بدور عبد المنعم عبد اللطيف
بدور عبد المنعم عبد اللطيف

@BidourMoneim

14 تغريدة 52 قراءة May 30, 2020
ما بين الجيوكندا.. وموسم الهجرة إلى الشمال
بقلم: بدور عبدالمنعم عبداللطيف
في ديسمبر من عام 1997 حضرت مع زوجي إحدى الأمسيات الشعرية في مهرجان الشعر العربي الذي كان قد أقيم على مسرح "دار الأوبرا في القاهرة"، فانتشت جوانحنا ونحن نحلِّق في أجواء وسماوات+
مجموعة من شاعرات وشعراء مختلف الدول العربية، وهكذا "القاهرة" تظل دائماً وأبداً منارةً ومركزاً للإشعاع الفكري والأدبي.
كان من بين الحضور كاتبنا الفذ "الطيب صالح"، الذي جاء مدعواً من قبل مقرري المهرجان، وقد حييناه وأخذنا مقاعدنا.+
توقعتُ أن يجلس أديبنا الكبير في المقاعد الأمامية شأنه شأن كبار المدعوين، ولكنني لم أدهش عندما رأيته يتجه بهدوء إلى أحد المقاعد الخالية وسط جمهور الحضور ثم ما يلبث أن يستغرق في ونسة عادية مع الجالس بجواره قبل بدء الأمسية.+
ذلك التصرف البسيط رسّخ عندي ما لمسته من خلال ما جاء في سيرته الذاتية - التي أعدها "طلحة جبريل "- من أن الكاتب قد اختطّ لنفسه نهجاً وبرّره تبريراً يبدو منطقياً ومعقولاً. وذلك حيث قال: "والمؤكد أن طبعي وأسلوب تفكيري لا يناسبان المواقع التي في الصدارة، حتى حين يجلس الناس حول مائدة +
الأكل، لا أفضل أن أكون في الصدارة لأن الإبتعاد أو الإنزواء يمنحك حرية كاملة، حرية أن تدخل أو تخرج متى تشاء أو حتى تراقب الأشياء من بعدٍ كافٍ وهو ما يناسبني".
وإن كان الطيب صالح قد نال حظه من الشهرة والتكريم، فذلك لأن رواياته قد تخطّت حاجز المحلية، فقد أرغمت روايته "موسم الهجرة +
إلى الشمال" العالم على الإعتراف بها سفيراً فوق العادة لبلدٍ ظل حتى الأمس مغموراً يجهل الكثيرون موقعه على خارطة الأدب.
على أن تلك الشهرة التي حصل عليها "الطيب صالح" لم تكن تستهويه كثيراً، بل ظني أن شعوره نحوها كان يخالطه نفورٌ بيّن ويبدو ذلك جلياً في قوله"ولدىّ شعور كذلك+
وتلك نقطة قد لا يستوعبها كثيرون، أن الشهرة توبخني، لذا لا أحس بأي متعة من الشهرة، بعض الناس يعتقدون ذلك من قبيل التواضع لكنه قطعاً ليس كذلك، أحس بالتوبيخ الداخلي، إذ أنني أدرك أن الشهرة قد جاءتني بسبب تنكري أصلاً لبيئتي ومحاولة إقامة جسور معها من خلال الكتابة".+
عندما طرقت "موسم الهجرة إلى الشمال" باب مجلة "حوار" البيروتية سنة 1966م ما كان يدور بخلدها أن تلك الطرقات المترددة الخجولة ستنقلب إلى طبول أفريقية صاخبة تشد الجميع إليها وتغريهم بالرقص على دقاتها فيرقصون طويلاً حتى تتقطّع منهم الأنفاس وتتفتّت الأوصال، وما يلبث كل شيء أن يتوقف+.
ويسود السكون مخلفاً وراءه سحابةً كثيفةً من الغبار.. فتسترخي الأجساد المنهوكة وتغرق في بحرٍ من العرق.
ثم ما هي إلا برهة أو بعض برهة في حساب الزمن، حتى يطل طيف "الجيوكندا" من خلف سحابات الغبار وابتسامتها الغامضة ترقدُ بين جفنيها، فتدبّ الروح في الأجساد الواهنة وتشخص الأبصار، وما+
تلبث خيول الفكر أن تركض من جديد.ما فتىء الكاتب من خلال سيرته الذاتية يُنحي باللائمة على نفسه لأنه غادر السودان فيقول: "كان يبدو لي أن الأمر يتسم بالغرابة أن يجيء إنسان إلى "لندن" وهو ينتمي إنتماءً عميقاً لبيئته المحلية ثم يتغرّب لسنواتٍ طويلة ويتزوج. تلك كلها أمور لم تكن تخطر+
على البال، لكني لا أزال أعتقد أنه ربما كان الأفضل لي لو لم أغادر السودان، ويبدو لي أَنني كنت سأعيش مرتاحاً".
تلك البيئة الجديدة التي حمّلها الكاتب وزر تنكره لبيئته القديمة والتي عجزت، رغم وضوح بصمتها في كتاباته، على أن تغتال طفولته هل كانت شراً محضاً؟ وكيف تكون كلها شراً وقد +
إستثارت في داخله ذلك الكم الهائل من الشجن والحنين نحو قريته ومرتع طفولته اللذين لولاهما لما كانت هناك "موسم الهجرة إلى الشمال" ولا "عرس الزين" ولا "دومة ود حامد" ولا ....
وهنا جاء الأستاذ "محمد أبو دومة" ليقدم للأمسية ما حتم علي أن أعتدل في جلستي وأقفل باب حوارٍ داخليٍ فرضته ظروف المكان.
*في حين أن التحليلات والأفكار والرؤى حول رواية موسم الهجرة إلى الشمال لم تتوقف، نجد أن هذا الأمر ينسحب أيضاً على "الموناليزا". فلا يزال اللغز الذي تحمله ابتسامتها مثار جدل وتساؤل دائم.

جاري تحميل الاقتراحات...