16 تغريدة 32 قراءة May 28, 2020
''ولدته أمه سرا، ثم وضعته في سلة ورمته في النهر، ليلتقطه أحد خدام الملك، فأخذه إلى القصر''
قبل أن تعتقد أنه سيدنا موسى، ستخبرك على الفور أنه:سرجون!
إذا لم تكن تعرفه فواصل معنا، اما أذا حثل لك الشرف وتعرفت عليه فيما قبل فرغم ذلك واصل معنا! لأننا سنعرفك عليه بطريقة مختلفة تماما
أولا دعنا نقول بان تلك القصة عن مولده هو من ودونها في الألواح الآشورية المكتشفة في القرن التاسع عشر. وبما انه هو المدون فنحن سنصدقه ولا نصدقه في نفس الوقت، فكل من كتب تاريخه بنفسه هو كالأم التي تتغزل بابنتها العروس! لا شك لن يكون محايدا، وهذا ما سنراه في استكمالنا لتلك التدوينة
يقول سرجون في تدوينته: وأحبتني عشتار وصرت ملكا
وعشتار معروفة في الحضارات القديمة بأنها إلهة الحب والجمال والحرب ، وقد كان اسمها عند السومريين إنانا، إلى أن وصل سرجون للحكم فغير الاسم إلى عشتار . ثم بعد ذلك ادعى أنها وقعت في حبه كي يتحول إلى شخص مقدس تفوق مكانته أي حاكم قبله
من هنا يتضح فعلا أن قصة سرجون فيها مبالغة صارخة تعمد أن يرويها حتى يسطر شخصية أسطورية في التاريخ، خصوصا أنه جاء من العهد السومري الذي كان فيه الملوك يعدون في مقام الآلهة، وهذه الصفة كان في حاجة ماسة إلى اكتسابها رغما عن أصله الأجنبي الذي لا ينتسب للعائلات الحاكمة للمدن السومرية
لهذا السبب لن نخوض في قصة سرجون عند ميلاده، بل سنهتم أكثر بمسيرته نحو الحكم حتى أصبح ملهما لمن بعده، والتي بدأها بالانقلاب على ملك ''كيش'' الذي كان يعمل ساقيا له في قصره....
وبذلك نكون قد تجنبنا الغوص في الخرافة وانطلقنا نحو صحيح التاريخ
الثابت والأقرب إلى الحقيقة أن سرجون من أصول سامية، ولد سنة 2391 قبل الميلاد، دخل قصر ملك كيش 'اور زبابا' عن طريق ساقيه 'اكي'. وعندما توفي هذا الأخير احتل سرجون مكانه كساقي الملك الجديد، وقد استغل هذا القرب ليحصل على نفوذ قوي في مملكة كيش التي كانت من اهم المدن السومرية
حسنا، سرجون الآن مع ملك كيش في القصر، فماذا تنتظر منه أن يفعل؟
في الواقع هو لم يترك لنا فرصة للانتظار، فقد تعاون مع بعض رجال البلاط وتم الإطاحة بولي نعمته الذي هرب، وبعدها أعلن نفسه ملكا...وبما أن الأسماء كانت بالمجان فقد سمى نفسه شيروكين أي سرجون، والتي معناها: الملك الأسد
هل كان ملك كيش مغيبا لدرجة أن يسمح لسافيه بأن ينزعه من الحكم؟ في الخقيقة، الجواب هو: لا
إذ يحكى أن الملك أدرك فعلا تمدد نفوذ سرجون بين دواليب الحكم، وشعر برغبته في المكر، وأحس بشخصيته القيادية التي ستشكل خطرا على العرض، لذلك سيرسله في مهمة إلى ملك أور
ملك أور تنازع مع ملك كيش، فأرسل هذا الأخير سرجون للتفاوض مع منازعه، وقد بعث معه برسالة يطلب فيها من ملك أور قتل سرجون فور وقوفه أمامه، فرفض ملك أور التنفيذ، وضمه إليه، ثم ساعده على الإطاحة بملك كيش، وهو لا يعلم أنه بعدم قتله سيكون كمن يربي الأسد الذي سيفترسه في وقت لاحق!
هنا، ولكي تفهم القصة جيدا، فبلاد سومر مقسمة إلى دويلات، لكل مدينة ملك، وهذه المدن في عهود مختلفة كانت تدين بالتبعية لملك واحد يكون قويا، لكن دون تبخيس للملك المحلي لتلك المدينة
بمعنى أن هناك تناوب بين ملوك هذه المدن على الريادة، ليبقى الحكم المحلي تابعا لسلالة كل ملك على حدى
وهنا نذكر أنه عندما كان أور زبابا ملكا لكيش، كانت المدن الاخرى تحت حكم ملوك آخرين، وقد كان أقواهم الشاب ''لوكال زاكيزي'' الذي بدأ يزحف على المدن الأخرى ليحصل على الزعامة والسيطرة، بل التاريخ يروي لنا أنه كان سيسبق سرجون إلى توحيد البلاد والقضاء على تعدد الملوك
المهم وصل سرجون، وارتاح على كرسي الحكم، وتنعم، وبدل أن يسقي الملك أصبح هو الملك الذي يحيط به السقاة....وقد كان قويا للغاية، جسورا لا يهادن، فبدأ بتأسيس جيش قوي، هو اللأول في المنطقة
ليوجه بعدها سلاحه نحو لوكال زاكيزي
البعض يقول أن سبب النزاع هو أن زاكيزي رفض مصاهرة سرجون، والبعض يقول أن السبب هو الرغبة في السيطرة، لكن الأكيد حقا أن سرجون أرتكب محزرة ثي أتباع زاكيزي، هذا الأخير الذي سقط أسيرا، ليتم اعدامه بعد تقييده واصطحابه إلى مدينة نيبور التي كانت رمزا دينيا حتى يحضى القتل بمباركة الآلهة
حسنا لكي نخرج من هذه البوتقة، نقول: سرجون أصبح مسيطرا على كل بلاد سومر، ويعتبر أول من ارسى مفهوم الدولة الموحدة في بلاد الرافدين، بعدما كانت مفرقة إلى ملوك ودويلات، وهذا أمر تحقق بفعل شخصيته الفريدة وعنفه الطافح...فسرجون كان رجل دولة بامتياز امتدت مملكته لأقصى السرق والغرب
مستقبلا قد نحكي هنا عن انجازات سرجون، لكن قبل ذلك لا بد لنا من وقفة للتفكير في كيف خلق من نفسه أسطورة انطلاقا من قصة لا أساس لها من الصحة..هي حكاية الولادة، والنهر، والسلة التي رمي فيها، وصولا إلى حب عشتار له..بل الأسطورة الحقيقية هي طريقة وصوله للحكم وتأسيس أكبر دولة في المنطقة
لنبحث في هذه الفكرة، فربما تكون لنا الفرصة لمناقشته في موضوع قادم، فشخصية سرجون الخرافية تستحق أكثر من ذلك

جاري تحميل الاقتراحات...