سـعـد | Saad
سـعـد | Saad

@NeuroSaad

14 تغريدة 3 قراءة May 28, 2022
هناك أسباب عديدة، مفهومة وغير مفهومة، لانتشار أمر لا يستحق الانتشار "أحيانًا"، كانتشار تغريدة عادية، "ثريد"، أو "سنابة" لحساب مغمور، يحار حتى صاحب الحساب في فهم أسباب انتشارها، وقد باءت محاولاته الأخرى قبلها (وبعدها أيضًا) بالفشل في انتشارٍ مشابه يمكن له فهمه وتكراره مرة أخرى.
هناك أسباب عدة طرحتها سابقًا، هنا أحاول طرح سببٍ آخر قد يكون مفيدًا، وهو رغبة البعض في الانضمام لصياغة الحدث، لكن هذا الحدث ينبغي أن يكون فريدًا، فالضجة ولا منطقيتها أسباب كافية -في مثل هذه الحالةـ لهستيريا الانتشار، فيثير هذا ارتباك المتابع المحايد، ويستفز محاولاته لعقلنة الحدث!
لذلك قد تفشل الأحداث ذات النمط الواحد -عادةً- في إثارة نفس حدة هذه الضجة بعد فترة من الزمن أو بعد تكرارها بسبب تراجع فرادتها، كأن الناس ينتظرون نمطًا جديدًا من الغرابة حتى يصنعون ضجة جديدة، هذا في حال كانت الضجة مدفوعة بمثل هذه الغرابة من البداية، وهذا لا يطابق كل ضجة -طبعًا-.
لا يهم هنا كثيرًا شهرة صاحب الحساب، فالضجة تخلق شهوة خاصة في نفوس البعض لاتباع غوايتها حيث كانت، لكن الحسابات المشهورة أيضًا قد تكتسب بعض شهرتها أحيانًا لذات السبب، فيحب البعض أن ينضوي تحت الحسابات الذائعة فيكون جزءًا من دورة حياتها، بالذات حين تكون المتابعة لها جزءًا من شهرتها.
وفي الوقت الذي يحاول البعض استيعاب الحدث (وربما تسارعه وتبعاته غير المتوقعة) ومحاولة فهم ما يجري من منظور المحتوى وحده وربما بعض جوانبه المصاحبة، تتابع تلك الجماهير تدفقها كموتى سائرين لا علاقة لهم بالمحتوى نفسه، يحاولون أن يصبحوا جزءًا من الحدث كما هو، وفق مساحة التعبير المتاحة.
بضغطة زر، ينتقلون من وحدتهم وعزلة أثرهم وضآلة شعور بعضهم بقدرته على التأثير فيما حوله، إلى عالمٍ آخر يشعرون فيه بأنفسهم، بشيءٍ من أثرهم الغائب أو المسحوق، يتجاوزون بهذه النقلة المفهوم التقليدي لـ"الإعجاب" والـ"رتويت" والـ"هاشتاق"، فيستصنعون لأنفسهم معانٍ أخرى مضمرة تحركهم بحماسة.
يصبح الأمر أكبر من تغريدة أو ثريد، يشقون في الـ"ترند" الظاهر ترندًا آخر يخصهم، يقومون أثناء فعلهم هذا بإنعاش جزءٍ غائبٍ من أنفسهم، يتجرعون به ما يروي عطش التأثير، فتنتقل في نفوسهم ملكية التغريدة ويصبحون جزءًا فاعلاً فيها، فينفخون النار في شهرة الحساب ربما دون اكتراث بصاحبه حتى!
فالمسألة تتجاوز الإعجاب بالحساب وصاحبه، بل قد لا يكون في الأمر أي إعجاب أصلاً، يحركهم فتورهم الشخصي، انطباعات متواضعة عن أنفسهم، ضجرٌ من ضغط التطلع للأمور الجادة، أو غير ذلك مما يزرع في داخلهم الرغبة في خوض أي ضجة يمكن لها أن تثير الاستغراب وتستفز الجدية ومنطقها في بيوت أصحابها.
فهل تظن أن أمرًا يثير مثل هذه الرغبة في التضامن والإحساس بالقدرة على التأثير واستفزاز الجدية وبعض أصحابها الذين يلوحون أحيانًا من أبراج عاجية، سيمر دون اهتمام؟ لا، وقد يحوز اهتمامًا يطمس الاهتمام بأحكام الذين يبحثون عن منطقية الحدث، بل ويتغذون على استفزازهم.
لكن هل يحق لنا أن نصف الضجة التافهة بأنها تافهة؟ بالطبع، لكن لحظة! هل يعفي هذا المحتوى الجاد من إمكان وصف ضجته بالتفاهة أيضًا؟
لاحظ أننا فصلنا بين المحتوى وبين الضجة نفسها، فالمحتوى التافه لا خلاف على تفاهته، لكن ردود الفعل تجاهه أمر آخر، وينطبق هذا على المحتوى الجاد أيضًا.
فالمحتوى الجاد لا يعني أن شعبيته جادة بالضرورة، بل إن شعبيته وفق المركب الانفعالي الذي يحيط شعبية غيره قد تضعه معهم في مركب واحد، فمن يضمن أن ٣٠ ألف إعجاب بتغريدة جادة ليست محاولات أفراد للشعور بتأثيرهم أو تضامنهم "فقط"؟ هذا يعيدنا من جديد لمساءلة مثل هذه الأرقام ودلالتها.
فتلك الأرقام لا تؤخذ وحدها، وقد تهذب هذه الحقيقة استفزازنا حين تكون ردود الفعل تجاه المحتوى التافه ضخمة، هي عامل من عوامل جذب الانتباه للحساب قد تفيد صاحبه، أما المحتوى فلا يقاس بهذه الأرقام، لا أقول أن الأرقام لا قيمة لها، بل مهمة لتسويق الحساب، ولكن ليست مناسبة لمحاكمة المحتوى.
بل لو كان بوسع الحساب الجاد أن يضحي ببعض جديته فيغرد تغريدة في غاية التفاهة يضمن بها ضجة مناسبة، ليكوّن منها قاعدة شعبية من المتابعين ثم يعود لجديته، فربما كان لهذه الطريقة ضرورة، لولا أن المحتوى وحده لا يضمن ذلك، لذلك لا نستطيع محاكمة المحتوى من تفاهة ضجته إلا بشيء من التحيز.
ختامًا، لا ننسَ أن لكل ضجة سياقات اجتماعية وشخصية متداخلة تغير أوزان خيرها وشرها، وليست جميع التفاهات شرًّا، فالضجة التافهة حول تغريدة فارغة خيرٌ من ضجة تافهة حول دعوة لفساد أخلاقي، فالضجة تنفصل وتتصل بحسب علاقة أصحابها بالمحتوى، والضجة سوق للبضاعة بغض النظر عن عملية البيع.

جاري تحميل الاقتراحات...