كل من يحترف هذه المهنة لابد أن يمتلك قدراَ من الموهبة والرشاقة والأداء التعبيري المقنع ، فإذا كان لديه كل هذه الأدوات سيضمن لنفسه دخلا ثابتاً مجزياً ، فالموت لا يتخلى عن مهمته الأبدية ، و الجنازات لا تعرف العطلات.1
مشهد الرقص بالتابوت ليس مزحة فهو أحد المشاهد المألوفة للجنازات في "غانا" وبلدان إفريقية أخرى ، ومهنة الراقص بالتابوت ليست سهلة فهو ينتزع لقمة عيشه ومقومات حياته من بين أنياب الموت . 2
ومن المألوف في هذه الجنازات الراقصة مشاهدة 4 أو 6 أشخاص وهم يحملون تابوت الميت ، ويرقصون على أنغام الموسيقى الصاخبة بناء على رغبة أهل المرحوم ، فللموت في الثقافات الإفريقية مفهوم مختلف عما نعرفه 3
فوفق عقيدة "اليوروبا" الافريقية فإن الموت مجرد عملية انتقال سلس بين عالمين دون مشقة أو معاناة ، واسعاد الميت قبل دفنه واجب على ذوي الفقيد الراحل.4
وإذا كانت مهنة الرقص بالتابوت رائجة في القارة السمراء فإن المهنة المقابلة لها في الثقافة المصرية مغايرة تماماً ،وهي مهنة الندابة أو "المعددة" التي يتم استئجارها في المآتم للنواح و البكاء ولطم الخدود وتعديد أفضال المرحوم ومكارم أخلاقه ومن هذا التعديد جاء مسمى "المعددة"5
ورغم أننا في القرن الواحد والعشرين إلا أن مهنة "المعددة" باقية وتتمدد ، مع تطور واضح وهو أن مهمتها لم تعد تقتصر على الجنازات 6
لكنها توسعت لتشمل كذلك المصائب والأزمات العامة حيث تقوم بتعديد كل المآسي الممكنة وهي تلطم الخدود على صفحات "السوشيال ميديا" ثم تتمرغ في تراب بعض الدكاكين الفضائية المأجورة ، وبعد أداء مهمتها تنهض وهي تنفض التراب وكأن شيئا لم يكن 7.
والنموذج المثالي للمعددةالمعاصرة هي الرفيقة الدادةأم عطيات الشغالة"الشخصية التي ظهرت في فيلم"السفارة في العمارة"فأثارت عاصفة من الضحك بين المشاهدين لكن المناضلة"أم عطيات"لم تستطع مقاومة إغراء"كورونا"بكل مآسيها فقررت الخروج من شاشة"السينما" إلى الواقع لتمارس نضالها على أعلى مستوى
فتاريخها النقابي المشهود يمنحها لقب "المعددة" الأولى في مصر، وخبرتها العريضة تمنحها القدرة على أداء دورها على أكمل وجه ،9
لكن هذه الخبرة لم تسمح لها فيما يبدو بالتوصل إلى استنتاج بسيط وبديهي وهو أن صوت نواحها على صفحات الفيسبوك سيكون مادة دسمة لجماعة من الراقصين بالتوابيت ، يعتبرون الموت والمآسي والأزمات أفضل ساحة للرقص على آلام الوطن 10
الدادة "أم عطيات" كانت تعلم علم اليقين أنها تنقل مشكلة داخلية إلى فضاء الخونة في الخارج ، وكانت على إدراك تام بأن كل المحاولات لمعالجة المشكلة لم تُستنفذ بعد ، لكنها مع ذلك فضلت أن تمارس مهنتها الأصيلة كمعددة على الهواء مباشرة . 11
اعتمدت المناضلة "أم عطيات" على مشكلة حقيقية بالفعل واجهت أطباء مصر في ظل أزمة مماثلة تعيشها الأطقم الطبية في أكبر الدول وأغناها ، لكن الدكتورة "أم عطيات" وجدت أمامها فرصة سانحة لتصفية حساباتها السياسية تحت شعار نبيل وهو حماية الأطقم الطبية ،12
ومن هنا تظهر الخبرة الحقيقية لأم عطيات بقدرتها على المزج بين الحق والباطل في صيغة إنسانية نضالية تنتصر لحقوق "بروليتاريا" الأطباء !13
ولسوء حظ الدكتورة فإن خبرتها الكبيرة في العزف المنفرد على تفاصيل الأزمات ضاعت للأسف وسط أصوات النشاز العالية لعازفين أقل مهارة وأكثر حماقة 14
فحملة استقالات الأطباء على الفيسبوك وتوجيه السباب إلى مصر حكومة وشعبا كشفت النقاب على الفور عن بقية عازفي "الأوركسترا" الذين عجزوا عن إصدار نغمات مقبولة من آلاتهم فلجأوا إلى " الثغاء" و"المأمأة" وهذه طبيعة القطيع العابر للأوطان الذي لا يرى في "مصر" سوى حفنة من تراب عفن15
أما المايسترو "أم عطيات" التي وجدت نفسها فجأة تحت الأضواء وهي تقود أوركسترا القطيع فقد سارعت بالتنصل من فرقتها لتكرر"الأكلشيه" المحفوظ عن إنعدام العلاقة بينها وبين جماعة الخونة الإرهابية16.
رغم كثرة الوقائع االتي تؤكد أن الدادة "أم عطيات" و"رفاقها" قد تحولوا منذ سنوات إلى مجرد دمى "ماريونيت" تتصل خيوطها بأصابع قادة القطيع ، لكن "الرفاق" في حالة إنكار لوجود هذه الخيوط الواضحة لكل ذي بصر وبصيرة17 .
وإذا كان تدخل الحكومة قد ساهم في السيطرة على الحريق الذي أُريد له أن يتأجج ليأكل الأخضر واليابس ، فإن واجبها الآن المحافظة على ثقة المواطن التي اكتسبتها منذ بداية أزمة "كورونا" ، وأن تمتلك القدرة على رسم سيناريوهات الأزمات المحتملة لمحاصرتها قبل ان تبدأ 18
ومع الاقتراب من ذروة الأزمة يجب أولا التخلي عن مبدأ الاعتماد على "وعي المواطن" ، 19
ويجب ثانيا الانتباه إلى أن ظاهرة المتاجرة السياسية بالموت ستزداد مع ارتفاع أعداد المصابين بفيروس "كورونا" ، وأن "المعددة" ستصبح "معددات" ، وأن هناك من هم على استعداد لفعل أي شيء فقط لاستغلال الأزمة حتى لو مارسوا طقوس الرقص بالتابوت ليلاً ونهاراً .20
جاري تحميل الاقتراحات...