NabeilShakoor
NabeilShakoor

@NabeilShakoor

25 تغريدة 10 قراءة Jun 03, 2020
العدالة من الانكسار الى الانتصار ..
في عام 1983 تمكنت القوى المدنية في الأرجنتين من اسقاط النظام العسكري الذي كان يقوده الحاكم العسكري خورخي فيديلا والذي حكم نظامه الأرجنتين منذ االعام 1976،+
وقد تشكلت بعد الاطاحة بالنظام العسكري لجنة وطنية للتحقيق في قضية الأشخاص المختفين قسريا والذين بلغ عددهم ثلاثين الف شخص فضلا عن جرائم القتل خارج القانون والتعذيب والجرئم الاخرى، +
كما تشكلت محاكم لمحاكمة رموز النظاام العسكري وقيادات الجيش الأرجنتيني المشاركين في الحكم العسكري والمتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة.
وفور تشكيل اللجنة وبدأ المحاكمات شهدت الأرجنتين موجة من التفجيرات الارهابية وهدد الضباط الذين يخضعون للمحاكمة بأنهم سيدخلون الارجنتين في حرب أهلية ،+
كل هذه الاحداث اجبرت الرئيس الارجنتيني المنتخب وقتها راؤول ألفونسين من اصدار قانون اطلق عليه قانون (النقطة النهائية) الذي حدد تاريخا نهائيا لقبول الدعاوى ضد رموز النظام العسكري وقانون اخر اطلق عليه قانون (الامتثال للواجب) +
والذي يبرئ الضباط دون رتبة الكلونيل الذين ارتكبوا جرائم بدعوى انهم مأمورون بذلك من قيادتهم .
تعرض مسار العدالة وسيادة القانون في الأرجنتين خلال ( الفترة الانتقالية) لنكسة بإقرار القانونين السابقين للدرجة التي تكرر فيها مشهد فتح ملفات محاكمة رموز النظام العسكري +
ثم اغلاقها او يتم الحكم عليهم بالاقامة الجبرية في منازلهم بدلا عن السجن وقد كانت الإنتكاسة الكبرى لمسار العدالة الإنتقالية فى الأرجنتين بصدور قوانين العفو العام، ففى العامين 1989 و 1990 صدر عفوين شمل الأول عدداً صغيراً من الضباط الذين حوكموا،+
أما الثاني فشمل من سبق أن تمت مقاضاتهم والحكم عليهم، وبحلول العام 1990 اي بعدسبعة سنوات من الحكم المدني ، لم يكن قد تمت إدانة سوى 10 أشخاص حصلوا كلهم على العفو وأُطلق سراحهم، +
حتي القادة أمثال "رينالدو بينونه" آخر رؤساء الأرجنتين في النظام العسكري تمت إدانته والحكم عليه في 1983 وتم العفو عنه في 1985.
أصاب اليأس الكثيرين في الأرجنتين من تحقق العدالة وكان المكسب الوحيد بالنسبة لهم وقتها هو صدور تقرير اللجنة الخاص بالمختفين قسريا +
والذي جاء بعنوان (حتى لا يتكرر هذا) والذي أدرجت فيه أعداد الضحايا ومراكز الإعتقال التى تم فيها تعذيب المعتقلين وقتلهم بأمر من السلطات العسكرية، حيث تم توثيق كل حالة على حدة في ملف رقمي مستقل، ونٌشر التقرير كاملاً في الجريدة الرسمية علي حلقات أحدثت صدمة لدي الشارع الأرجنتيني+
من هول ما جاء به، ((ولعل معرفة الناس بالحقيقة ومعرفة مصائر ذويهم كانت هي المكسب الوحيد للعدالة الإنتقالية في تلك الفترة)).
لكن على الرغم من تلك النكسات، واصلت حركة حقوق الإنسان الأرجنتينية وعائلات المختفين ضغوطها للمحاسبة، +
وبوصول نستور كارلوس كيرشنر لمنصب الرئاسة في عام 2003 تغير مسار العدالة تماما حيث تمكن كيرشنر من اتمام ملف المحاكمات حيث حكمت المحكمة العليا بإيقاف قانون النقطة النهائية وقانون الإمتثال للواجب(قانون الطاعة) لعدم دستوريتيهما،+
وفُتح الباب أمام تحقيق العدالة ومحاسبة المجرمين، ومنذ ذلك الوقت تم إتهام حوالي 547 شخصاً بتهم الإعتقال والتعذيب وسرقة الأطفال والحرمان غير الشرعي من الحرية.
شهد عام 2010 صدور حكم بالسجن 25 عاما في مواجهة قائد الانقلاب العسكري خورخي فيديلا والذي كان وقتها عمره 85 عاما+
وكذلك الحكم على اخر الحكام العسكريين رينالدو بينونه بالسجن ايضا 25 عاما بالاضافة الى العديد من من الاحكام ضد قادة الجيش وضباطه الذين قاموا بانتهاكات جسيمة مثل التعذيب والاعدام خارج القانون والقتل واخفاء الجثث والاخفاء القسري للمعارضين وخطف اطفال المعارضين ...الخ. +
وتوجت هذه الاحكام في العام 2012 بالحكم بالسجن مدى الحياة على ضابطين نفذا اعدامات بحق 17 معتقلا سياسيا في عام 1972 في ما عرف بمجزرة ترليو ومنذ الطعن في قرار العفو العام أدين 53 من كبار رموز النظام العسكري .+
بعد (اربعين عاما) من مجزرة ترليو تمكن اهالي الضحايا من الوصول للعدالة وبعد 29 عاما من سقوط نظام خورخي فيديلا تمكن اهالي الضحايا من رؤية قاتل احبائهم خلف القضبان.+
الدروس المستفادة من تجربة الأرجنتين هي ان مسار العدالة قد يمر بمنعرجات صعودا وهبوطا انتكاسا وتقدما لكن تطوره ايجابا مرتبط بمدى استمرار واستقرار النظام الديمقراطي والحكم المدني و بمدى شعبية الرئيس المنتخب فضلا عن ارتباطه بالنجاحات التي يحققها ذلك الرئيس+
في الجوانب الاقتصادية والتنموية بالاضافة الى الاصلاح المؤسسي والتحول التدريجي الذي يقوم به في الاجهزة العسكرية والامنية والتي يجب ان يتم السيطرة عليها بواسطة القوى المدنية الحاكمة وتخضع لارادة الشعب وممثليه.+
في مثل هذا اليوم (الثالث من يونيو )من العام الماضي وفي مثل هذه الساعات صدم السودانيون بجريمة مروعة المتهم الأول بارتكابها المجلس العسكري والذي يشكل اعضائه جزء من منظومة الحكم في الفترة الانتقالية ولترتاح أرواح الشهداء وتهدأ نفوس أهاليهم وأحبائهم نحتاج أن نصل للعدالة+
ليس في جريمة اغتيال الشهداء او حرقهم او اغراقهم او اغتصاب الاحياء من الضحايا الاخرين فقط بل وأيضا في جريمة فض الاعتصام لأن الاعتصام شكل في حد ذاته أعلى حالة وعي ذاتي للسودانيين بحقوقهم وبمصيرهم المشترك +
ويكاد يكون هو العلامة الفارقة في تاريخ السودانيين في الستين عاما الماضية منذ فجر الاستقلال.
فالعدالة مطلوبة في كل الجرائم التي ارتكبت في مثل هذا اليوم من العام الماضي ولكن لا عدالة من دون نظام سياسي ديمقراطي مدني قوي ومستقر ومسيطر على الاجهزة العسكرية والامنية+
التي يجب ان تتم فيها عملية اصلاح داخلي كبيرة لتجعلها مؤسسات تعبر عن مصلحة الشعب وليس عن مصالح القيادات العسكرية وهذه المعركة تطلب نفس طويل وعمل جاد من اجل تحقيق السلام وبناء الجيش الوطني الذي يدافع عن حقوق السودانيين قبل حدودهم وعن كرامة السودانيين قبل جنوده. +
جيشا يرهن اراداته لصالح سلطة شعبه وممثليه المدنيين وليس لصالح دول الاقليم.
هناك الكثير يمكن ان يتم - قبل محاكمة الجناة - فلا أقل من تكريم الشهداء بالنصب التذكارية حول مكان الاعتصام واعتبار يوم 3 يونيو يوما للحداد الوطني تنكس فيه الاعلام وتحي فيه الذكرى بما يليق بها +
فضلا عن تقرير يشمل كل الحقيقة ولا شئ غير الحقيقة ضمانا لعدم تكرار ما تم من انتهاكات جسيمة فضلا عن تعويض للضحايا الأحياء واسرالشهداء وجبر الضرر الذي وقع عليهم.+
وفي يوم ما سيلقى الجناة عقابهم ، فكما لقي ضحايا مجزرة ترليو في الارجنتين العدالة بعد (اربعين عاما) من وقوع المجزرة وكما سيلقى رموز نظام الانقاذ المباد محاكمتهم العادلة ( بعد ثلاثين عاما ) لقاء ما اقترفوه من جرائم حتما وايضا ستتحقق العدالة في يوم ما لكل ضحايا جريمة فض الاعتصام +
وكل الجرائم التي سبقتها والتي تلتها فقد تمر العدالة بمنعرجات كثيرة بين انكسار وانتصار صعودا وهبوطا انتكاسا وتقدما لكنها مهما تأخرت حتما ستأتي في النهاية لامحال.
مالك أبو الحسن

جاري تحميل الاقتراحات...