من الأفكار الجميلة اللي ذكرها عالم النفس الوجودي رولو ماي وهو بيتكلم عن جذور المأزق الأنتجت لينا فقداننا للهوية والقلق والخواء المصاحب للحياة الحديثة، هو كلامه عن فقداننا لي إحساسنا وارتباطنا بالطبيعة، وتحولها من عنصر بنيويّ من التجربة الوجودية حقتنا لي غريب/أجنبي عننا.
بيقول:
"يميل الأشخاص الذين فقدوا إحساسهم بهوياتهم كذوات أيضًا إلى فقدان إحساسهم بالارتباط relatedness بالطبيعة. فهم لا يفقدون فقط تجربة الارتباط العضوي مع الطبيعة غير الحية، كالأشجار والجبال، ولكنهم أيضًا يفقدون بعض قدرتهم على الشعور بالتعاطف تجاه الطبيعة الحية، أي الحيوانات".
"يميل الأشخاص الذين فقدوا إحساسهم بهوياتهم كذوات أيضًا إلى فقدان إحساسهم بالارتباط relatedness بالطبيعة. فهم لا يفقدون فقط تجربة الارتباط العضوي مع الطبيعة غير الحية، كالأشجار والجبال، ولكنهم أيضًا يفقدون بعض قدرتهم على الشعور بالتعاطف تجاه الطبيعة الحية، أي الحيوانات".
وبيقول برضو شارحًا السبب:
"وعلى مستوى أكثر يومية، فنقطتي بكل بساطة هي أن الشخص حين يشعر بأنه فارغ داخليًّا -كما هو الحال مع العديد من الأشخاص الحديثين- فهو سيختبر الطبيعة حوله أيضًا باعتبارها فارغة، جافة، وميتة.
كلا تجربتي الفراغ هما وجهان لنفس الحالة من العلاقة الفقيرة بالحياة"
"وعلى مستوى أكثر يومية، فنقطتي بكل بساطة هي أن الشخص حين يشعر بأنه فارغ داخليًّا -كما هو الحال مع العديد من الأشخاص الحديثين- فهو سيختبر الطبيعة حوله أيضًا باعتبارها فارغة، جافة، وميتة.
كلا تجربتي الفراغ هما وجهان لنفس الحالة من العلاقة الفقيرة بالحياة"
وطبعا سبب الظاهرة دي مرتبط بصيرورة الحياة الغربية، خاصة أنو لمن جا عصر التنوير وقام على تمجيد العقل واخترع -وهو مفتون بالعلوم الطبيعية- فصل حاد بين الذات (الإنسان) والموضوع (الطبيعة)، وبقا الهدف هو السيادة وإحكام السيطرة على الطبيعة، وده بيحصل بسبب العلم التجريبي الناشف بس.
فبدأت تحتدّ سطوة أقانيم "الموضوعية" و"العقل" و"العلم"، وتبخيس قيمة المشاعر والفنون والشعر والمعاني الذاتية، فدي حاجة ساهمت في خلق اغتراب للإنسان عن طبيعته، لأنو الطبيعة بدأت تفقد المعاني الرمزية الثقافية الكانت مكتسباها في مختلف الثقافات، واتحولت لمصدر موارد محتمَل كبير.
وده أحد الأسباب الأنتجت الحركة الرومانسية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، والعملت على تمجيد المشاعر واللاعقلانية، وكسر شوكة لاعقلانية الخانقة السيطرت على الحياة، إضافة لي أنها عملت على رمنسة romanticizing الطبيعة، ودي بتظهر عند جان جاك روسو مثلًا.
وإضافة لكلام رولو ماي عن اغترابنا عن الطبيعة ممكن نلاحظ لي أثر التكنولوجيا بمختلف أشكالها على علاقتنا بالطبيعة، حنلقا أنها في الغالب زادت اغترابنا عن الطبيعة وعن خوض تجربة وجودية وإحساس حقيقي بالحياة، لأنها فعليّا بقت تحول بيننا وبين الطبيعة، وبتكفينا عبء أنها نعالج الحياة بنفسنا
العلاقات الاجتماعية نفسها ماشة تفقد خاصية التجسد embodiment، وجاهل جدا البيكون أنو وجود الجسد ودلالته الثقافية في علاقتك مع زول هو شي ثانوي أو ما عنده معنى، بل الجسد بيكسب التجربة الوجودية بتاعة تواصلك مع زول خصائص كتيرة، وبيضفي روح خاصة على التعامل بيناتكم.
وكلنا شايفين مع الكورونا ده، ومدى ارتباطنا مع التكنولوجيا زاد كيف، تقريبا نحن ماشين نفقد رفاهية أنك تكون موجود وبتتفاعل مع الحياة والعالم بدون وسيط تكنولوجيا موجود، وحقيقة بحب أفكر شنو هي الحاجات الحنفقدا مع الحاجة دي، هل ربما عفوية الوجود نفسه..؟!
يصدق نفس الشي على علاقتنا بالطبيعة، سواء لأسباب الانشغال بالتكنولوجيا، أو لسبب استعمالها نفسها في رصد الطبيعة، بقينا بنتعامل مع الطبيعة عبر الصور والفيديوهات ربما أكتر من مباشرة.
وطبعا البيوت الاسمنتية العالية للمدن برضو بتساهم في الاغتراب ده عن الطبيعة.
وطبعا البيوت الاسمنتية العالية للمدن برضو بتساهم في الاغتراب ده عن الطبيعة.
وحتى لمن نصادف الطبيعة، فنحن بنكون غالبا فاقدين لتجربة الجسد مع الطبيعة، يعني كم مرة بنكرر تجربة نقيف ونستشعر تجربة الرياح على أجسادنا، التركيز على موضع معين من الجسد وكيف الحاجة دي بتغير تجربتنا الداخلية تجاه العالم، وهكذا.
ودي من الحاجات الانتبهوا ليها ناس العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج السلوكي الدايلكتيكي، عندهم تمارين طويلة لموضوع التأمل mindfulness، أكبر تركيزها على إعادة الإحساس الجسد والتركيز على تجربته.
بعيدًا من ده:
ما قدرت تغيب عن ذهني وأنا بكتب الكلام ده الكيفية الكان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم بتفاعل بيها مع الطبيعة والنصوص الوصلت لينا عن الموضوع ده، زي أنو كان لمن ينزل مطر بيكشف عاتقه وبيعرض للمطر، وبيقول "إنه حديث عهد بربه".
ما قدرت تغيب عن ذهني وأنا بكتب الكلام ده الكيفية الكان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم بتفاعل بيها مع الطبيعة والنصوص الوصلت لينا عن الموضوع ده، زي أنو كان لمن ينزل مطر بيكشف عاتقه وبيعرض للمطر، وبيقول "إنه حديث عهد بربه".
هنا الطبيعة هي ما مجرد موجود غير الإنسان، بل قاعدة تكتسب دلالات ثقافية ومعاني، وبتدل بصورة رمزية داخل النظام الاعتقادي حق المسلم، فبتبقا قضية الارتباط بالطبيعة جزو من صميم الاعتقاد حق الزول، باعتبار "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..."
وقريب من الشكل ده، قوله صلى الله عليه وسلم "أحد جبل، يحبنا ونحبه"، فهنا هل العجيب أنو رجل يصرح بحب جبل أو صخرة جامدة، ولا أنو يقول أنو الصخرة دي نفسها بتبادل النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا بحبّ.
وبرضو قصة حنين جذع النخلة، وقصة من فجع هذه بولدها، وغيرها كتير من الأشارات القرآنية والنبوية البترشدنا أنو الطبيعة كلها بتعزف في سيمفونية واحدة نحن جزو منها، وده معنى بيخلق اتصال بين الإنسان وطبيعته، وبيبعدنا عن الاغتراب عنها.
طبعا المعط ده كلو كتبته لأنو أمس قعدت الصباح في كرسي في سهَلة، جوة ضل وكان جنبي شجرة، والهوا كان بيهزها وبيهبشني، والشجر كانت بتحتّ أوراق شوية، وحقيقة اللحظة دي كانت حاجة جميلة شديد وورتني أنو الحبسة جوة الحيطان الأربعة الفرضها علينا التمدن مفوتة علينا حاجات قيمة شديد.
جاري تحميل الاقتراحات...