائل أفلام الأبطال الخارقين الذي جعل البعدالزمني ضليعاً ومؤثراً في مثلث معاناته: (سوبرمان يغير حركةالكرةالأرضية ليوجد لنفسه فرصته الثانية بإعادة الزمن إلى الوراء)
ربما لذلك ترشح لثلاث أوسكارات لأن فلسفةالقصة تختلف
هل كانت المدن (الكوميك) تحتفظ بسياقها التاريخي السينمائي؟ هذه كانت معضلةأخلاقية لمحيط القصةالزمني.. بالطبع حافظ الاقتباس السينمائي على عوالم الكوميك كما هي دون معالجةدرامية لميتروبوليس وغوثام وغيرهما..
لم يتطور الوعي الدرامي في المعالجةإلا في العقدالقادم، خاصةفي التعامل مع الزمن
(الثمانينيات: الشذوذ المكرّس للقاعدة):
الصناعة الهوليوودية "الترفيهية" كانت في أفضل حالاتها وتأثيرها، لذلك كات ملتزمة بالفرانشايز، أذكر أنني قرأت وقتها لناقد أمريكي: "أسوأ ما سيحدث في الألفيةالجديدة هو الجزء الرابع عشر من رامبو!"، النكتة أن ذلك حدث بالفعل ولكن لسلسلة روكي :)
الثمانينيات كانj عزالتعاطي السينمائي مع الحرب الباردة، والبطل الأمريكي إياه، والخروج بعباءات الانتصار المخرقة والتي لا تستر عريه الفاضح..
في الوقت نفسه كانت عز الخروج عن القاعدة في أفلام البطل الخارق ابتداءً بالتصور النقدي، يكفي فقط أن نمثل بالرائعتين Blade Runner-Terminator
نجحا في لف الأعناق إلى عوالم أخرى، طورت سرديةالمخلّص أو المهدي المنتظر في اتجاهات جديدةكلياً، ومتصلةبحاضرنا آنذاك.. سارة كونور هي البطلة الأم التي تقاتل في ظروف واقعها واقعاً أبقرب ما يكون خيالاً، ستقاتل من أجل أن يظل ابنها المخلص على قيد الحياة، من خلال نجاتها هي كبطلةغير خارقة
بينما ريك ديكارد يسعى في مهمةالقضاء على أربعةمقلدين Replicans سرقوا سفينةفضائية للأرض للعثور على صانعهم،ليبحث ديكارد عن ذاته هو..
هاتان الرائعتان غيرتا المنظور من البحث عن معضلةالبطل الخارق إلى البحث في الجسر بين عالمين، وسوداويةالمستقبل..
بدونهما لم يكن للتسعينيات أن تكون أفضل!
(التسعينيات: البحث عن اللابطل الخارق)
لنصل إلى واحدةمن أزهى عصور هوليوود على مستوى النص والتصور والمعنى، وتعاطيها الواقعي مع متطلبات عصرهم المتسارع..
كان أهم ما فعلته التسعينيات هو تحطيم أسطورةالبطل الخارق التي طالما دغدغت بها هوليوود جمهورها والإعلام الأمريكي المخدر. بطولةحقة!
تساقطت أصنام الأبطال الخارقين تباعاً، وبدا التركيز منصباً على إنسان المعاناةنفسه الذي يوفي بشرطه الوجودي بعالم لايعرف مداه إلى أين، لكنه يناضل حتى الرمق الأخير(هذه هي البطولةالخارقة التي أعادوا صياغتها للجندي/ للطالب/للعاديّ/ للبطل التاريحي)
وإعادةقراءةالبطل الخارق من ذات الرؤية
التسعينيات حافظت على لياقتها الفائقةهذه حتى لحظاتها الأخيرة. أعادت تعريف البطل"اللاخارق"وتحديد معالم جيلنا في عاميها الأخيرين فحسب مالم تستطع عليه عقودسينمائية بأكملها..
حيث غدا البطل الخارق دون أدنى فكرةعن كونه بطلاًخارقاً،إنما هومشغول في إنجاح علاقاته الوجوديةالتي تشعره بالفشل
سأكتفي بثلاثة أمثال خارقة لهذه الفلسفة، وكل واحد منها يحتاج إلى ثريد:
- Unbreakable
- Fight Club
- The Matrix
في رائعة شاميلان،أعادنشوءالبطل الخارق إلى مبدئه بمقاربةنادرة ورائعةجداً. بينما كان داوود Fight Club في معركةوجودية مع جالوت عصره،كواحدةمن أعظم الشهادات على العصر قاطبة.
بينما أوغل الماتريكس في شخصية"اللابطل الخارق" من مقاربة بديعة، ذكرنا مالأبطال الإغريق من مآلٍ وجودي في التضحية بعذاب وعيهم بعد تحقيق الهدف البطولي.
فلسفةالماتريكس بدأت المحنة من أولها: من بداية الاختيار،من الخطوةالأولى التي نراوح فيها أحياناً عمراً بأكمله
كل الأفلام الثلاثة تجيب على السؤال الفلسفي"أين ذهب الأبطال الخارقون" بإشارةأصبع الاتهام الوحيد إلى عصرنا الذي كان مغرقاً في الأحلام وهو ينسج قيود عبوديته علينا دون أن نشعر. الأفلام الثلاثة كل واحد منها بمثابةبطل خارق في مقابل عصرنا البغيض..
لنصبح شوكة في خاصرته حتى نعرف من نحن!.
على عظمةالتسعينيات، إلاأنها كذلك كانت أولى حركات الدومينو التي أسقطت كارثةمارفيل على رؤوسنا اليوم. عام 1994كانت أول محاولات التغلغل المارفيلي إلى رحم هوليوود العقيم..
هنا بدأ(ستان لي) المتراوح عندي من التي-ريكس لابن عرس جيئةوذهاباً، أول أفلامه Fantastic four وسحب عليهم بدون رحمة
جابه داء هوليوود بدوائه، أن يكون مراوغاً مطاطياً قدر الممكن، وقد نجح بعد أن خذل فرق Fantastic four-1994 في أن يعيد إطلاق المشروع في 2004 وما بينهما كانت هناك بعض المحاولات المارفيلية الجيدة كثلاثية Blade وسط تعثر جماهيري ونقدي لباقي المشاريع..
لكن أشهد لعزيمته الهائلة رغم كل شيء!
(العقد الأول من الألفية): تتمّات.. تتمّات
الآن وضعنا أولى أقدامنا بعهد الخواءالهوليوودي، لايعني ذلك عدم وجود محاولات،لكن الفرانشايز وتطورصناعةالمؤثرات البصرية كوّشا على كل شيء.
استكملنا بعضاً من أهم أفلام التسعينيات(وإن لم تكن تتماتها كاستهلالها)،وظهرت أفلام جيدةلأبطال لاخارقين
إلا أن جوهرةتاج هذا العقد الخائب، ثلاثيةنولان/ باتمان، التي أعادت وهجاًقديماً من السحرالواقعي. نجح نولان فيمالم يستطع صانع أفلام له صبراً: أن يهدم القصةويعيد بناءها بناءًعلى شرطها العصري الواقعي لعالم مابعد الحداثة، وعبر ذلك أعاد بناءشخصيات باتمان وعلاقاتهاوالعقدالاجتماعي الحديث
(العقد الثاني من الألفية):
إخراج اللسان لمجرة Marvel/DC يمكن أن يكسبك الأوسكار!
بعد أن أصبحت هوليوود عبارةعن عمّال سخرة لعوالم دي.سي ومارفيل،لم يعد مايقال حقيقةً. كنت على وشك القول أن المبدعين الخُلّص قد رفعوا رايةاستسلامهم أمام هذا الاستعمارالفظيع. لكنهم عودونا على المقاومة..
ثمةصناع أفلام حاولوا أن يعيدوا البوصلةللقيء الهوليوودي/المارفلي المتواصل،وأن يحدثوا فارقاً من داخل هذا الاكتساح على مستوى النص وإعادة القراءة..
وهم لا يمثلون 25% لكن زخمهم في اتجاه الأجود معالمه واضحة،واستطاعوا أن يوجدوا الفارق لنعود لعصر إعادةقراءةالبطل الخارق في عالمه الأخرق
صناع الأفلام المغردين خارج السرب، أفضل مافعلوه هو إعادةتوجيه الخطاب للجيل الاستهلاكي الجديد، داخل صناعةهوليوود التي حولتنا لأصفار استهلاكيةهشة بدون أي engaging بعد تفريغ أغلب أبطالهم من جوهر معاناة العاقبة/ المعاناة/ التمصير.
لا ننسى: هناك أفلام منها وصلت للأوسكار بسيناريوهاتها.
أهم إسهام حول الأنظار إلى سمة عقدنا الهوليوودي الحالي هو فيلم Birdman والذي وضع الملح الساخر على الجرح..
النكتة أن نهايةالفيلم المعروفة هي نهايةبديلة، النهايةالمكتوبة أصلاً كانت لتسلل الكاميرا لغرفةخلفية أخرى يجلس فيها جوني ديب أمام المرآةوخلفه بوستر PotC وهو يستمع لجاك سبارو :)
لحسن الحظ أن ترتيبات إنتاجية متعثرة كانت السبب في عدم إنفاذالمشهد، فكان المشهد البديل الذي أعتبره فخماً وأكثرأصالةً..
وهذا يعيدنا لأول الثريد: الأصالة. كل مايبحث عنه مشاهدالسينما تجربةأصيلة تغير له معالم واقعه لاتسجنه فيها، شيء ممتلئ يحمله المشاهد مع علبةالفشار والصودا الفارغة.

جاري تحميل الاقتراحات...