محظوظون نحن، وفِي آن وجدنا أنفسنا عالقين في دوامة حظ عاثر، محظوظون لأننا نشهد عالماً يتحول، عشنا السابق وعشنا الحاضر ولعلنا نعيش اللاحق، لكن المخاض أليم، العالم يتوجع وكلنا كذلك، عزاؤنا أننا سنروي يوما لأحفادنا قصصاً لا تنتهي، تماما كما فعل أجدادنا.
من قصة الهاتف الذي كان بثلاثة أرقام وبدولاب، إلى الفيديو والفاكس، وذات يوم طنة الإتصال الأول بالانترنت وعد الساعات واكتشاف التواصل بأشكال مختلفة. نادي الفيديو واستئجار شرائط الحلقات والأفلام، والراديو الذي كان ينام قربي طوال الليل.
هدف بازيل بولي لمارسيليا في ميلان في نهائي كأس الأبطال، ولاقط القنوات الأول الذي أنقذنا من انتظار الساعة الخامسة عصراً ليبدأ البث المحلي. صدمة الهاتف الخلوي الأول، ومعنى أن يكون الخبر عاجلاً على قناة تهتم فقط بالأخبار. هذه ذكرياتنا الصغيرة، لم نبدأ بعد بسرد التاريخ الأكبر
هناك جيل عاش التحوّل، ويدرك تماما كيف يقيس ما سلف بما جاء، أبدا باختلاق الألعاب في الشارع وفِي ترتيب أدوات تسلية بدائية، لكنها كانت تسلية بطعم ولون ورائحة. البطولة الأولى في الحي، الحب الأول في المدرسة، الشوق، نحن جيل عرف معنى الفقد والبعد والانقطاع، لأن ما من سبيل كان إلى الوصل
أذكر شرائط الكاسيت التي كانت تأتينا من الوطن وعليها أصوات الأحبة، رسائلي الطويلة المكتوبة بخط اليد لأهلي عندما فارقتهم، وانتظار الردود في رسائل أطول. كلمات ذات معنى، رسم باليد تحفر على ورق فيه دمعة، تنهيدة سكينة مع صوت يأتي من خلف البحار، بسيط وجميل كان عالمنا
رهبة المعلمة والأستاذ، الصحيفة إيه من الصحيفة، كنّا في المهجر ننتظر الطائرة اللبنانية كل أسبوع لتأتينا بأعداد الأسبوع كاملة، كنت طفلا لكني أهرع لتلقف ما ينتهي منه والدي الحبيب. كنّا في الثمانيات هناك بلا تلفاز، تأتينا نشرة الأخبار على سبع حلقات نشاهدها وكأن مسلسل تلفزيوني
كانت نافذتنا إلى العالم الإذاعة، راديو القسم العربي لبي بي سي، نصحو على دقات بيغ بن وننام. استذكر ما فات لأنه يسكنني دوما كنسمة باردة في صيف، لكني أعيش الحاضر، رغم آلامه لكن فيه أيضا ما لا طاقة لنا بعد بفقده، لا انوي تعداد الصور الحزينة.
أدرك جيداً أن هناك من سيلوي برأسه ويقول ما هذا الترف ونحن في الخراب الكبير، ألوي برأسي وأجيب لنستمتع باللحظة حتى وإن كانت مرّة، فهذا أيضا سوف يمضي
جاري تحميل الاقتراحات...