58 تغريدة 45 قراءة Jun 06, 2020
للأهمية قررت كتابة هذا المنثور عن معنى [الضرب] في القرآن؛ إذ أن التزايد المضطرد لحالات العنف الأسري حول العالم خلال الحجر المنزلي، وجد –ولبالغ الدهشة- تبريرًا ودفاعًا مستميتًا باعتبار هذا العنف حق شرعي للرجل. ويدعي هؤلاء أنه ضرب "تأديب" لا "تعنيف". [1]
لكن الواقع والعلم أثبت أنه لا يوجد ما يمكن تسميته بالضرب غير العنيف. فالضرب له من الآثار النفسية المدمرة ما يفوق الأثر الجسدي بمراحل. وهذا المنثور استعراض ملخص لبحث تم نشره على أجزاء ونوقش في مجموعات خاصة بتدبر القرآن تحوي باحثين من مختلف الطوائف الفكرية ومنهم مختصون باللغة، [2]
وقد تم على يديهم تطويره وإعادة دراسة بعض جوانبه عدة مرات قبل الوصول لهذه الخلاصة.
إذ خلص البحث إلى أن المعنى المستخدم حاليًا للضرب تقابله كلمة [بطش] في القرآن. فهي التي تعنى توجيه إصابة مؤلمة بواسطة الأيدي أو الأرجل أو باستخدام أداة. والذي تقابله Hitting في الإنجليزية. [3]
أما (الضرب) فكان معناه القديم يختلف عن الحالي. وإن كانت بقايا المعنى القديم لا تزال مستخدمة.
فالجذر "ض ر ب" يعنى تحديد الحيز للشيء وحصره فيه. فالضرب في لغة العرب وقت القرآن يجب ترجمته بمعنى Zoning أو Defining Space أو Defining Limits في الإنجليزية [4]
وعليه - وقبل استعراض تفاصيل كيفية الوصول لهذا المعنى- فإن الضرب المقصود في الآية محل الجدل "واضربوهن" هو وضع حدود للتعامل تلتزم بها المرأة حتى توقف "نشوزها" الذي تضيق به على بعلها وتفسد به حياتهما الأسرية. سيتم تفصيل ذلك لاحقًا. [5]
ربما سيستغرب البعض أو يستنكر فكرة تغير المعنى عبر الزمن – مع أنها خاصية ثابتة في اللغات - فالتفاسير القديمة تحمل ذات المعنى المعروف بالنسبة لنا. وعليه سيرفض البعض هذا الطرح لأنه يصدق ويؤمن بكل ما أورده "السلف" دون تمحيص ومراجعة. أو أن يكون ممن يرون تاريخية النص أو منكرون له [6]
ويعتبرون مثل هذا البحث محاولة رتق لا تستقيم. لكني لن أدعو أحدًا لترك معتقده وما يؤمن به. فقط أدعو من لديه استعداد للقراءة بحياد المنطق ومناقشة الفكرة بشكل بناء لأن يكمل هذا المقال. فإن وجد ما يقنعه أو يفيده فمرحبًا، وإن كان له رأي آخر يضيف لما في البحث فمرحبًا به. [7]
وقبل استعراض منهجية هذا البحث، لابد من توضيح حقيقة جلية وهي: "نص القرآن تاريخي". ولا أعني ذلك من منطلق فكري. وإنما هي حقيقة لغوية ثابتة في كل اللغات الحية. فالمفردات والتعبيرات تتبدل وتتطور وتتغير معانيها وقد تنقلب للضد. والعربية ليست مستثناة. فمفردات قرآنية عديدة تغير معناها [8]
واستخدمت بطريقة مختلفة. مفردات مثل [رائع] و[رهيب] التي بتنا نعبر بها عن صفات إيجابية، كانت تحمل معاني معاكسة ذات مشاعر سالبة في لسان القرآن. (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ) و (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) والأمثلة غيرها كثيرة [9]
قامت منهجية البحث على وضع كلمة [ضرب] بكل اشتقاقاتها في سياقاتها المختلفة أمام بعضها البعض بالمقارنة والمقاربة عبر آلية التحليل الخطابي
Speech Analysis
التي تعتمد على مبدأ (وحدة مصدر الخطاب تقتضي استخدام المفردات بمعنى ثابت ومتسق في جميع مواضع الخطاب على .. [10]
المستوى الكلي
Global Context
وإن حدثت اختلافات جزئية يفرضها السياق المباشر
Local context
فهي لن تبتعد مطلقا عن المعنى الأساسي. فلا ينقلب لعكسه أو يتحول لصورة مجازية لا تطابقه). [11]
وفيما يلي استعراض مختصر لجملة من المواضع التي ذكر فيها الضرب وتوضيح لمعناها المتسق مع المعنى الأساسي المذكور آنفًا [تحديد الحيز للشيء وحصره فيه]:
[12]
أولاً: ضرب الأمثال: الأمثال هي ما يشترك في صفات متماثلة. ويتم ضربها بأن يتم ربط كل مثل بمماثليه وحصرهم في حيز مشترك يقابل ما سواها من مجموعات تختلف عنها. (الشكل التوضيحي). وقد يضرب المثل الواحد كنموذج يتم تمييزه لحاله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ..) [13]
(مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ..) أو وضع نموذج مقابل نموذج يعاكسه وعليهما يتم تنصيف البقية من أمثال هذه النماذج المضروبة في الحياة. كضرب امرأتي نوح ولوط مثلاً للكفر والخيانة -حددت لهما خانة بعينها- وضرب امرأة فرعون ومريم كمثل للإيمان والوفاء -وضعتا في خانة مقابلة-. [14]
وقبل هذه الدراسة كنا نجد صعوبة في فهم فكرة ضرب الأمثال بمعناها الحالي، إذ لا يمكن تقريب الخبط والصفع ولو على سبيل المجاز مع هذه الفكرة وعليه يمكننا أيضًا فهم الآية: (كَذَلِكَ يَضْرِبٌ اللَّهُ الْحَقَ وَالبَاطِل) إذ يميزهما ويضع كل منهما في حيزه. [15]
ثانيًا: الضرب بالسور: السور هو أداة تحديد الحيز، فكان الفاصل الذي حجز وحَدَّ بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة. وربما يكون هذا الموضع اكثرها وضوحا في اتساقه مع المعنى العام الذي ذكرناه. ولا يمكن أن يقارب مع المعنى الشائع فهل يقوم السور بالخبط؟ من يدري!. [16]
ثالثًا: ضرب البحر بالعصا: هذا سهل على الجميع تصوره بالمعنى السائد باعتبار أن النبي موسى قام بخبط الماء بالعصا. ولكن إذا توقفنا مع هذه الآية: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا) فكيف خبط النبي موسى الطريق الذي لم يكن موجودًا أصلا. [17]
في اعتقادنا أن هذه الآية وضحت كيف قام النبي موسى بضرب البحر بعصاه وكيف ضرب طريقًا فيه. فما قام به النبي الكريم هو أنه حدد مسار العبور ورسمه بعصاه على صفحة الماء فانحسر عنها مشكلا الطريق المرسوم. (الشكل المرفق). [18]
رابعًا: ضرب عليهم: وقد جاءت هذه الصيغة في عدة مواضع مرتبطة بالذل والمسكنة. وهي تشبه التعبير الذي نستخدمه لليوم "ضرب عليهم الحصار" أو "ضربهم الجوع". ولا يمكن أن يعني ذلك أن الذل والمسكنة تخبطهم بشكل مجازي. وإنما تعني أنهم كفئة مستضعفة حوصرت في موضع الذلة والمسكنة [19]
وعليهم حدود لا يستطيعون تجاوزها في التعامل مع البقية بندية أو الوصول لوسائل تعينهم على الكسب الذي يمكنهم من الحياة الكريمة. [20]
خامسًا: الضرب في الأرض: وتعني إعمار الأرض بالبناء أو الزراعة. فالأرض المضروبة هي الأجزاء التي يتم تحديد مساحتها وتخصيصها للأعمال المختلفة وتكون مصدرًا لكسب الرزق. لذلك صنف القرآن فئة بقوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ) باعتبارهم من الفقراء .. [21]
ممن لا يملكون أعمالاً خصص لها حيز من الأرض ولا أملاك أو عقارات أو مزارع أو غيرها.
وعملية الضرب في الأرض تحتاج شغلا متصلاُ أكان ذلك بالزراعة أو البناء لذلك فقد أجاز لهم التخفيف من الالتزام بحضور صلاة الجماعة والقصر منها (تقليلها) كما في .. [22]
الآية: (وإٍذَا ضَرَبْتُمْ فٍي الْاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) والتي تم تفسيرها باعتبار (الضرب في الأرض) هو السفر – وهو ما لا يتسق مع مفهوم الضرب السائد ولا حتى بالتصوير المجازي- وجعلوا القصر من الصلاة قصرا لها (بتقليل عدد الركعات) .. [23]
وربطوا معنى السفر مع الآية الأخرى: (إِذَا ضَرَبٌوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًى) إذ اعتبروا "غزى" تعني "غزاة". فلو كان الضرب في الأرض يعني التحرك فيها فهو معنى شامل فلا داعي معه لذكر "أو كانوا غزى". [24]
جدير بالذكر أن البعض اقترحوا أن كلمة "غزى" بالقياس قد تكون جمعًا لـ(أغزى) قياسًا على (أعزل وعزل وأعزب وعزب) وهي في تقديرهم تعني من يقع عليهم "الغزو" وهم في حالة دفاع عن النفس والأرض. وبغض النظر أن (غزى) يمكن أن تكون جمعًا ل(غازي) قياسًا على (ساذج وسذج ونادل وندل) [25]
فالغزو كفعل شي مختلف عن الضرب في الأرض، لكن كليهما يجعلان الفاعل مشغولاً عن الانتظام في واجباته الدينية والمجتمعية بشكل معتاد لأن دوره الذي يقوم فيه مصلحة للمجتمع تقضي منه التفرغ لها. [26]
سادسًا: ضرب عنهم: وجاء ذكرها في موضع واحد في الآية: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) والتي جاءت في صيغة استفهام مستنكر. ويعنى ضرب الذكر عنهم هو حجزه وحصره في حيز بخلافهم فلا يأتيهم ولا ينالهم منه نصيب. وهو نفس التعبير الذي نستخدمه حديثًا بمعنى (الإضراب) [27]
فحين يضرب الناس عن الأكل أو العمل، فذلك يعني أنهم يمنعون أنفسهم من الشيء ووضع حدود بينهم وبينه تحجزهم عنه. [28]
سابعًا: ضرب أجزاء من الجسد: وقد وردت مرتين في موضعين وكلاهما ضرب قام به الملائكة (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) و (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهٌمٌ الْمَلَائِكَةٌ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارًهُمْ) وهي من المواضع التي ربما يسهل للبعض [29]
تصورها بالمعنى السائد باعتبار الضرب خبطًا أو شكلاً من أشكال التعنيف والإيذاء. ورغم أن الملائكة كيانات غير مُدْرَكة لدينا ولا نعلم ماهيتهم وخصائصهم الفعلية. فلن يمكننا تصور الكيفية، ولكن المعنى الذي توصلنا إليه من خلال البحث يمكن تطبيقه على هاتين الحالتين أيضًا. [30]
ففي قصة بدر يمكن أن نفهم أن الملائكة عندما ضربوا بنانة المقاتلين والأجزاء التي فوق أعناقهم بأنهم شلوا حركتها وحصروها في مساحة وحيز لا تستطيع الحركة خارجه، وهذا ما سهل على المؤمنين هزيمتهم. فلا نتخيل أن المعتدين من الكفار كانوا يشعرون بألم من خبطات تأتيهم من كيانات غير مرئية [31]
واستغلها المؤمنون بقتلهم وأسرهم. وإنما كانوا يعانون حالات من الشلل والعجز اللحظي الذي يمنعهم من القتال والدفاع عن أنفسهم. هذا التصور يمكن تطبيقه على الحالة الأخرى بقدوم لحظة الوفاة فتهمد الأجساد وتعجز عن الحركة. ما زلنا نجهل الآلية التي تضرب بها الملائكة لكننا نتخيل النتيجة. [32]
ثامنًا: ضرب الرقاب: الرقبة لا تعني الجزء الحامل للرأس في سياقات القرآن الذي سمى هذا العضو بالعنق. فالرقبة هي ما وضع تحت الرقابة سواء كانت رقابة قانونية أو مجتمعية على غرار الأسرى والرقيق والغارمين. فضرب الرقاب هي عملية الأسر التي تبدأ برصد تحركات المعتدين على الحدود [33]
فيحصرون في مكان محدد ويلقى القبض عليهم وهو ما يتوافق مع السياق حيث يتم ضرب الرقاب "الوضع تحت المراقبة اللصيقة" قبل المواجهة بالإثخان ثم شد الوثاق -مثل الشرطة حين تكمن للمجرمين ثم تقبض عليهم وتقيدهم- فلو كان ضرب الرقاب يعني فصل الأعناق بالسيف فما الحاجة لشد وثاقهم بعدما قتلوا؟[34]
تاسعًا: الضرب على الجيوب: وهو في موضع واحد في الآية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) والمعنى هو إحاطة منطقة الجيب (ألصدر) وثبيته بقطعة مباشرة من الملابس (صدرية داخلية) لتغطيتها وتثبيتها والحفاظ عليها. [35]
حيث كانت نساء العرب وبعض الشعوب لا ترتدي ملابس تحتية وكانت الجلابيب الواسعة عرضة لأن تنكشف من تحتها هذه الأجزاء. هذا تفسير لا يشبه السائد لكنه متسق مع المعنى الذي توصلنا إليه، فهل يمكن لأحد أن يشرح ولو على سبيل المجاز كيف "يضرب/ يخبط" الخمار الجيوب؟! من يدري! [36]
عاشرًا: الضرب بالأرجل: وفي ذات الآية استخدمت المفردة في: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ). فالضرب المقصود هنا هو وسيلة لإبراز الزينة المخفية بواسطة الأرجل. ويمكن تصور كيف لحركة الأرجل كما تقوم بها بعض النساء – عن عمد وقصد - [37]
بإبراز وتحديد مساحات مغطاة من الجسد تحت الملابس -مثل منطقة الفرج- أو برفع أجزاء من الملابس ليظهر ما تحتها عبر وضع ساق على ساق فتنزلق الملابس وينكشف بعض ما تحتها بشكل تقصد به إبراز مفاتنها بغرض إغواء الذي في قلبه مرض من الرجال. [38]
والآن قبل أن أستعرض كيف تنطبق مخرجات هذا البحث على الآية محل النقاش والتي كانت سببًا في كتابة هذا المقال الملخص من هذا البحث الطويل. وجب توضيح بعض النقاط التي تمت مناقشتها في نهاية البحث. [39]
أولها: كيف تحول معنى الضرب الذي تم التوصل إليه من خلال البحث إلى المعنى السائد حاليًّا؟ والفكرة المقترحة لذلك أن الضرب (الذي هو إلزام الشيء بحيز معينه وحصره فيه) كان يستخدم بعدما يقوم أحد ما بتأديب أحد آخر من خلال تعنيفه والبطش به فيقال ضربه أي "ألزمه حدوده". [40]
وفي استخدامات المفردات المشتقة من [ض ر ب] في لغتنا اليوم الكثير مما ينطبق عليه المعنى الذي توصلنا إليه ومثال ذلك [إضراب] التي سبق ذكر معناها. و [ضريبة] والتي تعني جزءًا قسم من المال تحصره الدولة وتحوز عليه. وضرب الحصار الذي يفرض على حيز بعينه. [41]
وقديمًا قالت العرب مضارب الخيل للأرض التي تحبس فيها الخيل ومضارب الخيام ومضارب القبائل والتي هي الأماكن والمساحات المحددة لهم. [42]
وثانيها: هو أن بعض النقاط قد قصر البحث عن الوصول لحل كافٍ للإقناع بشكل تام للباحثين المناقشين في بعض المواضع ودلالة الضرب فيها وهي: [43]
أ) (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ* فَجَعَلَهُمْ جٌذَاذًا) في قصة النبي إبراهيم حين توعد أصنام القوم بالكيد (تَاللّهِ لَأَكِيدَنَّ أّصْنَامَكُمْ) . ومصدر الخلاف حول المعنى هو أننا اقترحنا أن (اليمين) المقصودة في الآية هي التي ألقاها وحلف بها إبراهيم. [44]
فكان ضربه للأصنام تنفيذًا لما حلف عليه فقام بإهانتها ورميها (جذاذًا) حيث يتم جمع وحصر "وضرب" الحطام والركام والأوساخ. تاركًا كبيرهم الذي إن كان قادرًا لوقى بقية الأصنام من الوقوع في هذه الإهانة. [45]
من أصروا على أن معنى (اليمين) هو اليد اليمنى وجدوا أن معنى الضرب السائد هو الأقرب لأذهانهم فاعتبروا أن النبي إبراهيم قد حطمهم بيده. وإن كان رأينا أنه من الغريب أن يقدر رجل واحد على تحطيم الأصنام بيده دون أداة والتي كانت لابد وأن تذكرها الآية إن كان قد تم استخدام أي منها. [46]
ب) (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقٍلُونَ) ولما كانت آلية إحياء الموتى مجهولة بالنسبة إلينا أصبح من العسير علينا التوصل للمعنى المقصود بالضبط للآية. ولكن بعد طرح البحث للنقاش تم التوصل إلى .. [47]
فكرة لقيت استحسانًا – مني على الأقل- لكن لا يمكن الجزم بأنها الصحيحة. وفرضيتها أن القتيل الذي كان (نَفْسًا فَادَّارَئْتُم فِيهَا) كان جثته مقطعة إلى أشلاء واستحالت معرفته. فكان الحل بذبح البقرة هو أن تستخدم بعض أجزاءها كقطع بديلة لتجميع الأجزاء الناقصة وتبين هيئة القتيل [48]
وذلك بحصرها في حيز مرسوم للجسد وتركيبه (الشكل التوضيحي). وقد كان دليل هذا التصور أن المواضع التي ذكر فيها إحياء الموتى في القرآن كانت كلها تتحدث عن تجميع الأجزاء بعد تحللها وإعادة إنتاج التالف أو الناقص منها. كقصة تجميع عظام الحمار وتجميع أشلاء الطيور وغيرها. [49]
أخيرًا: فالآية التي بسببها قمت بكتابة هذا المقال هي: (وَاللَّاتٍي تَخَافُونَ نٌشٌوزَهَنًّ فَعِظُوهُنِّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنًّ)
ونبدأ بشرح معنى النشوز والذي عانى من تضاربات في الشروح والتفاسير لا مجال لذكرها هنا. [50]
من استعراض سياقات المفردات المشتقة من "ن ش ز" في القرآن سنجد أن النشوز هو التلاصق والتلاحم (وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ "نُنشِزُهَا" ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) فالعظام المتفرقة تم جمعها وألصقت ببعضها البعض. [51]
(إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا) والتفسح في المجالس يعني أن يتباعد الناس ويأخذوا فسحة في المساحة، بينما عكس ذلك أن يتضاموا ويتلاصقوا لتضييق مساحات الجلوس فيجلس غيرهم معهم ويكفيهم المكان. [52]
وأخيرًا موضوع النشوز المرتبط بالرجل في الآية: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فنلاحظ أن الإعراض ذكر في مقابل النشوز بذات السياق فلا يمكن أن يحملا ذات المعنى. [53]
وعليه فالإعراض صفة مختلفة عن النشوز. وبمراجعة المفهوم العام نجد بذلك أن الناشز – رجلاً أو امرأة – هو من يلتصق بشريكه ويضيّق عليه بسبب التعلق الزائد والغيرة المفرطة. وبها يسبب مشكلات عديدة لشريكه فيخنقه بالشك ويقيد حركته وتعاملاته في دائرة المجتمع. [54]
هنا ينصح القرآن المرأة باللجوء للصلح أكان الرجل معرضًا عنها أو ناشزًا عليها. بينما نصح الرجل باتخاذ خطوات للمعالجة من خلال وسائل ثلاث يمكن استخدامها معًا في ذات الوقت أو أي منها وهي الوعظ والهجر في المضجع والضرب. (الواو حرف عطف لا يقتضي الترتيب) [55]
فالوعظ نصح يتم بالحوار، والهجر في المضجع وسيلة للاعتراض والضغط على الناشز لتترك غيرتها وتعلقها الزائد به، (فلو افترضنا أن النشوز هو النفور لكانت هذه الوسيلة راحة لها منه ولا معنى منها). [56]
أما الضرب فهو تحديد حيز المعاملة بينهما فيتم من خلال الاتفاق "الصلح" وتوضع حدود للمرأة يضربها بها فلا تتجاوزها حتى تتخلص من غيرتها الزائدة وتستكين العلاقة بينهما. [57]
آسف على الإطالة. حاولت إيجاز البحث والتركيز على نتائجه وكيف تم التوصل إليها بشكل غير مخل. أرجو نشره إن وجدتم فيه الفائدة. ومرحبًا بكل مناقش يريد الحوار العقلاني والعلمي دون تحيز أو عصبية.
#الضرب_في_القرآن #عنف_منزلي #لا_لتعنيف_النساء

جاري تحميل الاقتراحات...