خَبْء!
خَبْء!

@nation182

31 تغريدة 21,236 قراءة May 30, 2020
دخلت مغسلة الموتى بقلب وخرجت بقلبٍ آخـر
١ / ١٠ / ١٤٤١ هـ
يوم العيد الفطر كان أولهُ فرحة زاهرة،وآخره فاجعة ساخنة؛ في الليل تناولت جدتي عشاءها وأدويتها اغتسلت وتوضأت للصلاة ، استقبلت القبلة همَّت برفع كفّيها بـ ألله أكبر، ولكنها كانت ترى المنية؛ فرتخى رأسها وفاضت روحها لبارئها ..
كان يوم عيد الفطر يحمل ميلاد وفاة جدتي كل عام دون أن نشعر!
مـرَّ الليـل ثقيلا جدًا صوتها كلماتها ندائها ضحكاتها بل حتى الكُرسي المتحرك الذي كانت تُنقل بواسطته، يضُجُّ صوته في مسمعي كل لحظة ..
ومنظر سريرها وهو خالي منها المُستقر في الصالة الرئيسية الذي لم تُفارقه منذُ أكثر من ١٣ سنة كان مُخيفًا جدًا..
في اليوم التالي ..
وقد كان بالنسبة لي يومًا واحدًا لأنني لم أنم، أتجرَّع الخبر ولا أكاد أُسيغُهُ ويأتيني الموت من كل مكان وما أنا بميت..!
تراجعت بي الأيام قبل أربع سنوات أوصتني جدتي أن أُغسلها حين موتها، وأضافت قائلة
" شوفي يا وليدي حتى لو تشوفيني ميتة أنتِ خليك عندي "
فزعت لوالدي وأخبرته وقد كان رافضًا ذهاب أحد من العائلة خوفًا من " المناحة " في المغسلة، أخبرته أني وصيّتها تأثر كثيرا وقد كان خائفٌ علي لصغر سني لهذه المهمَّة؛ ولكنها الوصية لا تبديل لأمرها؛ فسمح لي بعد وعودٌ ومواثيق اتخذناها معًا ..
خرجت ومن حولي يهتفون
" اللهم ثبِّـت قلبها "
ركبنا السيارة والخوف يضجُّ بداخلي وتساؤولات..
يا تُرى ماذا سأرى ؟ غير أنها جثَّة هامدة ؟
هل ستُجيب لو أسئلها هل أنتِ راضية عني ؟
أم هل ستُبادلني حين أُدخل أصابعي في يديها لعبة الأصبع التي اعتدنا لعبها في كل مرة ؟
وماذا عنّي حين أراها ؟
لجأت إلى ربِّ البرية " يا ربّ اربط على قلبي "
ماهي إلا لحظات توقفنا عند مبنى "مغسلة الأمـوات" خلف المسجد الجامع الذي طالما أحب الإعتكاف به انشرح صدري عندما رأيته ومن ثمّ توقفنا عند الباب أبوابه سوداء ضخمة بعض الشيء، ومُتضح أن زوَّارها هاديئون مُنظَّمون..!
سارت قدماي ثقيلة جدًا داخل مبنى المغسلة بثباتٍ لم أعهده على نفسي، علِمت حينها أنهُ لُطف الله وجبرُه وإحسانه تغمَّدني والحمد لله.
بينما أنا أسير مُقبلة على غرفة الغسيل، طبعًا الجو كان هادئًا جدًا جدًا لا صوت ولا حركة، وعندما اقتربت لغرفة الغسيل خرجت لي احد المسؤولات وهي مُغسِّلة موتى سألتني: تغسيل جنازة ؟
أجبتُها: نعـم
قالت: إذًا ارتاحي هنا على الكرسي لمدة دقائق ونبدأ إن شاء الله ريثما ينتهي عامل النظافة
خلالها رأيت ٥ فتيات وأم عمرها قُرابة ٤٠ سنة يبكون على فراق ذويهم..
ففاضت عيناي ولم أشعر بنفسي ماهي إلا لحظات وتذكَّرت وصية والدي عندما سمح لي بذهاب قال " يا حبيبتي أنا موافق بس أوعديني تصيرين قويّة ؟ "
يتبع...
وتذكَّرت أني أجبتهُ وكلي يقين أن الله سيربط على قلبي قائلة " أبشر والله ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمـرًا "
استرحت دقائق كما قالت ..
ومن ثمَّ دخلنا الغرفة ،، وعندما أبصرتُ في المكان ارتسم في عقلي كل أفلام الرعب وإن لم أكن من متابعيها ، غرفة شديدة البرودة والهدوء؛ كبيرة يوجد فيها ثلاث سرائر خشب أشكالها غريبة جدًا لا تُهيئ للإضجاع ليست كتلك التي نراها في المنزل..!
أطلت النظر وأنا أتمعَّـن في المكان الذي أنا فيه وتساؤولات جدتي أين هي؟ أصبحت أدور بين السرائر وأرجاء المكان أبحث عنها ، أين هي " ثلاجة الموتى ؟" معقولة لم تصل الجُثة من المستشفى حتى الآن؟!
قطع حبل أفكاري صوت: لو سمحتي ممكن تنزلي عباتك وتلبسي أدوات الغسيل؟
أجبتها: نعم نعم أعلم ذلك لكن هي أينها؟
أشارت للسرير الأول الذي رأيتهُ أول واحد!
نعم رأيت جثة مُكفَّنة عليها ورقة فيها كلام وختم وزارة الصحة،لكن كنت أظنه تمثال تريد أن تشرح لي كيفية الغسيل ومن ثمّ نبدأ بجدتي فعلا!
تعجَّبت كثيرًا وذُهِلت لأن جدتي ليست بهذا الحجم تلاشت وتغيَّر حجمُها..!
تقدَّمت وعروقي تكاد تتجمَّد من شدة البرودة وقلبي يكاد يخرج من بين أضلاعي، ولبست أدوات الغسيل وأنبريت لكي أُنفِّذ وصيَّـتها ..
بدأت بحلِّ عُقد كفن المُستشفى بكُـلِّ حذر وتمهُّل أكاد أتنفَّس من سمِّ الخياط، وقلبي يستعيذ ويتمزَّق شوقًا، وعيناي تترقَّب رؤية قُـرَّة العيـن، ولساني يهتف ربِّ اغفر وارحم ..
ظهرت لي يدها تلقائيًا وضعت أصبعي أرى هل تلعب لعبة الأصبع التي اعتدنا عليها؛ وهي أن تغلق يدِها على أحدى أصابعي وتتحداني أفلتها وفي كل مرة كنت أتظاهر بالكلِّ والعجز مع أنني كنت أستطيع إفلاتها بسهولة لكن أحب أن أبين لها أنها أقوى منا وأن تقدُّم السِن لم يُعجزها..!
وضعت أصبعي في يديها أرى هل تفعل حتى ولو خيال لعقلي؛ اليد اليمنى لا مُجيب! وأجرب يدها اليُسرى وإذ بها كالسابقة دون جدوى 💔
جسد شديد البرودة والصلابة لا يتحرك كأنه مُحنَّط لا أستطيع تحريك أصابعها بل توقفت عند آخر حركة قبل وفاتها..!
وبعدما أزلنا الكفن، وأخيرًا رأيت النور الذي طالما كنت أسمعه في قصص مُغسلين المُوتى والمشايخ الكِرام، لم يكن بياضًا فحسب بل كان نورًا مُشعًّا،، حقيقةً ذهبت للمغسلة بقلب ورجعت بقلبٍ آخر 🍃
أن تدخل مكان لا يدخله إلا الذي قد انقطع عمله إلا عن ثلاث، مُخيف جدًا والحسرة عندما لا تضمن تلك الثلاث 💔..
مُتأكدة أن جدتي أرادت بي خيرا عندما أوصتني أدخل هذا المكان، كي أعِظ قلبي وقلوبكم..
قلت لنفسي: يا نفس هأنتي الآن دخلتي هذا المكان وقد سمَّيتُه " مطار الموتى " بقلبٍ حي وروح تتنفس ما زالت على قيد الحياة، لا تدرين المرة القادمة قد يُؤتى بكِ دون علمِك، وأنتِ يا نفسي تعلمين جيدًا ما أعنيه..!
يا نفسي إعملي من الصالحات من قبل أن يأتيكِ يومٌ لا مردَّ له من الله ..
يا نفسي لا تحقري من المعروف شيئًا ..
يا نفسي إن يومكِ آتٍ وربما ميلادُ موتكِ يمرَّ عليك كل عام وأنتِ في غفلة منه ..
يانفسي احذري أن يرحل أحدهم من هذه الدنيا وهو يشكيكِ إلى الله ..
ترغيبا وترهيبا ..
أما الترغيب طمأنَ ربي فؤادي برؤيتها تشع نورًا وأنني نفَّذت وصيتها كما طلبت مني بغسلها عند رحيلها ..
وأن هذه الدنيا زائلة وكأنني رأيت مراحل حياة الإنسان في هذه الحياة بوضوح ..
وأما الترهيب .. يااااهٍ ماذا أقـول
عندما انتهينا وودَّعتها وركبت السيارة أشرت إلى قلبي وهتفت: هذه الرسالة لك ياقلب فهل اتعضت ..؟
حقيقة هي صفعةٌ لقلبي وأريد أن أصفع قلوبكم معي .. كل الدنيا زائلة لا تُساوي ذنبك لذة ساعة، ماذا بينك وبين الله عندما تتجرأ يا بنى آدم .. ويّحـك.
صدقني الدنيا لا تساوي حقد ولا زعل ولا بغض ولا قطيعة رحم ولا نظرة ولا كلمة ولا تساوي معصية تغضب بها ربك وأنت راجعٌ إليه لا محاله؛ خرجت من المغسلة وقلبي يُكرر :
{ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } ..
أرجـوك بقدر المُستطاع حاول أن تغادر بسـلام.
ثمَّ إنَّ السائر إلى الله لا يقف إلا بالموت، فما دام حيَّاً فإنه لا يبرح عتبات العبودية..!
أيقنت في آخر المطاف اننا نحن للمفقودين ليس من رحلوا ..
اللهم حسن الخاتمة التي تُرضيك عنَّا.
وفي الختام؛ السلام.
كُل واحدٍ منا يجب عليه أن يُناشد نفسه يبكيها ويُعنِفها، أيا نفسُ أنك الآن في الطريق، أيا نفس إننا لم نُخلق عبثًا، أيا نفس أُتركِ مالا يعنيك واشتغلي بما يُرضي ربكِ جلَّ وعلا، أيا نفس إما أن تتقين الله أولا ليُصيبنَّكِ عذابٌ أليم، يا نفسي جاهدي والله معنا ولن يترنا أعمالنا 💛🍃
ثمَّ إنَّ السائر إلى الله لا يقف إلا بالموت، فما دام حيَّاً فإنه لا يبرح عتبات العبودية..!
أيقنت في آخر المطاف اننا نحن للمفقودين ليس من رحلوا ..
اللهم حسن الخاتمة التي تُرضيك عنَّا.
وفي الختام؛ السلام.
هذه الدنيا التي نلهث وراءها ستّلقي كل شيء في ووجهنا حين تأتينا لحظة الرحيل،،
حقًا إن العيش عيش الآخرة..
عيشوا لله، حبّوا لله، أحسنوا لله ابتسموا لله، تعلّموا لله، حاول بقدر المستطاع أن تعيش حياتك كلها لله، لأنك حقًا لله .. ولست للناس
ثمَّ إنَّ السائر إلى الله لا يقف إلا بالموت، فما دام حيَّاً فإنه لا يبرح عتبات العبودية..!
أيقنت في آخر المطاف اننا نحن المفقودين؛ وليس من رحلوا ..
اللهم حسن الخاتمة التي تُرضيك عنَّا.
وفي الختام؛ السلام. 🌿
بالمناسبة ..
لا فائدة من أن نتأثر ولا نتغيَّر ..
اعزموا واعِدُّوا العُدَّة ولا تخافون بالله لومة لائم ، لا تسمحوا للدنيا أن تُنسينا وِجهةَ السفر، الله معي ، الله معكم ، الله مع الراحلين ..
لا تستأذنونني في نشرها عبر الواتساب أو غيرها أنتم في حِلّ .. كتب الرحمن أجركم.🍁
t.me
القصة مُسجَّلة صوتيًا هُنا ..
أهلًا بك ..🤍
لم يكن مجيئُك محل صدفة!
ولا ينبغي له أن يكون..!
رابط المونتاج كاملا:
youtu.be

جاري تحميل الاقتراحات...