جرّاح صغير ••
جرّاح صغير ••

@scalpel_24

19 تغريدة 6 قراءة Jun 02, 2020
في أول يوم لي في تخصص طب الأطفال وبعد انقطاع بضعة أسابيع عن الدوام ، كنت مستانس جدا كوني راح أرجع للمستشفى وللمرضى
لكن المفاجأة في أول يوم لي صارت مثلما تصير لي في بداية كل تخصص آخذه بالامتياز ، الموقف اللي يبقى راسخ في العقل ولا يمحى
في صبيحة يوم الأحد في عناية الأطفال المركزة
الطفل الرضيع ذا الستين يومًا ..
موجود في غرفة العناية المركزة رقم ٥ والتي تطل على ممرين وبالتالي يوجد لديها بابين ونوافذ عدة ..
مجتمع عليه ما يقارب ٤ ممرضات واستشاري عناية مركزة وطبيب مقيم ، والام التي تمشي من الباب الأول للثاني ومن الثاني للأول تحاول اقتناص نظرة على طفلها
لكنها تشكو من رؤية بلورية ومعتمة ، وأظن السبب هو وراء وفرة الدموع على عينيها تستجدي بها نجاة طفلها الصغير الذي وبكل بساطة كان يبتسم لأول مرة في عمره ، ثم انصرفت والدته عنه لأداء الصلاة لتعود فتجده جثة هامدة ..
حيث حملته بين ذراعيها ونزلت للشارع مفزوعة لتركب مع أقرب سيارة ممكنة
وأتت به تحمله بين ذراعيها على باب الطوارئ لينقل حينها للعناية المركزة تحت الانعاش القلبي الرئوي ..
كانت هذه الأم تتمسك بكل عابر في هذه الممرات لتسأله عن طفلها ، حتى عامل النظافة ..
ولا مجيب ..
كنت حينها في جناح التنويم الرئيسي مع طبيبة مقيمة ننهي أعمال ورقية لبعض المرضى وطلب عدة فحوصات ، إذ بجهازها يرن ليفيد بضرورة تواجدها بسرعة لقسم العناية المركزة ..
وذلك لكوننا نعمل تحت قسم القلب والأوعية الدموية لدى الأطفال ..
استأذنتها في النزول معها فأذنت لي
وفي طريقنا مسرعين للعناية المركزة ، استقبلتنا والدة الطفل الذي يبدو لي أنها تبحث عن مجيب لأسئلتها ولو كان خارج المستشفى ..
تبعتنا على عجل ، ودخلنا الغرفة ، لا زال الانعاش القلبي الرئوي مستمرًا ، والتنبيب قائمًا ..
وفي محاولات فاشلة من الأم لتخترق صفوف الطاقم الطبي لرؤية صغيرها
قررت الدكتورة إجلاء الوالدة بعيدًا وتعتيم كل النوافذ الزجاجية وإغلاق الباب ، وذلك تفاديًا لوقوع أي أخطاء عاطفية أو تدخلات قد تؤثر على معالجة هذا الطفل الصغير ..
في حين أرسلتني الطبيبة لأخذ تاريخ مرضي بشكل سريع من الوالدة ، فأخذت ما استطعت وسألتها عن عدد ابنائها فقالت هذا السادس
في حين أن استشاريًا كان يقف خلفي ، فلما سمع ذلك وقلبه يتقطع على والدة الطفلة لما يرى فيها من خوف وحزن ، حاول مواسيًا أن يخبرها أن تقنع بالخمسة ، ففيهم خير وبركة ..
غير أن قوله كان كالصاعقة التي دمرت سدودًا لتنخر من بعدها فجاجًا سبلًا ليتسللها دمع غزير وصراخ مرير
بات الأمر يوحي بأن فقدان الطفل هو الأمر المحتم ..
في الجهة الأخرى وتحديدًا لدى الطفل ، لا زال الطاقم يحاول انعاش الطفل للمرة الثالثة بعدما نجحوا في ذلك مرتين سابقتين ويتوقف قلبه بعد ذلك عقب كل مرة ..
بدؤوا بحقنه بالإبينفرين ، وهي مادة تعمل على تنشيط القلب ليعود للنبض مجددًا
ليعود حينها هذا الطفل الصغير للحياة بأمر الله ، وهو تحت سلطة التنبيب والتنفس الصناعي ، فيكتب الله له عمرًا جديدًا ، وترى البهجة والأنس على محيى الطاقم الطبي ، كلٌ فيهم ودّ لو زف البشائر لأمه ، غير أن في الطاقم من لا يزال يبحث عن أسباب هذا التوقف المستمر لقلبه ..
خرجت أنا والطبيبة كوننا انتهينا من عملنا ، وخرج الاستشاري المشرف على حالته ليخبر والدته أن الله كتب له عمرًا جديدًا ، ولا يزال البحث عن مسببات هذا التوقف القلبي جاريًا ليتم حل المشكلة من جذورها ..
حيث أنه سيبقى تحت الرعاية الطبية الفائقة ..
في حين كان بجوار هذا الطفل الصغير حالات مشتبه بكونها مصابة بفيروس كورونا ..
لكن الله يبطل أي شعور بالخوف سوى الخوف من الموت المحقق ..
جرى البحث عن حالة هذا الطفل الصغير ، وكلي تلهف وترقب لمعرفة السبب ، غير أن أعمالًا في جناح التنويم تنتظرني ، فعدت أدراجي أجر خيباتي ..
وعندما شارف دوامي على الانتهاء ، قررت المرور بالعناية المركزة ، ومحاولة إيجاد طريقة أقنع فيها حراس الأمن على ادخالي بدون وجود بطاقة ممغنطة معي تخولني بالدخول ..
فكان طريق سلوكي للعناية عن طريق عامل النظافة الذي يملك تلك البطاقة ، وكل الذي أسمعه من خلفي صوت رجل الأمن يحاول ردعي
غير أني أمشي وكأني لست المعني بكل تلك النداءات ..
دخلت للعناية ، اتجهت للغرفة رقم ٥ ، وكل الذي رأيته هو أم باكية ، وجثة هامدة مغطاة ، وانتظار تقرير طبي يفيد بالوفاة ، وهدوء عارم صامت ..
كلٌ يخبئ أدمعه في أجفانه ، ولا أحد يستطيع إطالة النظر في الأخر لأن هذا سيدر دمعًا مدرارًا
كنت مملوءًا بالتساؤلات ، ماذا حدث ؟ ولماذا حدث ؟
ولماذا لم يتم إنعاشه مجددًا ؟
ما السبب وراء ذلك ؟
وفي يدي المرتعشة اصبع سبابة ودت لو وجهت أصابع الاتهام على كل شيء حولي ..
فجأةً شعرت وكأن هذا الطفل طفلي ، وبدأ الشعور بذلك يتسلل قلبي ، فكل الذي أذكره آنذاك أقدام راجفة واجفة
تمالكت نفسي ومشاعري وحشرجة في صوتي تشبه حشرجة الموت ، سائلًا بهذا الوهن الاستشاري : دكتور ليش صار له كذا ؟
الاستشاري : ما اعرف يا ولدي ، لكن احتمال يكون بسبب متلازمة الموت المفاجئ للرضع
Sudden infant death syndrome
أو ما يسمى بموت المهد
Crib death
حيث لا أسباب واضحة له ..
لأجر بعد ذلك خيباتي ، وأرى في عين والدة الطفلة غضب ممزوج بخيبة وحزن على كل من يمر أمامها ..
وحينها مر شريط أمام عيني رأيت فيه كل تلك المواقف في سنة الامتياز التي مزقت قلبي ..
لا زلت أذكر صفعة الشاب لأمه ، وذلك الذي دخل للطوارئ يحمل بين يديه رأسًا بشريًا مقطوعًا وهو مفزوع
وحادثة الطلاق التي وقعت في المستشفى بسبب خلاف على علاج مرضي ، وتلك الفتاة الشابة التي امتلأ جسدها بالجروح والعلامات من والدها حيث تكتمت على الامر وعادت أدراجها مع والدها ..
وقصص كثيرة تبقى في عقلي عالقة ..
علمت حينها أن الأمور لا تسير ورديةً دائمًا كما نحب ، وأن الحياة فيها من الابتلاء ما يختبر صبرنا وإيماننا بالله ..
وأن التنبؤ بالأشياء يسقطه القدر ..
فلا شيء فوق أقدار الله ..
جبر الله قلب والدته وقلبي وقلب كل من تألم له وحزن ..
وأعاضنا في ذلك بخير

جاري تحميل الاقتراحات...