إنّ غاية ما تنشده الأديان والفلسفات والعلوم هو توحيد البشرية، وهي غاية عزيزة، تتحقق أحيانا بشكل جزئي، كالتفاف الناس في أقطار المعمورة حول حدث معين كنهائي كأس العالم مثلا، أو بوحدة بعض الشعوب في لحظات مخاضها من أجل التحرر، وهكذا.
لا أعرفُ كيف سيتم اختيار تاريخ يُمَجّد ثورة ديسمبر في ذكراها مِن كل عام، هل سيكون الثالث عشر من ديسمبر بالتهاب الشوارع في الدمازين، أم التاسع عشر وليلة سقوط الباستيل في عطبرة،
أم تراهُ السادس من أبريل العجيب والمهيب، أم الحادي عشر من أبريل، أم الثلاثين من يونيو وبعث الحياة في إهابِ الثورةِ بعد أن توهَمَ الكثيرون أنها قد ماتت!
ما زال المجال مفتوح لأيامٍ خالداتٍ في مقبل الأيام، فقد عودنا الشعب السوداني أنّهُ قادرٌ على صنع المعنى لكل يوم.
على الرغم من هذا القطار الثوري الماضي صوب غايته بصمود من أيامِ ثورتنا، إلا أنّ لموكبَيّ السادس من أبريل والثلاثين من يونيو خصوصية في أنفسنا جميعا لأسباب كثيرة.
على العموم نحنُ السودانيون إبان جلاء المستعمر لم نتوحد فكريا وشعوريا إلا في ثلاثة مناسبات:
السادس من أبريل
الثالث من يونيو
الثلاثون من يونيون
السادس من أبريل
الثالث من يونيو
الثلاثون من يونيون
ولكن ربما بلغت وحدة الفكر والشعور كامل نصاعتها في الثالث من يونيو، حيث كانت أوكد منها في غيرها، إلا أنّ انشغالنا بالحزن على فاجعة فض الإعتصام حجبنا عن ملاحظة ذلك الحدث الأسطوري، الذي لم ولن يتكرر في التاريخ الإنساني،
ألا وهو تلك المتاريس التي نهضت في كل الطرقات الرئيسية والفرعية والأزقة والسراديب في المدن الكبيرة والصغيرة والقرى والنجوع، في أقل من ساعة، وبدون توجيه شُيّدت تلك المتاريس!
والله إن هذا الحدث لو صادف أن قامت به أمةٌ أخرى غير أمتنا لصار حدثا عالميا تخلده البشرية إلى الأبد، وقد حال بينه وبين الخلود أنه حدث في السودان، ولكن .. لا توجد أمة غيرنا قادرة على صنع معجزة كهذه بدون تنسيق، إننا شعبٌ عظيمٌ مبارك، بيد أنا لم ولن نقدِرَ أنفسنا حقّ قدرِها.
مع خالص أمنياتنا بالرحمة لشهداء الحرية، وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين، والعودة المحمودة للمفقودين، وعقبال الخير يترادم .. والدنيا تمش دغرية ..
جاري تحميل الاقتراحات...