لم يكن عالم دينٍ تقليدي أبدًا، فتلاقُحُ المدارس والعلوم والمعارف والأفكار في نفسه كانت مُقدمات نتجَ عنها حالة تكاد تتفرد، كانت النتيجة= عمقًا وفهمًا وتعدد زوايا نَظَرٍ وامتداد نفع، حتى رأيتُ أكابر الناس يقفون عند رأيه ويتلمّسونه.
كان العِلم والعلماء ومَن في حكمهم محل اهتمام عنده، فكان يولي شؤونهم وشخوصهم اهتمامًا واحترامًا، وكان جادًّا في مناقشة كل ما يعتري دورهم وثِقلهم، مِن ذلك حديثه المتفرّد منذ عام ١٤٢٧ هـ حول (فقه المراجعات والتراجعات) و(ظاهرة التطاول على العلماء).
وصف أحد خصومه حديثه بأنّ له نفاذ السِحر، ثم قال: "...والجميع في ذهولٍ مما ينطق به!" هذا رأي الخصم، ويُغني عن رأي المُحب:) وهو انعكاس مواقف خصومه منه، كانوا يحترمونه ويرون فيه الخَصمَ الشريف، والنبيل الذي لا يتجنَّى ولا يفتئت.. ولا بد أن أؤكد هنا أنه كان مُتمسكًا جدًا بما يعتقد!
للشيخ هَيبة يعرفها القريب والغريب حتى رأيتها في بعض أشياخه :) ، كما كان حُبّهُ يُغرس بيد سماوية في قلب كل مَن لَقيه.. كان عزيزًا جدًا، أنِفًا، لم يرْضَ يومًا أن يُستخدم عِلمهُ، وكان يتمثّل قول الحسن في حق مَن أرخص نفسه وعلمه حين قال لبعض علماء السوق: (..فضحتم القراء فضحكم الله!)
وكما مُلئ عِلمًا وحِكمة، فقد رُزِقَ أدبًا جمًّا، وكان يُشيع هذا المعنى في نفوس من حوله.. ومع تداعيات لهيب أحداث ٢٠٠١ م كان لأحد أساتذته تحوّلًا صاخبًا، وقام في وجهه من قام، وشيخنا في أقصى المجلس قد غمرهُ أدب الطالب مع أستاذه؛ حفظًا ليده وفضله.. كان صمتهُ أبلغ من حديث كل مَن تحدث!
ارتباطه المُبكّر بتراث أئمة الحديث، ثم بمؤلفات تقي الدين وتلامذته النجباء كان يتجلَّى في عدة مواطن، منها: فقه السلوك والتزكية الذي كان يتبناه! تشرَّب روح ما كانوا عليه، ثم أعاد إنتاج كل ذلك في أثواب تناسب ما كان يرومه.
جاري تحميل الاقتراحات...