Hisham Elmahdi
Hisham Elmahdi

@drhzagalo

40 تغريدة 54 قراءة Jun 01, 2020
عن العلمانية Secularism
العلمانية كمصطلح سياسي عبارة عن كلمة معربة جاية من العالم (الدنيا) مش العِلم (بكسر العين) والكلمة البتقابلها في الانجليزية مفردة secularism التم اختراعها في منتصف القرن ال١٩ بواسطة االمحرر الصحفي لانجليزي جورج هوليوك.. (١)
واللي قصد من خلالها التعبير عن وصف حالة حركة تطور النظام الاجتماعي بصورة منفصلة عن النصوص الدينية السائدة وقتها.. وعليه ما كان في تعريفه للكحركة يصورها مطلقاً كمعاداة للدين كما هو شائع حالياً.. وابسط شرح مشهور لها فصل الدين عن الدولة او فصل الدين عن السياسة (٢)
(كما نردد في الشرق الأوسط) ومعناه الفصل التام بين المؤسسات الدينية و المؤسسات السياسية، وبالتالي حماية المؤسسات الدينية نفسها و استقلاليتها، وحرية المعتقد والتعبير للمواطنين، و عدم التمييز بين المواطنيين على اساس عقائدي او عنصري، .. الخ. (٣)
اذا في البداية حاولنا نعمل مقدمة تاريخية لنشأة العلمانية كفكر سياسي، ح نلقى مما لاشك فيه تأثير تسلط و تجبر الكنيسة في اوروبا في العصور الوسطى لعب دور تاريخي في ظهور الحركة.. الكنيسة في العصور المظلمة كانت تعتمد على النص المقدس الجامد و تحارب اي فكر مخالف او تنويري بالالحاد (٤) +
و الهرطقة و في كثير من الاحيان كان يحكم على المخالف بالحرق او القتل ودة كان السبب الرئيسي في تسمية الفترة دي في تاريخ اوروبا بالعصور المظلمة لأنه بسبب سطوة رجال الدين ومحاربتهم للافكار الجديدة انتشر الجهل و الخرافة.. الكلام دة استمر الى حد ما حتى بعد دخول عصر النهضة (٥)
في القرن ال١٧، ولعلنا قرأنا عن محاكمة جاليلو، المشهور باختراعه للتيليسكوب الفضائي، واتهامه بالهرطقة وسجنه وحجزه في منزله حتى موته ومنعت كتبه فقط لأنه طرح نظرية كوبرنيكوس في انه الارض تدور حول الشمس، مخالفاً لما كانت تروج له الكنيسة ان الارض مركز الكون.. (٦)
ومن سخرية القدر ان افكار الكنيسة نفسها حول مركزية الارض كانت مستمدة من كتابات ارسطو المولود قبل ظهور المسيح بأكثر من ثلاثة قرون.. (٧)
بالنسبة للوضع الثقافي (الديني) في اوروبا فبرضو عبر تاريخها ايضاً مر بتغييرات كثيرة، فمن مسيحية غالبها تدين لمركزية كنيسة روما لحركات دينية و انشقاقات للكنيسة و نشوء طوائف كثيرة زي البروتستانتية اللي ظهرت كحركة اصلاح ديني في القرن ال١٥، وميزها خطاب مارتن لوثر (٨)+
اللي قاد عملية تجديد ديني بطرحه افكار عديدة مثلاً ان كل شخص حر في تفسيره و اعتقاده في النص المقدس وانه لا يجب الاتباع الاعمى لتأويل رجال الدين الجامد للنصوص والحتة دي نفذها بإنه ترجم الكتاب المقدس من اللاتينية التي كان يجيدها حصراً رجال الدين الى اللغة المحلية (٩)
ليكون الكتاب المقدس في متناول العامة بدلاً عن أن يكون حكراً في الكنائس.. وبرضو كلامه عن انه الغفران كعملية توبة لا تستدعي وسيط كرجل الدين ودفع اي مبالغ للكنيسة (او ما سمي بصكوك الغفران).. وغيرها من النقاط.. (١٠)
انقسام الكنيسة المسيحية برضو وصل لملوكها وانقسمت الممالك لكاثوليك و بروتستانت وابرز مظاهره كانت صراع الملوك فيما بداية ما سمي بحقبة (حرب الثلاثين عاماً).. الشاهد ان الصراع باسم الله و الدين كلف اوروبا في خلال قرن واحد اكثر من ١٠ مليون قتيل.. (١١)
الوضع الاجتماعي في اوروبا من ناحية ثانية مر بمرحلة الاقطاع Feudalism في بداية العصور المظلمة اللي تبرز فيه مقولة الفريد ملك انجلترا الشهيرة (خلق الله العالم على مثلث، ضلع يحكم وضلع يصلي وضلع يخدم الضلعين).. (١٢)
وتلاه في مرحلة لاحقة تحول بطئ في بدايات عصر النهضة لكن ظل المجتمع مقسم لطبقات، زي النبلاء والفرسان ثم طبقة رجال الدين واخيراً عامة الشعب اللي اغلبه عمال و مزارعين، فالظلم الاجتماعي كان واقع على الطبقة الاخيرة خصوصاً في الأُجرة الشحيحة و الضرائب الباهظة.. (١٣)
و في نهايات القرن ال١٨ كان زيادة الضرائب على طبقة العامة عامل رئيسي في الثورة الفرنسية واللي تعتبر اول مطالبة حقيقية حديثة بتطبيق مفاهيم العلمانية.. افكار الثورة تأثرت بكتابات فلاسفة عصر النهضة في نقد الكنيسة و رؤيتهم لأهمية قيام مجتمع يتساوى فيه الناس في الحقوق و الواجبات (١٤)
خلاصة الامر ان الصراع الاجتماعي الاقتصادي بين طبقات المجتمع و الثقافي بين الطوائف المسيحية الذي شهدته اوروبا قبل بضع قرون ادى في النهاية الى انقسام وتمييز جذري في العقل الاوروبي بين ما هو ديني ولا ديني.. (١٥)
تطبيق المفهوم نفسه في اوروبا اخذ وقت طويل حتى يأخذ شكله الحالي، فمثلاً الثورة الفرنسية في ١٧٨٩ وقررت في لائحة اعلان حقوق الانسان و المواطن الشهيرة (يمنع التعرض لأي شخص بسبب آراءه وأفكاره، بما في ذلك الدينية منها، شريطة ألا يخل التعبير عنها بالنظام العام الذي أرساه القانون). (١٦)
اخدت الثورة قرن كامل اضافي حتى تشرع بإعتماد البرلمان على تشريعات مدنية بدلاً عن الدينية وصدر قانون الفصل بين الدولة و الكنيسة بعدها باكثر من ١٠ اعوام (١٩٠٥)، ثم اخذت اكثر من ٥٠ عام اخرى حتى تم ادراج العلمانية كمسألة دستورية عليا (اكثر من ١٦٠ سنة من قيام الثورة الفرنسية).. (١٧)
طبعاً توصف العلمانية الفرنسية بأنها أكثر تطرفاً من غيرها وربما عنف التجربة الفرنسية في صراعها ضد الكنيسة يفسر الحتة دي جزئيا مقارنة بدول اخرى تظهر جانب اكثر ليونة في تطبيق العلمانية كإنجلترا مثلاً، حيث تنصب الملكة كرئيسة للكنيسة.. (١٨)
الفيلسوف الجزائري الراحل محمد أركون يرفض الثنائية dichotomy التقليدية اللي بيسوق ليها جماعة الاسلام السياسي و اللي تضع العلمانية مقابل الدينية.. ووضع تعريف للعلمانية في شكل مقياس واسع متدرج (وهو بالمناسبة اول من ذكر مصطلح -العلمانوية- الذي ردده اللمام).. (١٩)
فجعلها درجات متباينة؛ من العلمانية السطحية (العلمانوية/الصراعية/الوضعية) الى العلمانية المستنيرة (العقلانية/الواقعية).. وفي هذا المنحى يقدم حالة تركيا و فرنسا عن النوع الأول (السطحية) (٢٠)
فنجده ينتقد حالة الانفصام التي شابت تركيا بعد الحرب العالمية الثانية و قيام اتاتورك بنسخ التجربة الاوروبية و طمث الثقافة المحلية كليةً.. وفي مثال فرنسا كيف انه العلمانية اصبحت توصف كحركة معادية للدين نفسه.. (٢١)
ويرى بالتالي امكانية انشاء نظام سماه العلمانية المستنيرة واللي بتدي مساحة للروح والبعد الديني للفرد كما تعطيها للعقل.. والحتة دي مثار خلاف بين السياسيين و الفلاسفة، لأنه الراديكالي منهم لا يرى سوى شكل واحد للعلمانية.. (٢٢)
الاشكال الكبير في عالمنا العربي هو محاولة الحركات الاسلاموية شيطنة الكلمة و تحويلها من دعوة للحرية الفكرية للانسان تنظم مجتمعه، الى دمغ العلمانيين بالالحاد والفجور والاباحية بهدف ترويجهم لسلعتهم (الاسلام السياسي) كصراع الخير في مقابل الشر.. (٢٣)
(مقطع تجلي لعلي الحاج)
كثير من الناس بيقعوا ضحية التسطيح الساذج واللي بيجافي مفهوم العلمانية الأساسي. و أيضاً يدمغون الشخص اللي بيروج للعلمانية كملحد أو العكس. مع ان العلمانية لا تدعوا للاباحية و الفجور ولا تحارب الاخلاق او الدين بقدر ما تحفظ حقوق منتسبي كل الديانات في ممارساتهم التعبدية و حقوقهم (٢٤)
ونجد انه دول اوروبية كثيرة فيها احزاب سياسية تحمل اسماء دينية و ترتكز على قيم دينية لكن ممارستها السياسية تتم داخل نظام يقر بالعلمانية.. اشهرها الحزب الديموقراطي المسيحي في المانيا بزعامة ميركل.. فالحزب قام على مبادئ مسيحية تخص علاقة الانسان بالرب (٢٥)
وتتضمن قيم رئيسية زي الحرية، التضامن و العدالة..والحزب نفسه مفتوح للجميع، المسيحي (كاثوليك، بروتستانت او ارثوذوكس.. الخ) و غير المسيحي.. احزاب الديموقراطية المسيحية في العالم عموماً بتصنف ايديولوجياً كيمين الوسط كونها تدعو للمحافظة الاخلاقية و الاجتماعية (٢٦) +
لكن من ناحية اقتصادية فبتأيد السوق الحر مع دعم الشرائح الاجتماعية الضعيفة (افكار اقتصادية يسارية).. و دي دعوة لحركات الاسلام السياسي انها تطور من خطابها السياسي اسوة بالاحزاب الدينية في العالم المعاصر المتحضر.. (٢٧)
لو اخدنا تجربة الجزائر مع العلمانية، ف ح نلقى انه المحتل الفرنسي (١٨٣٠-١٩٦٢) اضاف المبادئ العلمانية لدستور فرنسا سنة ١٩٠٥ اللي كان معمول بيهو في كل المستعمرات الفرنسية لكنه وضع قانون احوال شخصية خاص تم تطبيقه على المسلمين وغيرهم في مستعمرة الجزائر.. (٢٨)
الشاهد ان الجزائر حتى بعد ويلات التسعينات لا زالت تحتفظ بمادة رئيسية في الدستور أن الإسلام هو دين الدولة، ككثير من الدول العربية التي تمارس علمانية مشوهة.. (٣٠)
كثير من السياسيين في الدول العربية يتهرب من وصمة مصطلح (العلمانية) و يستعيض عنه بال (مدنية).. حيث انه لا يوجد لفظ اصطلاحي سياسي مقابل للكلمة في اللغة الانجليزي مثلاً.. لكن المجازية مصدرها انه العملية تقوم على قوانين مدنية اكثر منها دينية.. (٣١)
وكثير من الكتاب في منطقة الشرق الاوسط يبرر انه المدنية درجة اخف من العلمانية وتراعي التركيبة الثقافية للمجتمع، بصورة مشابهة لمصطلح اركون المستحدث (العلمانية المستنيرة/الواقعية).. (٣٢)
امثلة تطبيقية لبعض المفاهيم الاساسية البتقوم عليها العلمانية:
* حياد الدولة فيما يخص الخيارات الدينية و المذهبية، فالسلطة السياسية كما السلطة الدينية مستقلتان و منفصلتنان.. فالدولة لا تتدخل في فرض مذهب على حساب الآخر.. (٣٣)
فمثلاً الدولة لا تقوم بفرض الصوفية كمذهب واجب اتباعه ولا تفرض السلفية من ناحية ثانية.. وبرضو يمنع كل ماهو ديني أو مذهبي من فرض رؤية دينية على الدولة، كأن يطلب مذهب معين تطبيق شرع محدد يخالف المذهب الاخر.. (٣٤)
وفي نفس الحتة تفرق العلمانية بين حرية التعبير الديني لأي جماعة في المجال العام و ما بين هيمنة الجماعة الدينية على المجال العام، فمثلاً يجوز للصوفية ان ينظموا احتفالات ميلاد النبي و حلقات الذكر من غير ان تتعدى عليهم الجماعة السلفية مثلاً، او العكس.. (٣٥)
* ضمان حرية المعتقد، وضمان الممارسة الحرة للشعائر الدينية.. فلا الدولة تمنع اي شخص ان يتحول لأي دين كما لا تتدخل في ممارسة اي شخص لشعائره الدينية ان لم تؤثر سلباً على النظام العام.. ونقطة مهمة وربما تشكل علامة فارقة في التطبيق عندنا، وهي مسألة التعليم العام، (٣٦)
فنجد ان المدنية (المستنيرة) تجيز تدريس الدين في المدارس الحكومية، بينما العلمانية بصورة عامة تمنع تدريس الدين في المدارس العامة و لكن يجوز ان تكون هنالك مدارس خاصة دينية [في كندا، لا يدرس الدين في المدارس العامة، ولكن هنالك مدارس خاصة كاثوليكية و اسلامية و غيره] (٣٧)
* ضرورة الموازنة بين الحقوق و الواجبات، فكون المواطن بيكسب حماية لحرية عقيدته، ففي المقابل يفترض عليه احترام المجال العام الذي يتقاسمه مع الجميع. وهنا تدخل عملية المساواة بين الرجل و المرأة في ما يخص التشريعات.. (٣٨)
* احترام التعدد و التنوع في المجتمع واحترام الحقوق الثقافية للاقليات التي تشكل هويتها، وفي نفس الوقت نبذ التعصب و العنصرية والاختلاف النابع من رواسب اضطهاد تاريخي.. واحترام الاسرة و القيم المجتمعية (٣٩)
الكنيسة في العالم الغربي عارضت العلمانية بكل قوة في البداية وكان تحفظها مفهوم و مشروع لخشيتها من فقدان مكتسباتها، ولكن مع سياسة الأمر الواقع وخضعت للعلمانية والآن نجدها متماهية ومتماشية بصورة منفصلة عن السلطة و مستفيدة من الوضع الموجود والحاجة دي طمنت المجتمعات الغربية (٤٠)
وفي نفس الوقت لم يعد الناس يعتبرون للكنيسة كمهدد. بنفس المثال، الاسلام يمكنه ان يتعايش مع العلمانية بطريقة تكفل للمسلمين نفسهم من كافة مذاهبهم حماية عقديتهم والاستفادة من مناخ الحريات في تطوير خطابهم الديني/الروحي دة غير توفيرها لحماية الاقليات الدينية و الاثنية و الثقافية.. (٤١)

جاري تحميل الاقتراحات...