واللي قصد من خلالها التعبير عن وصف حالة حركة تطور النظام الاجتماعي بصورة منفصلة عن النصوص الدينية السائدة وقتها.. وعليه ما كان في تعريفه للكحركة يصورها مطلقاً كمعاداة للدين كما هو شائع حالياً.. وابسط شرح مشهور لها فصل الدين عن الدولة او فصل الدين عن السياسة (٢)
(كما نردد في الشرق الأوسط) ومعناه الفصل التام بين المؤسسات الدينية و المؤسسات السياسية، وبالتالي حماية المؤسسات الدينية نفسها و استقلاليتها، وحرية المعتقد والتعبير للمواطنين، و عدم التمييز بين المواطنيين على اساس عقائدي او عنصري، .. الخ. (٣)
اذا في البداية حاولنا نعمل مقدمة تاريخية لنشأة العلمانية كفكر سياسي، ح نلقى مما لاشك فيه تأثير تسلط و تجبر الكنيسة في اوروبا في العصور الوسطى لعب دور تاريخي في ظهور الحركة.. الكنيسة في العصور المظلمة كانت تعتمد على النص المقدس الجامد و تحارب اي فكر مخالف او تنويري بالالحاد (٤) +
و الهرطقة و في كثير من الاحيان كان يحكم على المخالف بالحرق او القتل ودة كان السبب الرئيسي في تسمية الفترة دي في تاريخ اوروبا بالعصور المظلمة لأنه بسبب سطوة رجال الدين ومحاربتهم للافكار الجديدة انتشر الجهل و الخرافة.. الكلام دة استمر الى حد ما حتى بعد دخول عصر النهضة (٥)
ومن سخرية القدر ان افكار الكنيسة نفسها حول مركزية الارض كانت مستمدة من كتابات ارسطو المولود قبل ظهور المسيح بأكثر من ثلاثة قرون.. (٧)
بالنسبة للوضع الثقافي (الديني) في اوروبا فبرضو عبر تاريخها ايضاً مر بتغييرات كثيرة، فمن مسيحية غالبها تدين لمركزية كنيسة روما لحركات دينية و انشقاقات للكنيسة و نشوء طوائف كثيرة زي البروتستانتية اللي ظهرت كحركة اصلاح ديني في القرن ال١٥، وميزها خطاب مارتن لوثر (٨)+
انقسام الكنيسة المسيحية برضو وصل لملوكها وانقسمت الممالك لكاثوليك و بروتستانت وابرز مظاهره كانت صراع الملوك فيما بداية ما سمي بحقبة (حرب الثلاثين عاماً).. الشاهد ان الصراع باسم الله و الدين كلف اوروبا في خلال قرن واحد اكثر من ١٠ مليون قتيل.. (١١)
وتلاه في مرحلة لاحقة تحول بطئ في بدايات عصر النهضة لكن ظل المجتمع مقسم لطبقات، زي النبلاء والفرسان ثم طبقة رجال الدين واخيراً عامة الشعب اللي اغلبه عمال و مزارعين، فالظلم الاجتماعي كان واقع على الطبقة الاخيرة خصوصاً في الأُجرة الشحيحة و الضرائب الباهظة.. (١٣)
و في نهايات القرن ال١٨ كان زيادة الضرائب على طبقة العامة عامل رئيسي في الثورة الفرنسية واللي تعتبر اول مطالبة حقيقية حديثة بتطبيق مفاهيم العلمانية.. افكار الثورة تأثرت بكتابات فلاسفة عصر النهضة في نقد الكنيسة و رؤيتهم لأهمية قيام مجتمع يتساوى فيه الناس في الحقوق و الواجبات (١٤)
خلاصة الامر ان الصراع الاجتماعي الاقتصادي بين طبقات المجتمع و الثقافي بين الطوائف المسيحية الذي شهدته اوروبا قبل بضع قرون ادى في النهاية الى انقسام وتمييز جذري في العقل الاوروبي بين ما هو ديني ولا ديني.. (١٥)
اخدت الثورة قرن كامل اضافي حتى تشرع بإعتماد البرلمان على تشريعات مدنية بدلاً عن الدينية وصدر قانون الفصل بين الدولة و الكنيسة بعدها باكثر من ١٠ اعوام (١٩٠٥)، ثم اخذت اكثر من ٥٠ عام اخرى حتى تم ادراج العلمانية كمسألة دستورية عليا (اكثر من ١٦٠ سنة من قيام الثورة الفرنسية).. (١٧)
فجعلها درجات متباينة؛ من العلمانية السطحية (العلمانوية/الصراعية/الوضعية) الى العلمانية المستنيرة (العقلانية/الواقعية).. وفي هذا المنحى يقدم حالة تركيا و فرنسا عن النوع الأول (السطحية) (٢٠)
ويرى بالتالي امكانية انشاء نظام سماه العلمانية المستنيرة واللي بتدي مساحة للروح والبعد الديني للفرد كما تعطيها للعقل.. والحتة دي مثار خلاف بين السياسيين و الفلاسفة، لأنه الراديكالي منهم لا يرى سوى شكل واحد للعلمانية.. (٢٢)
كثير من الناس بيقعوا ضحية التسطيح الساذج واللي بيجافي مفهوم العلمانية الأساسي. و أيضاً يدمغون الشخص اللي بيروج للعلمانية كملحد أو العكس. مع ان العلمانية لا تدعوا للاباحية و الفجور ولا تحارب الاخلاق او الدين بقدر ما تحفظ حقوق منتسبي كل الديانات في ممارساتهم التعبدية و حقوقهم (٢٤)
وتتضمن قيم رئيسية زي الحرية، التضامن و العدالة..والحزب نفسه مفتوح للجميع، المسيحي (كاثوليك، بروتستانت او ارثوذوكس.. الخ) و غير المسيحي.. احزاب الديموقراطية المسيحية في العالم عموماً بتصنف ايديولوجياً كيمين الوسط كونها تدعو للمحافظة الاخلاقية و الاجتماعية (٢٦) +
لكن من ناحية اقتصادية فبتأيد السوق الحر مع دعم الشرائح الاجتماعية الضعيفة (افكار اقتصادية يسارية).. و دي دعوة لحركات الاسلام السياسي انها تطور من خطابها السياسي اسوة بالاحزاب الدينية في العالم المعاصر المتحضر.. (٢٧)
الشاهد ان الجزائر حتى بعد ويلات التسعينات لا زالت تحتفظ بمادة رئيسية في الدستور أن الإسلام هو دين الدولة، ككثير من الدول العربية التي تمارس علمانية مشوهة.. (٣٠)
وكثير من الكتاب في منطقة الشرق الاوسط يبرر انه المدنية درجة اخف من العلمانية وتراعي التركيبة الثقافية للمجتمع، بصورة مشابهة لمصطلح اركون المستحدث (العلمانية المستنيرة/الواقعية).. (٣٢)
امثلة تطبيقية لبعض المفاهيم الاساسية البتقوم عليها العلمانية:
* حياد الدولة فيما يخص الخيارات الدينية و المذهبية، فالسلطة السياسية كما السلطة الدينية مستقلتان و منفصلتنان.. فالدولة لا تتدخل في فرض مذهب على حساب الآخر.. (٣٣)
* حياد الدولة فيما يخص الخيارات الدينية و المذهبية، فالسلطة السياسية كما السلطة الدينية مستقلتان و منفصلتنان.. فالدولة لا تتدخل في فرض مذهب على حساب الآخر.. (٣٣)
فمثلاً الدولة لا تقوم بفرض الصوفية كمذهب واجب اتباعه ولا تفرض السلفية من ناحية ثانية.. وبرضو يمنع كل ماهو ديني أو مذهبي من فرض رؤية دينية على الدولة، كأن يطلب مذهب معين تطبيق شرع محدد يخالف المذهب الاخر.. (٣٤)
وفي نفس الحتة تفرق العلمانية بين حرية التعبير الديني لأي جماعة في المجال العام و ما بين هيمنة الجماعة الدينية على المجال العام، فمثلاً يجوز للصوفية ان ينظموا احتفالات ميلاد النبي و حلقات الذكر من غير ان تتعدى عليهم الجماعة السلفية مثلاً، او العكس.. (٣٥)
* ضمان حرية المعتقد، وضمان الممارسة الحرة للشعائر الدينية.. فلا الدولة تمنع اي شخص ان يتحول لأي دين كما لا تتدخل في ممارسة اي شخص لشعائره الدينية ان لم تؤثر سلباً على النظام العام.. ونقطة مهمة وربما تشكل علامة فارقة في التطبيق عندنا، وهي مسألة التعليم العام، (٣٦)
فنجد ان المدنية (المستنيرة) تجيز تدريس الدين في المدارس الحكومية، بينما العلمانية بصورة عامة تمنع تدريس الدين في المدارس العامة و لكن يجوز ان تكون هنالك مدارس خاصة دينية [في كندا، لا يدرس الدين في المدارس العامة، ولكن هنالك مدارس خاصة كاثوليكية و اسلامية و غيره] (٣٧)
* ضرورة الموازنة بين الحقوق و الواجبات، فكون المواطن بيكسب حماية لحرية عقيدته، ففي المقابل يفترض عليه احترام المجال العام الذي يتقاسمه مع الجميع. وهنا تدخل عملية المساواة بين الرجل و المرأة في ما يخص التشريعات.. (٣٨)
* احترام التعدد و التنوع في المجتمع واحترام الحقوق الثقافية للاقليات التي تشكل هويتها، وفي نفس الوقت نبذ التعصب و العنصرية والاختلاف النابع من رواسب اضطهاد تاريخي.. واحترام الاسرة و القيم المجتمعية (٣٩)
الكنيسة في العالم الغربي عارضت العلمانية بكل قوة في البداية وكان تحفظها مفهوم و مشروع لخشيتها من فقدان مكتسباتها، ولكن مع سياسة الأمر الواقع وخضعت للعلمانية والآن نجدها متماهية ومتماشية بصورة منفصلة عن السلطة و مستفيدة من الوضع الموجود والحاجة دي طمنت المجتمعات الغربية (٤٠)
وفي نفس الوقت لم يعد الناس يعتبرون للكنيسة كمهدد. بنفس المثال، الاسلام يمكنه ان يتعايش مع العلمانية بطريقة تكفل للمسلمين نفسهم من كافة مذاهبهم حماية عقديتهم والاستفادة من مناخ الحريات في تطوير خطابهم الديني/الروحي دة غير توفيرها لحماية الاقليات الدينية و الاثنية و الثقافية.. (٤١)
جاري تحميل الاقتراحات...