أدوية الملاريا (كلوروكوين وهايدروكسي كلوروكوين) أدوية رخيصة جداً يتم تناولها بالفم وبمضاعفات قليلة، مع وجود أدلة حسابية ومخبرية مدعمة بتجارب على الحيوانات ونتائج لعلاج مرضى SARS تدعم استخدامها في مرضى كورونا -١+
نُشِرت أولى الدراسات لاستخدام عقار هيدركسي كلوروكوين من فرنسا، وأشارت الدراسة أن المرضى الذين أخذوا العقار وخاصة مع أزيثرومايسين كانوا أسرع بالتخلص من الفايروس حسب نتائج PCR، وهي نقطة تبدو غير هامة حيث أن كثيرا من المرضى يبقى فحصهم إيجابيا رغم أنهم تخلصوا من الفايروس -٢+
والدراسة الفرنسية كانت بها عيوب جسيمة لم تشفع لها دراستان لاحقتان لنفس المجموعة تؤكدان سلامة الأدوية وقلة مضاعفاتها، لكن هذه الدراسات الراجعة جميعاً والتي تعتمد على مراجعة ملفات المرضى كلها ضعيفة ولا تستطيع إثبات فائدة العقار، وسأتحدث الآن عن تقييم الدروس الخصوصية كمثال-٣+
لو نظرنا في علامات مجموعة من الطلاب آخر العام وقمنا بمقارنة علامات الطلاب الذين أخذوا دروس التقوية بأولئك الذين لم يأخذوا الدروس وكانت العلامات متشابهة فقد نستنتج أن الدروس الإضافية لم تكن مفيدة، ذلك أننا أغفلنا عن حقيقة أن الطلاب الذين أخذوا الدروس كانوا اصلا بحاجة تقوية -٤+
ومهما حاولنا عمل مقارنة بين الطلاب بأخذ طلاب علاماتهم متشابهة في السنة السابقة مثلاً أو ما يسمى Adjustment فلن نتمكن من إجابة السؤال حول فائدة الدروس لأننا سنبقى أمام عوامل أخرى غير محسوبة confounders مثل الجهد الذي بذله الطالب والمشاكل الاجتماعية التي يواجهها في البيت وغيره-٥+
إذن كيف سنجيب عن السؤال: ما فائدة الدروس الإضافية؟ فقط سنجيب عن السؤال بعمل دراسة حيث نقوم بتوزيع الطلاب إلى مجموعتين بشكل عشوائي ونقوم بإعطاء إحدى المجموعتين فقط دروس التقوية، ونأمل بهذه الطريقة تحييد العوامل غير المحسوبة، وبالتالي فستدل علامات الطلاب على فائدة دروس التقوية -٦+
أريد التأكيد على مبدأ قد يبدو غريباً: أن عدم وجود فائدة للعلاج في الدراسات الراجعة قد يكون مؤشراً على وجود فائدة، مثل تساوي علامات الطلاب باختلاف مستوياتهم، شرط أن لا تكون هذه الدروس قد أدت لتدهور مستوياتهم خصوصاً مع عمل تعديل مناسب adjustment -٧+
هنا أشير لدراستين هامتين نشرتا في NEJM و JAMA العريقتين، والدراستان راجعتا ملفات مرضى كوفيد في نيويورك، وأظهرتا أن العلاج بأدوية الملاريا لا يرتبط بتحسن نتائج المرضى (تذكر الدروس الإضافية) ولا بزيادة الوفيات، وأكدت الدراستان ضرورة عمل دراسات فعلية RCT للبحث في الموضوع -٨+
ثم جاءت دراسة هامة نشرت في مجلة LANCET قام بها ٤ من الباحثين بمراجعة ملفات ٩٦ ألف مريض في أكثر من ٦٠٠ مستشفى وأظهرت أن أدوية الملاريا بلا فائدة وأن تناولها يزيد نسبة الوفاة ٣٠٪ وهي نتائج مرعبة، لكن تريّث قليلا قبل إعطاء الحكم النهائي-٩+
قامت منظمة الصحة العالمية فوراً بإيقاف استخدام دواء الملاريا بدراسة SOLIDARITY وأصدرت تحذيراً من استخدام العقار في العالم، وعلى الفور قامت فرنسا بإيقاف دراسة DISCOVERY وبريطانيا بإيقاف دراسة RECOVERY وكذلك تم إنهاء دراسة واحدة وتعليق ٥ دراسات -+١٠+
نتائج مرعبة وكارثية لحد الآن، انتظر: ما تزال هناك ١١٩ دراسة تستخدم عقار الملاريا، ورفضت معظم الدول الاستجابة لطلبات منظمة الصحة العالمية، وقامت المملكة العربية السعودية بإيقاف استخدام العقار مؤقتا ثم تم إعادته، وقامت بريطانيا بمراجعة نتائج علاج ١٠ آلاف مريض وأعادت -١١+
استخدام العقار بناء على سلامته، ولم توقف وزارة الصحة الأمريكية دراساتها بما في ذلك دراسة ORCHID الهامة بينما تعالت أصوات تطالب بإقالة وزير الصحة الفرنسي لتسرعه، كل هذا نتيجة خطأ فادح قامت به منظمة الصحة العالمية بالتسرع بأخذ حكم بناء على دراسة مجلة اللانسيت دون تفكير -١٢+
ما المشكلة؟ المشكلة أن الباحثين استخدموا بيانات شركة ناشئة اسمها Surgisphere والتي تقوم باستخدام الذكاء الصناعي للتنقيب عن البيانات في سجلات المستشفيات، وهي طريقة جديدة للبحث الطبي ومحفوفة بالمخاطر، فحين يسمح للبرمجيات بالتنقيب عن المعلومات يمنع إطلاعها على بيانات المرضى -١٣+
تخيل الكارثة حين يقوم البرنامج بإدخال المريض في غرفته ثم في العناية الحثيثة، خطأ بسيط سيضخم حجم الوفيات، ومع أن هذا الخطأ تخيلي إلا أنه من الممكن حدوثه، فكيف لأربع باحثين عمل ضبط للجودة لبيانات ٩٦٠٠٠ مريض؟ وبالفعل تبين أن عدد المرضى في أستراليا مثلاً حسب الدراسة غير منطقي -١٤+
وسارع الباحثون بنشر توضيح أن ذلك بسبب خطأ احتسب مرضى في آسيا ضمن أستراليا، دون وضع بياناتهم للدراسة علناً، وبالأمس نشرت اللانسيت رسالة توضح عدم ارتياحها للنتائج وأنها تقوم بإعادة دراسة البيانات، وكذلك نشرت NEJM رسالة مشابهة بخصوص دراسة لنفس المجموعة -١٥+
وكذلك يدل على تخبط الجهات العلمية حين لا يكون الهدف ربحا سريعا كما تحاول فعله بعض شركات الأدوية، شخصياً عندي أمل كبير بأدوية الملاريا حين تستخدم بالشكل المناسب ومع أدوية أخرى، فكم من أدوية استخدمت لعلاج أمراض ولم تفلح إلا باستخدامها بالطريقة المناسبة، ولذلك نحتاج البحث العلمي.
جاري تحميل الاقتراحات...